الثلاثاء, يناير 13, 2026
9.7 C
Beirut

ما بعد بعد حيفا: حسن نصر الله في محكمة الضمير والوجدان الإنساني…

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ علي شعيب

محاكمة متخيّلة ليس للشخص المُدّعى عليه، وإنما للدور المدّمر والمزلزل الذي لعبه على مدى ثلاثين عاما، والذي أنهاه بالمقتلة الشيعية الأكبر في تاريخهم!

كان هناك زمن يكفي فيه أن ينطق حسن نصر الله بجملة واحدة ليُشعل الجماهير المحتشدة في هنغار كبير: “ستصل صواريخنا إلى ما بعد بعد حيفا… ستصل صواريخنا إلى ما بعد بعد تل أبيب”.

على الشاشة العملاقة، يطل وجهه هائما فوق آلاف البشر. وفي هتاف مدروس الإيقاع، يعلو صوت الجمهور: “لبيّك نصر الله… لبيّك نصر الله… لبيّك نصر الله”.

بالنسبة للجالسين في الصف الأول، أصحاب الأعناق المشرأبة لما بعد بعد فوق، كانت تلك العروض بمثابة درس أسطوري في علوم الستراتيجيا والدفاع والهجوم والردع.

بالنسبة لجلسة الصف الثاني، كانت “خطابات السيّد” “لحظات ذهبية تاريخية”.

أما الصفان الثالث والرابع، فكانت لحظات سحر مقدّس.

ذلك المشهد لم يكن عفوياً، بل كان مُصمم بعناية بالغة لدمغ فكرة واحدة في الوعي الجمعي للمشاهدين، داخل الهنغار وفي عشرات آلاف البيوت الممتدة على خارطة الوطن وفي بلاد المهجر: هذا الرجل يعرف تماما المعرفة ماذا يقول وماذا يفعل، ولا حاجة لكم إلى التفكير… عليكم بالطاعة العمياء.

وهكذا فعلوا..!

بعد سنوات، ماذا تبقّى من وعود “ما بعد بعد حيفا” و”ما بعد بعد تل أبيب”؟

مسيّرتان إنتحاريتان، واحدة أصابت منزل رئيس الوزراء الإسرائيلي فيما كان هو وعائلته في مكان آخر، وأخرى انقضت على جنود إسرائيليين وهم يتناولون عشاءهم الأخير فقتلت من قتلت وجرحت من جرحت.

كانت تلك الحادثتين إشارتين رمزيتين في أحسن الأحوال، استعراضية أكثر منها استراتيجية، على طريقة إستعراض الصواريخ على عامود حديدي لأشهر بكاملها.

في المقابل، نصف الجنوب، وأجزاء من الهرمل، ومساحات عمرانية من الضاحية صارت ركاماً.

لا أحد يعرف عدد القتلى والجرحى والمعوّقين، ولا إحصائيات دقيقة عن المفقودين تحت الردم.

أجزم بأنه لا يوجد عائلة شيعية واحدة لم تفقد فرداً أو فردين منها في تلك المذبحة.

عشرات آلاف العائلات الشيعية لا تزال مشرّدة حتى اليوم، عاجزة عن العودة إلى قراها واستعادة حياتها.

الآن، حان الوقت لنقل حسن نصر الله إلى ساحة أخرى: ساحةٍ لا تحميه فيها الشاشات العملاقة، ولا الهتافات الهادرة، ولا شعارات النصر الإلهية.

حان الوقت لاستدعائه إلى محكمة الضمير الإنساني.

*** انعقاد المحكمة ***

في هذه القاعة المتخيَّلة، ليس الخصمُ “عدواً خارجياً”.

المُدّعي هنا هو الناس الذين ادّعى المتهم حمايتهم:

فلاحو الجنوب،

عائلات الضاحية،

شبّان وشابّات الهرمل،

الأطفال النائمون في صفوف المدارس التي تحوّلت إلى ملاجئ بعيداً عن بيوتهم المهدّمة.

أمّا المتهم فهو حسن نصر الله، زعيم حزب الله – الفصيل العسكري والأمني التابع للحرس الثوري الإيراني – فرع لبنان.

وأنا أتكلم بصفتي قاضياً، لكن صوتي ليس سوى صدى لأصوات الجهة المدّعية من المستضعفين.

“يا سيد نصر الله”، تبدأ المحكمة بيانها الإفتتاحي، “لقد بنيتَ أسطورتك على وعود بالحماية والردع. استحضرتَ الله والمهدي والملائكة يقاتلون إلى جانبك. وعدتَ الناس بالنصر تلو النصر. اليوم نسألك أن تجيب، لا أمام محاكم الغيب، ولا أمام الشعارات، ولا أمام العرفانيات، بل أمام أبسط محكمة يملكها البشر: هل جعَلَت قراراتك الناسَ أكثر أمناً أم دفعتَ بهم إلى الخراب؟”

التهمة الأولى: وعودُ ردعٍ زائفة:

قلتَ لأتباعك إن صواريخك قادرة على الوصول إلى “ما بعد بعد حيفا” و”ما بعد بعد تل أبيب”، وتحدثتَ وكأن الجغرافيا نفسها ستنحني أمام هيبة ترسانتك وقوة إيمانك بالقدرات الإلهية لعلي الخامنئي ودولته الدينية.

فلنُثبت في هذه المحكمة بعض الحقائق البسيطة:

إسرائيل، بكل وحشيتها ولا مبالاتها بأرواح اللبنانيين، لا تزال قائمة وتحارب على سبع أو ثماني جبهات غير عابئة بشيء.

جبهتها الشمالية تلقّت بعض الضربات، نعم، لكنها لم تُشلّ، ولم تُدمّر، ولم تنهَر.

في المقابل، أُفرغت قرى وبلدات شيعية بأكملها في لبنان، سُوّيت البيوت بالأرض، وقُتل الشباب المقاتل البطل الذين لا زالت جثثهم تحت أنقاض البيوت، ومُسحت مصادر رزق البشر.

لذلك تسأل المحكمة:

أين هو الردع الذي وعدتَ به؟

أين هي الحماية والسلامة التي رهنتَ من أجلها أرواح الناس؟

ماذا حقّقت مسرحيات “ما بعد بعد حيفا” و”ما بعد تل أبيب” تحديداً لأهالي عيتا الشعب، وكفركلا، ومركبا ويارون، والخيام، وعيترون، والهرمل، والأحياء المكتظّة في الضاحية؟

لقد لعبتَ بحيوات وأرزاق أناس لا تملك شرعياً ولا أخلاقياً حقّ المقامرة بها.

لعبتَ “الروليت الروسية” برؤوس غيرك بينما كنتَ وعدد كبير من قادتك ومسؤوليك مختبئين في الأنفاق والتحصينات في المناطق السكانية المكتظة بالنساء والأطفال والعجزة والمعوّقين.

التهمة الثانية: التضحية بشيعة لبنان من أجل نصرٍ غيبي ماورائي سخيف

كان دفاعك الدائم، يا سيد نصر الله، دفاعاً غيبياً، ماورائياً، لا دخل له لا بالعقل ولا بالمنطق. لففتَ حروبك بمفرداتٍ مقدَّسة:

“الوعد الصادق”،

“النصر الإلهي”،

معركة كونية تنزل فيها الملائكة والمهدي ليحاربون معك، وينحني لك مجرى التاريخ.

في محكمتنا لا نحاكم ما في قلبك، بل نحاكم ما أنتجته قراراتك على أرض الواقع.

زعمتَ أن المهدي والملائكة يقاتلون إلى جانبك.

لكن في العالم الحقيقي كان أطفالُنا هم الذين يموتون تحت الركام، وشيوخُنا هم الذين يختنقون في بيوتهم، وعائلاتُنا هي التي تهرب بما تبقّى لها من متاع.

تحوّلت اللغة الدينية-اللاهوتية المغلّفة بالعواطف الجيّاشة وبالبكاء ولطم الصدور إلى غطاء لكوارث يندى لها الجبين:

عسكرتَ القرى، ودججتها بالسلاح والصواريخ والمسيّرات، ثم تظاهرتَ بالدهشة حين صارت تلك القرى أهدافاً عسكرية لعدوّ لا يرحم، لا بل هو في بحث دائم عن المزيد من دمائنا ليُسكت عطشه.

أطلقتَ الصواريخ من جوار البيوت وحتى من داخلها، ثم ألقيتَ اللوم على غيرك عندما تحوّلت تلك البيوت إلى مقابر.

قلتَ للناس إن الشهادة أسمى مراتب الكرامة… بينما ضمنتَ لنفسك أعلى درجات الأمان في الملاجئ العميقة المحصّنة.

في هذه المحكمة نسألك بصراحة:

بأي حقٍّ أخلاقي قررتَ أن تُحوِّل مناطق كاملة من لبنان إلى دروعٍ بشرية لمشروعك؟

التهمة الثالثة: صناعةُ الطاعة عبر الاستعراضات والمسرحيات

لم تكن في حياتك عبقرياً عسكرياً ولا منظِّراً استراتيجياً.

وبحسب أغلب الروايات، تركتَ التعليم النظامي مبكّراً واخترتَ التلقينَ الأيديولوجي بديلاً عن التفكير النقدي.

ومع ذلك صنعتَ حولك هالةً من العصمة السياسية والعسكرية.

كيف فعلتَ ذلك؟

عبر الاستعراض.

شاشاتٌ عملاقة في ساحاتٍ أشبه بالمدرّجات.

جمهور مضبوطةُ ميكروفوناته، يهتف “لبيّك نصر الله” في اللحظة المناسبة تماماً مثل”كريشاندو” كبار مغني الأوبرا عندما، في لحظة محددة، يطلقون تلك الصرخة المدوّية، لقع الحاضرين في حالة من الدهشة والسحر المهيب.

صفٌّ أول من القادة، عيونهم دامعة، يهزّون رؤوسهم مثل الحرادين مع كل جملة تتفوه بها.

سرديةٌ تقول أن من يشكّ بك إنما يشكّ بالله، أو بالإمام، أو بكرامة الطائفة كلّها.

هذا لم يكن “قيادة رشيدة”. هذا كان احتلالاً نفسياً بامتياز.

لقد احتللتَ خيال الناس البسيطة، خصوصاً الفقراء والمهمّشين، وأقنعتهم بأن كرامتهم مرهونة بحروبك، وبتحالفاتك، وبحساباتك الخفية.

في محكمة المنطق السليم نسألك:

متى قلتَ لهم أن “المقاومة” تعني أيضاً مقاومة الفساد والقمع واليأس في الداخل اللبناني؟

متى صارحتَهم بأن الكرامة الحقيقية تكمن في التعليم والتنمية الإجتماعية، وفي مؤسساتٍ حكومية راسخة، وفي دولة خاضعة للمحاسبة، لا في جنازات لا تنتهي ولا في خطب تأبينية سطحية ومبتذلة؟

لم تفعل.

لأنك استعملتَ الجماهير وقوداً، لا مواطنين في دولة.

الحكم:

في النهاية، المصير الذي لقيتَه ليس مناسبة للرقص على القبور.

رجل يموت خنقاً تحت الأرض، مرمياً لوحده في العتمة، ليس انتصاراً لأحد.

إنه رمز لنهاية ميلودرامية شيكيسبيرية على طريقة مقتل الجنرال “ماكباث” حيث تحتلط في تلك اللحظة مشاعر الشفقة بإحساس بالراحة والسكون.

لكن هذه المحكمة مضطرة لاستخلاص النتائج لتضعها بتصرّف التاريخ:

صواريخك لم تحملنا إلى “ما بعد بعد حيفا” ولا إلى “ما بعد بعد تل أبيب”.

بل حملتنا إلى ما بعد العقل، وما بعد المحاسبة، وما بعد الحدّ الأدنى من المسؤولية التي يدين بها القائد لشعبه.

حوّلتَ مناطق واسعة من لبنان إلى أوراق تفاوض في لعبةٍ إقليمية.

أطلقتَ وعوداً بضمانات إلهية لا تملك تفويضاً لإصدار صكوكها.

غلّفتَ خياراتك الشخصية والحزبية بلباس الدين، ثم طلبتَ من الناس أن يدفعوا الفاتورة دماً وبيتاً ورزقاً ومنفى.

بالتأكيد، هذه المحكمة لا تبرّىء إسرائيل من شيء؛ لا من مجازرها، ولا من احتلالها، ولا من احتقارها المزمن لحياة اللبنانيين والفلسطينيين والسوريين والمصريين، والعرب ككل.

تلك الجرائم لها ملفّها الخاص، وتم إصدار أحكام دولية بحق فاعليها.

أما جلسة اليوم فمخصّصة لك، وللناس الذين زعمتَ أنهم “ناسُك”.

وباسمهم تصدر اليوم محكمة الضمير والوجدان والمنطق والعقل حكمها:

لقد خذلتَهم كقائد.

وخدعتَهم كهادٍ وموجِّه.

ورهنْتَ مستقبلهم لأسطورة “نصرٍ” لم يأتِ قط.

عقوبتك ليست سجناً ولا إعداماً، فالقدر قد تكفّل بذلك.

العقوبة هي الذاكرة الجمعية لمئات آلاف الشيعة الذين ضللتهم عن قصد.

ذاكرةٌ عنيدة لا تلين، في قلوب المشرّدين والمفجوعين والمخذولين – من الشيعة وغير الشيعة – الذين لن يقبلوا بعد اليوم أن تُستَخدم حياتهم كإكسسوار في مسرح أي “قائد أوحد”، أو “زعيم مُلهم”، أو “تنظيم إلهي”، أو أي عبادة لشخصٍ مهما علا شأنه.

إن كان هناك فعلا “ما بعد بعد حيفا» حقيقي يستحق النضال في سبيله، فهو هذا:

وطنٌ لا يستطيع فيه رجلٌ واحد، ولا حزبٌ واحد، ولا شاشةٌ مكتظّة بالشعارات أن يُنوِّم بواسطة السحر -سحر السطوة والمال- طائفة بقدّها وقديدها ليدفعها طوعاً نحو هلاكها وذبحها قرباناً لأحد.

  • نقلا عن صفحته للتواصل الاجتماعي فيسبوك

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

إيران على حافة التحوّل: حراك بلا قائد ومأزق نظام

أخباركم - أخبارنا مقابلة مع د. آسو حسن زاده أجراها مسعود محمد يشهد الشارع...

الأمم المتحدة: نزوح 119 ألف شخص من حلب مع تجدد الاشتباكات

أخباركم - أخبارنا قال الناطق باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك، اليومء، إن نحو 119...

حاصباني: أولوية الحكومة لـ “يوروبوند” لا للمودعين

أحباركم - أخبارنا كتب النائب غسان حاصباني على منصة "إكس": "الحكومة تُبدّي حملة اليوروبوند على...

حركة الشباب الكرد في إيران: احتجاجٌ حيّ وذاكرة لا تنطفئ

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد يلعب الشباب الكرد في إيران اليوم دورًا محوريًا في...

More like this

“الوِحْدَة السَّائِرَة” جديد الفنّان هياف ياسين

أخباركم - أخبارنا / كتبت هالة نهرا "الوحدة السائرة" هو العنوان الذي يُدثّر العمل الموسيقيّ...

الأب غييرمي في ضيافة جامعة الروح القدس – الكسليك: ثقوا بالأحلام

أخباركم - أخبارنا  استضافت جامعة الروح القدس – الكسليك الأب البرتغالي غييرمي بيكسوتو في قداس...

باسيل من البترون: المطلوب تنشئة الطلاب على فكر وطني سليم

أخباركم - أخبارنا أشار رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل إلى أن "لبنان هو...