أخباركم – أخبارنا/ عايدة الأحمدية
يقف لبنان أمام مرحلة حسّاسة تُرسم ملامحها في الأيام القليلة المقبلة، حيث يتقاطع المسار الأمني المتوتر جنوباً مع حراك دبلوماسي خارجي يسعى إلى احتواء ضربة إسرائيلية محتملة في ظلّ التهديدات المتزايدة.
من هنا تتعامل الدوائر السياسية اللبنانية مع سباق حقيقي بين جهود «الميكانيزم» من جهة، والاتصالات العربية والدولية من جهة اخرى، ولكن حتى الساعة ما تزال الامور غير واضحة بانتظار التطورات التي ستحملها الايام القليلة المقبلة
فالخميس المقبل يشهد باريس اجتماعاً تمهيدياً يضم ممثلين عن لبنان وفرنسا والسعودية والولايات المتحدة لتحضير مؤتمر دعم الجيش اللبناني الشهر المقبل. ويُرجّح أن يشارك قائد الجيش العماد رودولف هيكل في الاجتماع، لوضع المجتمعين أمام إنجازات المرحلة الأولى من خطة حصر سلاح حزب الله، وتحديد احتياجات الجيش لاستكمالها، في محاولة لإعطاء مصداقية سياسية وأمنية للمسار الذي تطالب به الدول المعنية.
وفي موازاة ذلك، ينعقد الاجتماع الثاني للميكانيزم الأسبوع المقبل، بعد إدخال عنصرين مدنيين إلى الوفد اللبناني، أحدهما السفير سيمون كرم الذي يعمل على إعداد ورقة تفاوضية متقدمة. في المقابل، تم تعيين يوريو زينك ممثلاً عن الجانب الإسرائيلي، وهو موظف في مكتب رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، ما يعكس رغبة تل أبيب في إحكام السيطرة على اتجاه التفاوض.
إلا أنّ رهان بيروت على نقل النقاش من الميدان إلى الطاولة يصطدم بتصريح واضح للسفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى، الذي شدّد على أنّ إسرائيل «تفصل بين المفاوضات والعمليات العسكرية»، في رسالة تُفهم منها أنّ التفاوض لا يوقف النار، وأنّ الهدوء الحالي ليس ضماناً لعدم اندلاع مواجهة.
وتتقاطع هذه المؤشرات مع معلومات نقلتها أوساط دبلوماسية عن المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس، التي أكدت أنّ إسرائيل تُلوّح بشنّ «ضربات كبيرة وقاضية» على مراكز حزب الله، خصوصاً في الضاحية الجنوبية والبقاع، إذا لم يسلّم الحزب الصواريخ الدقيقة والمسيّرات بحلول مطلع السنة الجديدة—a تهديد يعيد خلط الأوراق ويضع لبنان أمام مهلة خطيرة.
أمام هذا المشهد، يظهر أنّ لبنان يحاول استخدام كل الأوراق المتاحة لقطع الطريق على الحرب، ومنها تعزيز وفده في الميكانزم بمدنيين، وإطلاق حركة سياسية متوازية. وفي هذا الإطار، تبرز زيارة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى سلطنة عُمان التي حملت – وفق مصادر مطلعة – أبعاداً تتجاوز التعاون الثنائي إلى فتح باب وساطة «ثلاثية الأبعاد».
فالسلطنة، بعلاقاتها الهادئة والمتينة مع كل من طهران وتل أبيب وواشنطن، باتت تُعدّ لاعباً قادراً على إدارة ملف معقّد على خطّ لبنان – حزب الله – إسرائيل. وتشير المعلومات إلى أنّ المباحثات بين الرئيس عون والسلطان هيثم بن طارق تناولت احتمالات دخول مسقط على خطّ وساطة دقيقة تُعالج جذور الأزمة اللبنانية وتمنع الانفجار الداخلي، بالتوازي مع منع حرب إسرائيلية واسعة قد تُدخل المنطقة في دوامة لا يمكن احتواؤها.
هذه الوساطة تأتي في لحظة يتزايد فيها تصلّب حزب الله، الذي بات يعتبر سلاحه «مسألة وجودية» ليس فقط بالنسبة إليه، بل أيضاً بالنسبة إلى بيئته الحاضنة، الأمر الذي يجعل أي محاولة لنزعه بالقوة محفوفة بأعلى درجات المخاطر. وفي الوقت نفسه، تُدرك واشنطن والرياض والدوائر الغربية أنّ أي انفجار عسكري واسع لن يبقى ضمن حدود الجنوب، بل سيُفرغ ما تبقّى من استقرار اقتصادي وسياسي في لبنان.
وهكذا، يدخل لبنان أسبوعاً مفصلياً تتقاطع فيه الاجتماعات الدولية، التحذيرات الإسرائيلية، الوساطة العُمانية، والضغوط الأميركية – مع بقاء عامل الوقت الأكثر حساسية. فإما أن تنجح الدبلوماسية في التقاط اللحظة ومنع الحرب، أو أنّ الفشل سيعني انتقال المنطقة إلى مستوى جديد من المواجهة، سيكون لبنان ساحتها الأولى وثمنها الأثقل.



