أخباركم – اخبارنا
تقرير لبنان السياسي
في يومٍ خفَتَ فيه ضجيج السياسة، وتراجعت فيه سخونة المواقف والبيانات، بدا المشهد اللبناني مختلفًا على غير عادته. عيد ميلاد السيد المسيح فرض إيقاعه الخاص، فقلّت الأخبار السياسية، لا لأن الأزمات انتهت، بل لأن اللبنانيين، ولو ليوم واحد، علّقوا آمالهم على معنى آخر للخلاص.
ففي بلدٍ أثقلته الأسلحة والانقسامات والحروب المفتوحة، عاد السؤال القديم بثوب جديد: هل يكون السلام بديلًا عن السلاح، والرجاء أقوى من الخوف؟ من بكركي، حيث التقت السياسة بالإيمان، خرجت رسائل حملت أكثر من بُعد روحي، ورسمت ملامح مشهد سياسي هادئ في الشكل، عميق في الدلالة.
رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون اختصر هذا المزاج حين أكد أن الاتصالات الدبلوماسية لم تتوقف لإبعاد شبح الحرب عن لبنان، مشددًا على التمسك بإجراء الانتخابات النيابية في موعدها، وعلى المضي في قرار حصر السلاح بيد الدولة وفق الظروف. كلام عون، الآتي من رحم مناسبة روحية، عكس محاولة تثبيت الاستقرار ومنع انزلاق البلد مجددًا إلى المواجهة، في وقتٍ لا تزال الجراح مفتوحة، خصوصًا في الجنوب.
وفي قداس الميلاد، وجّه البطريرك الماروني الكاردينال مار بشاره بطرس الراعي رسالة واضحة المعالم: لبنان لا يُبنى بالكلمات وحدها، بل بالقرارات الحكيمة والأفعال الشجاعة. دعوة مباشرة إلى أهل السلطة للانتقال من الخطاب إلى الفعل، ومن الانقسام إلى المصالحة، معتبرًا أن الميلاد هو يوم بداية جديدة، وفرصة لإعادة ترميم الثقة واستعادة هيبة الدولة.
أما متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس عودة، فذهب أبعد في تشخيص الواقع، معتبرًا أن الاحتفال يأتي فيما الدولة لم تلتقط أنفاسها بعد، ولم يُسمح لها بفرض وجودها، والمؤسسات لا تزال مستضعفة. وشدّد على أن الإيمان لا ينفصل عن الشأن العام، وأن الخلاص لا يُبنى بالقوة بل بالتواضع والمحبة.
هكذا، وبين قداسين ورسائل، بدا عيد الميلاد هذا العام مساحة نادرة للصمت السياسي، لكنه صمتٌ مفعم بالأسئلة: هل يولد لبنان الجديد فعلًا، أم يبقى السلام مجرد أمنية تُعلّق على مواسم الأعياد؟
فقد ، شدّد رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون على أنّه، بالتعاون مع رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام، مصمّم على إجراء الانتخابات النيابية في موعدها الدستوري، مؤكداً أنّ مجلس النواب مطالب بالقيام بدوره في هذا الإطار. كما جدّد التأكيد أنّ قرار حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية قد اتُّخذ، وأن العمل مستمر لتنفيذه وفقاً للظروف. وكشف أنّ الاتصالات الدبلوماسية اللبنانية لم تتوقف لإبعاد شبح الحرب عن لبنان.
كلام الرئيس عون جاء خلال زيارته الصرح البطريركي في بكركي قبل مشاركته، برفقة اللبنانية الأولى السيدة نعمت عون، في قداس عيد الميلاد الذي ترأسه البطريرك الماروني الكاردينال مار بشاره بطرس الراعي، بحضور رسمي وسياسي وأمني ودبلوماسي واسع.
وبعد خلوة جمعته بالبطريرك الراعي، توجّه عون إلى الصحافيين مهنئاً اللبنانيين بعيد الميلاد، معرباً عن أمله بأن تحمل السنة المقبلة «ولادة لبنان الجديد»، لبنان دولة المؤسسات لا دولة الأحزاب والطوائف، دولة الشفافية والمحاسبة. وأشار إلى أنّ العيد يأتي فيما الجنوب لا يزال ينزف، مع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية وبقاء أسرى لبنانيين في السجون.
ورداً على سؤال حول الدبلوماسية اللبنانية، أكّد أنّ الاتصالات مع الدول المؤثرة، ولا سيما الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والدول العربية، مستمرة بالتوازي مع عمل لجنة «الميكانيزم»، بهدف منع الانزلاق إلى حرب جديدة. وقال: «شبح الحرب ابتعد، ونحن متفائلون بأن الأمور تتجه إلى خواتيم إيجابية».
وفي ما خص الانتخابات النيابية، شدّد عون على أنّ إجراؤها في موعدها «استحقاق دستوري لا تراجع عنه»، لافتاً إلى أنّ الحكومة مسؤولة عن تأمين سلامة العملية وشفافيتها، فيما يقرّر مجلس النواب القانون الانتخابي المناسب.
وعن الإصلاحات وحصرية السلاح، قال إن الأمور وُضعت على «السكة الصحيحة»، مشيراً إلى إنجازات حكومية عدّة، بينها توقيع نحو 2000 مرسوم، مع إقراره بأن مسار الإصلاح يحتاج إلى وقت ولا يمكن إنجازه خلال سنة واحدة.
وختم الرئيس عون بالتأكيد أنّ الدولة ماضية في خياراتها، سياسياً وأمنياً ودبلوماسياً، لحماية لبنان وتثبيت الاستقرار ومنع عودة الحرب.
وكان قد ترأس البطريرك الماروني الكاردينال مار بشاره بطرس الراعي قداس الميلاد في الصرح البطريركي في بكركي، وفي عظة الميلاد التي حملت عنوان «أبشّركم بفرح عظيم»، اعتبر الراعي أن حضور رئيس الجمهورية «يُكمل العيد»، لأنه يجسّد التقاء الإيمان بالمسؤولية، والكنيسة بالوطن، متمنيًا أن يكون الميلاد محطة حكمة وسلام في مسيرة خدمة لبنان، بما ينعكس استقرارًا سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا.
وشدّد الراعي على أن ميلاد المسيح ليس ذكرى ماضية بل سرّ حاضر ومتجدّد، إذ إن الله دخل تاريخ البشر وصار واحدًا منهم ليخلّصهم من الداخل. ورأى أن الليتورجيا تجعل المؤمنين شهودًا على الميلاد، لا متفرجين عليه، وتدعوهم إلى السهر والإصغاء والانطلاق، كما فعل الرعاة الذين كانوا أول من تلقّى بشرى الخلاص. ولفت إلى أن الله يولد حيث التواضع والقلوب المفتوحة، وأن الميلاد دعوة دائمة لأن يولد المسيح في حياة الناس وعائلاتهم وفي عالم متعب ينتظر الرجاء.
وانتقل الراعي إلى الشأن الوطني، مؤكدًا أن ميلاد المسيح رسالة حياة لشعب أنهكته الأزمات، وأن الظلمة ليست قدرًا، لأن الطفل المولود هو «أمير السلام». وقال إن عيد الميلاد هو يوم البداية الجديدة، داعيًا إلى طيّ صفحة الحروب والانقسامات والخوف، وإلى الإيمان بإمكان نهوض لبنان وشفائه.
وختم بالتأكيد أن «لبنان لا يُبنى بالكلمات وحدها، بل بالأفعال الشجاعة والقرارات الحكيمة»، داعيًا إلى استعادة هيبة الدولة، وصون الدستور والمؤسسات، وجعل العيد محطة التزام وطني، تُترجم فيها المحبة إلى أفعال، والرجاء إلى بناء إنسان ووطن أكثر عدالة ووحدة.
من جهته، ترأس متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس عودة قداس الميلاد في كاتدرائية القديس جاورجيوس، وألقى عظة ركّز فيها على البعد الروحي والوطني للميلاد في ظل الأزمات اللبنانية المتفاقمة.
وأكد عودة أنّ الميلاد ليس ذكرى تاريخية أو مناسبة للزينة والمظاهر، بل حقيقة خلاصية حيّة تدعو الإنسان إلى مراجعة ذاته وسلوكه وموقعه في العالم. وشدّد على أنّ الله اختار طريق التواضع لا القوة، فالمسيح وُلد طفلاً ضعيفاً في مغارة، معلناً أن الخلاص يُعطى بالمحبة والاتضاع لا بالقهر والتسلّط. واعتبر أن تحويل العيد إلى موسم استهلاكي يُفرغه من معناه الحقيقي، لأن الميلاد دعوة إلى ولادة جديدة في القلوب، وإلى تغيير في الفكر والسلوك.
وعلى الصعيد اللبناني، قال عودة إن الاحتفال يأتي فيما الجراح مفتوحة، والمواطن مثقل بالهموم اليومية، والدولة لم تُمنح بعد فرصة فرض وجودها، فيما المؤسسات مستضعفة والانقسامات عميقة، ما يزيد فقدان الثقة ويعمّق الأزمات. ورأى أنّ الإيمان لا ينفصل عن الشأن العام، وأن الكنيسة غير مدعوة إلى الصمت أمام الظلم والفساد.
ووجّه نداءً إلى المسؤولين، مذكّراً بأن السلطة خدمة لا امتيازاً، وبأن الشعب ليس أداة ولا أرقاماً انتخابية، بل عائلات متألمة وشباباً مهاجراً وأطفالاً محرومين. كما حمّل المواطنين مسؤولية رفض اللامبالاة والمشاركة في بناء مجتمع أكثر عدلاً.
وختم بالتأكيد أن لا خلاص للبنان من دون مصالحة مع الحق، ولا ميلاد من دون توبة، داعياً إلى اعتماد التواضع والمحبة طريقاً وحيداً للخروج من الأزمة، والصلاة من أجل خلاص لبنان وأبنائه. في سياق آخر، وقّع رئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي النائب تيمور جنبلاط القرار التنظيمي الرئاسي رقم 19، معلنًا بموجبه تشكيل هيئة سياسية عليا برئاسته، تتولّى الإشراف على التحضيرات للانتخابات النيابية المقبلة، إلى جانب إنشاء ماكينات انتخابية فرعية في الوكالات الداخلية، على أن تكون مرتبطة باللجنة المركزية للانتخابات.
وتأتي هذه الخطوة استكمالًا للقرار التنظيمي الرئاسي رقم 18، الصادر في 10 تشرين الأول الماضي، والذي قضى بتشكيل اللجنة الانتخابية المركزية وتعيين الدكتور وليد صافي رئيسًا لها، لتولي إدارة العملية الانتخابية والإشراف على مختلف مراحل الاستحقاق.
وفي السياق نفسه، أصدر جنبلاط القرار التنظيمي الرئاسي رقم 20، بناءً على اقتراح الدكتور صافي، وقضى بتعيين منسّقي ومقرّري اللجان ضمن اللجنة الانتخابية المركزية، في إطار استكمال البنية التنظيمية الخاصة بالتحضير للانتخابات.
وجاءت هذه القرارات قبيل نهاية العام الجاري، في سياق تسريع الاستعدادات الداخلية للحزب للاستحقاق النيابي المرتقب، وتأكيدًا على موقف الحزب التقدّمي الاشتراكي الداعي إلى إجراء الانتخابات في مواعيدها الدستورية، صونًا لانتظام عمل المؤسسات الدستورية، والتزامًا بحق اللبنانيين في اختيار ممثليهم في المجلس النيابي.



