أخباركم – اخبارنا
تقرير لبنان السياسي
بين ضغط الميدان وإيقاع السياسة، يتحرّك لبنان على حافة استحقاق أمني ـ سيادي مفتوح، تتقاطع فيه الجولات الدبلوماسية مع المهل الدولية، والتشريع الداخلي مع الحسابات الإقليمية.
في الجنوب، لم تكن المعاينة الميدانية التي رافق فيها قائد الجيش العماد رودولف هيكل سفراء وملحقين عسكريين مجرّد جولة استطلاعية، بل رسالة مباشرة إلى الخارج مفادها أن الدولة تمضي، بإمكاناتها المحدودة، في تنفيذ قرار حصر السلاح وبسط سلطتها، واضعة إنجازاتها وقيودها أمام المجتمع الدولي عشية اجتماعات مفصلية في باريس تبحث مستقبل الدعم العسكري ومسار الخطة حتى نهايتها المعلنة أواخر 2026.
هذا المسار يتقدّم على وقع تصعيد سياسي وإعلامي إسرائيلي، ولقاءات عالية المستوى في تل أبيب بين رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو والمبعوث الأميركي توم برّاك، في محاولة لضبط إيقاع المواجهة ومنح لبنان هامشاً زمنياً إضافياً، تواكبه تحركات إقليمية تقودها القاهرة وباريس، وحديث فرنسي صريح عن “آلية ثانية” لمتابعة نزع السلاح. في المقابل، يرفع وزير الخارجية يوسف رجي سقف الخطاب في بروكسل، رابطاً دعم الجيش بالاستثمار الاستراتيجي في الاستقرار، ومحدداً جدولاً زمنياً واضحاً لاستعادة الدولة، بالتوازي مع تحميل إسرائيل مسؤولية أي انتكاسة عبر استمرار احتلال النقاط الخمس وخرق وقف الأعمال العدائية.
داخلياً، تتزاحم الملفات: جلسة تشريعية بلا قانون انتخاب، خلافات سياسية لا تُحل إلا بالتوافق، اعتراض مصرفي واسع على قانون الانتظام المالي، وإقرار قروض حيوية مع البنك الدولي. وبين هذه العناوين، تبرز اتصالات رئاسية لضبط المسار التفاوضي جنوباً، وحراك حكومي وأمني لتثبيت صورة الدولة القادرة على إدارة حدودها ومرافقها. مشهد مركّب، عنوانه الأساسي: سباق بين الوقت والضغوط، وبين قرار الدولة والموازين.
ففي لحظة سياسية وأمنية بالغة الحساسية، يتقدّم ملف حصر السلاح إلى واجهة المشهد اللبناني، متقاطعًا مع حراك دبلوماسي دولي وضغوط إقليمية متزايدة، فيما تتزاحم داخليًا استحقاقات تشريعية ومالية واقتصادية لا تقل ثقلاً. في هذا السياق، رافق قائد الجيش العماد رودولف هيكل وفدًا من السفراء والملحقين العسكريين العرب والأجانب في جولة ميدانية جنوبًا، هدفت إلى إطلاعهم مباشرة على مسار تنفيذ خطة حصر السلاح وبسط سلطة الدولة، وفق ما أقرّه مجلس الوزراء ضمن خطة «درع الوطن». الجولة، التي سبقتها معاينة إعلامية، جاءت لتثبيت وقائع ميدانية ينقلها الدبلوماسيون إلى عواصمهم، عشية اللقاء الأميركي – السعودي – الفرنسي مع قائد الجيش في باريس يومي 17 و18 من الشهر الجاري، حيث سيُبحث مؤتمر دعم الجيش وتقييم التقدم المحقق في الخطة.
وتزامنت هذه الجولة مع اجتماع وُصف بالمفصلي عقده المبعوث الأميركي توم برّاك مع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو في تل أبيب، في محاولة، وفق المعلومات، للحد من اندفاعة إسرائيل العسكرية وإقناعها بمنح لبنان مهلة إضافية لاستكمال مسار حصر السلاح، قد تمتد إلى الأسابيع الأولى من العام المقبل. هذا الجهد الأميركي يتقاطع مع تحركات مصرية يقودها رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، الذي يزور بيروت الخميس المقبل، في إطار مساعٍ إقليمية لتفادي تصعيد إسرائيلي جديد.
في موازاة ذلك، أعلن وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو أن باريس تعمل على «آلية ثانية» لمتابعة نزع سلاح حزب الله، في إشارة إلى انتقال النقاش الدولي من التوصيف إلى البحث في أدوات تنفيذية مكمّلة للمسار القائم. هذا الطرح تلاقى مع مواقف وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي، الذي أكّد خلال مؤتمر مجلس الشراكة بين لبنان والاتحاد الأوروبي في بروكسل، بعد انقطاع دام ثماني سنوات، أن لبنان دخل عام 2025 مرحلة حاسمة من استعادة الدولة. واعتبر أن القرار الحكومي الصادر في الخامس من آب، والقاضي بحصر السلاح بيد الدولة، يشكّل محطة مفصلية تعيد قرار الحرب والسلم إلى المؤسسات الدستورية، وتُنهي وجود جميع المجموعات المسلحة غير الشرعية، بما فيها حزب الله والفصائل الفلسطينية، انسجامًا مع اتفاق الطائف وقراري مجلس الأمن 1559 و1701.
وأوضح رجي أن الجيش اللبناني ينفذ هذا القرار استجابة لإرادة غالبية اللبنانيين الرافضين لمنطق الدويلة داخل الدولة، مشيرًا إلى أن المرحلة الأولى من الخطة يُفترض أن تُنجز مع نهاية العام الحالي، على أن يكتمل التنفيذ الكامل على كامل الأراضي اللبنانية بحلول نهاية عام 2026. وشدّد على أن دعم الجيش ليس عملًا خيريًا، بل استثمار استراتيجي في الاستقرار، داعيًا الاتحاد الأوروبي إلى مواصلة دعمه للمؤسسة العسكرية. في المقابل، حمّل إسرائيل مسؤولية أي تعطيل للمسار، مطالبًا بانسحابها من النقاط الخمس التي لا تزال تحتلها في الجنوب، وبالإفراج عن المعتقلين اللبنانيين، والالتزام الكامل بوقف الأعمال العدائية الصادر في تشرين الثاني 2024. وأكد استعداد لبنان للتهدئة والحوار، معتبرًا أن العودة إلى إطار اتفاق الهدنة لعام 1949 تبقى، إلى حين التوصل إلى سلام شامل، المسار الأكثر واقعية لضبط الحدود الجنوبية.
وتطرّق رجي إلى التعاون مع الاتحاد الأوروبي في إدارة الحدود مع سوريا، مرحبًا بتعزيزه، كما دعا إلى نقاش استشرافي حول الواقع الأمني في الجنوب بعد عام 2026، في ضوء قرار مجلس الأمن المتعلق بقوات «اليونيفيل». اقتصاديًا، أكد التزام الحكومة بأجندة الإصلاح والسعي إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي، وتطلع لبنان إلى زيادة صادراته إلى الأسواق الأوروبية. وفي ملف النزوح السوري، شدّد على أن الحل لا يكون بإدارة الأزمة إلى ما لا نهاية، بل بالعمل المشترك لتأمين عودة آمنة وكريمة وتدريجية إلى سوريا.
داخليًا، أكد رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون أن الاتصالات مستمرة في الداخل والخارج لتثبيت الأمن والاستقرار في الجنوب عبر المفاوضات ضمن لجنة الميكانيزم، مشددًا على أهمية الوحدة الوطنية وتعزيز الموقف اللبناني في المفاوضات، ومؤكدًا أن استهداف الدولة لا يؤدي إلى أي نتيجة، في ظل عودة الثقة بها. سياسيًا أيضًا، استقبل رئيس الحكومة نواف سلام سفير قطر في السراي الحكومي، في إطار التواصل الدبلوماسي المستمر، فيما استقبل رئيس مجلس النواب نبيه بري مستشار رئيس الجمهورية العميد أندريه رحال، تزامنًا مع التحضير لجولة تفاوض جديدة بين لبنان وإسرائيل عبر لجنة الميكانيزم يوم الجمعة.
تشريعيًا، دعا بري إلى عقد جلسة عامة يوم الخميس 18 كانون الأول 2025 لاستكمال جدول أعمال جلسة سابقة، من دون إدراج قانون الانتخاب، ما أثار مواقف سياسية، أبرزها تذكير رئيس حزب الكتائب سامي الجميّل بإمكانية طرح القوانين المعجلة المكررة وفق النظام الداخلي.
في المقابل، أكد نائب رئيس المجلس إلياس بو صعب أن الخلاف حول قانون الانتخاب لا يُحل إلا بالتوافق السياسي، موضحًا أن اللجان المشتركة أقرت خمسة مشاريع واقتراحات قوانين، أبرزها إبرام اتفاقية قرض مع البنك الدولي تتعلق بالإدارة المالية، ومشروع مد شبكة المياه إلى بيروت الكبرى، إضافة إلى قوانين مرتبطة بالصيد المائي وتنظيم الصليب الأحمر اللبناني.
ماليًا، سجّلت جمعية مصارف لبنان اعتراضًا حادًا على النسخة المسرّبة من مشروع قانون الانتظام المالي، معتبرة أنه يتضمن عيوبًا جوهرية تهدد استدامة القطاع المصرفي وتطيل أمد الركود، وتحمّل المصارف مسؤوليات الدولة، ما يعرّض حقوق المودعين للخطر. وفي ملف العلاقات الخارجية، أُبلغ رئيس الجمهورية بتطور الاتصالات اللبنانية – السورية وضرورة تعزيزها. أمنيًا وإداريًا، جال وزير الداخلية أحمد الحجار في مطار رفيق الحريري الدولي عشية موسم الأعياد، مؤكدًا تحسّن الخدمات وتكثيف الإجراءات لضبط المعابر ومنع التهريب، في رسالة إضافية عن سعي الدولة إلى تثبيت حضورها الأمني والمؤسساتي في مختلف المرافق.



