أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
لم يُغتل محمد شطح لأنه زعيم ميليشيا، ولا لأنه قاد شارعًا غاضبًا، بل لأنه امتلك عقلًا سياسيًا كشف جوهر الصراع في لبنان: صراع بين دولة تريد أن تكون دولة، و«دويلة سلاح» تعيش على نفي الدولة وتقويضها.
لماذا كان “العقل” هو الخطر؟
تميّز محمد شطح عن معظم خصوم حزب الله بأنه فكّك مشروعه بدل الاكتفاء بمهاجمته. لم يتعامل مع السلاح غير الشرعي كظاهرة أمنية فقط، بل كـ:
• مشروع سياسي بديل عن الدولة
• قرار استراتيجي مرتبط بإيران لا بلبنان
• منظومة كاملة تُمسك بالسياسة والاقتصاد والأمن معًا
بهذا المعنى، لم يكن شطح يصرخ ضد السلاح، بل كان يضعه في قفص الاتهام السياسي، ويُظهر للرأي العام اللبناني والدولي أن المشكلة ليست “سلاح مقاومة”، بل دولة داخل الدولة، بقرار فوق الدستور وخارج المحاسبة.
فضح منطق الدويلة لا الاكتفاء بإدانتها
ما فعله محمد شطح هو أنه سحب الغطاء الفكري والأخلاقي عن دويلة السلاح. في خطابه، كانت الأسئلة أخطر من الشعارات:
• كيف يمكن لدولة أن تستقيم بقرار حرب وسِلم خارج مؤسساتها؟
• كيف يُطالب حزب الله بالشرعية وهو يعطّل الدولة حين لا تناسبه؟
• كيف يُربط مستقبل لبنان الاقتصادي والأمني بأجندة إقليمية إيرانية؟
بهذه الأسئلة، كان شطح يُجبر خصومه على الدفاع لا الهجوم، ويُحوّل النقاش من “من الأقوى” إلى “من الأَحق”.
العقل الذي أزعج إيران وحزب الله
إيران لا تخشى الخطاب العالي بقدر ما تخشى الخطاب الذي يفهمها. وشطح كان يعرف جيدًا:
• طبيعة النظام الإيراني
• آلية عمل أذرعه في المنطقة
• كيف تُستخدم الشعارات لتغطية النفوذ
لهذا، شكّل شطح خطرًا سياسيًا حقيقيًا، لأنه نقل المواجهة من الشارع إلى المنابر الدولية، ومن الانقسام الداخلي إلى المساءلة السياسية أمام العالم. لم يكن يحرج حزب الله فقط، بل كان يحرج إيران نفسها بوصفها دولة تتدخل في سيادة دولة أخرى عبر ميليشيا مسلّحة.
الاغتيال: استهداف الفكرة قبل الشخص
حين اغتيل محمد شطح، لم يُستهدف جسد سياسي فحسب، بل محاولة بناء خطاب دولة متماسك. الاغتيال، في معناه السياسي، كان رسالة واضحة:
العقل أخطر من السلاح، والكلمة أخطر من الرصاصة حين تفضح الحقيقة.
ورغم غياب حكم قضائي نهائي يحدد الجهة المنفذة، فإن الاغتيال جاء في سياق سياسي معروف: إسكات الأصوات التي تُصرّ على مواجهة دويلة السلاح بمنطق الدولة لا بمنطق الغلبة.
من هو محمد شطح؟
محمد شطح (1951–2013) اقتصادي وأكاديمي لبناني، شغل مناصب رسمية بارزة، أبرزها وزير المالية، وسفير لبنان لدى الولايات المتحدة، ومستشار سياسي واقتصادي للرئيس الشهيد رفيق الحريري ثم للرئيس سعد الحريري. عمل سنوات طويلة في صندوق النقد الدولي، وكان يتمتع بعلاقات واسعة مع العواصم الغربية والمؤسسات الدولية.
لكن أهمية شطح لم تكن في المناصب فقط، بل في الدور السياسي الذي لعبه بعد عام 2005، حين تحوّل إلى أحد أبرز العقول التي صاغت خطاب السيادة والاستقلال في مواجهة السلاح غير الشرعي والهيمنة الخارجية.
مواجهة إيران وحزب الله: سياسة لا شعارات
واجه محمد شطح إيران وحزب الله مواجهة سياسية مباشرة وواضحة، لا لبس فيها. لم يُخفِ يومًا قناعته بأن:
• إيران تمارس نفوذًا مباشرًا في لبنان عبر حزب الله
• هذا النفوذ يتعارض مع سيادة الدولة اللبنانية
• سلاح حزب الله يُستخدم خارج إطار الدولة ويُدخل لبنان في صراعات إقليمية لا مصلحة له فيها
كان شطح من أكثر السياسيين اللبنانيين وضوحًا في تحميل إيران المسؤولية السياسية عن عسكرة القرار اللبناني وربطه بأجندة إقليمية. لم يكن خطابه انفعاليًا أو شعبويًا، بل مبنيًا على:
• قرارات الشرعية الدولية
• مفهوم الدولة الحديثة
• حصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية
• تحييد لبنان عن صراعات المحاور
كيف “حشرهم” سياسيًا؟
تميّز محمد شطح بأنه واجه حزب الله وإيران بالمنطق الذي يفتقدانه:
• واجه السلاح بمنطق الدولة
• واجه الشعارات الأيديولوجية بالقانون الدولي
• واجه فائض القوة بالشرعية والمؤسسات
في خطاباته ومقالاته، كان يضع حزب الله أمام معضلة واضحة:
إما القبول بدولة واحدة وسلاح واحد، أو الاعتراف الصريح بأنه مشروع يتقدّم على الدولة ويعمل خارجها.
كما كان شطح يُتقن مخاطبة المجتمع الدولي، ما جعل مواقفه مسموعة ومؤثرة خارج لبنان، وهو ما شكّل إحراجًا سياسيًا حقيقيًا لمحور إيران–حزب الله، لأنه ينقل الصراع من الشارع إلى الطاولة الدولية.
الاغتيال: إسكات الصوت لا إلغاء الفكرة
في 27 كانون الأول 2013، اغتيل محمد شطح بتفجير سيارة مفخخة في وسط بيروت. الاغتيال جاء في سياق سلسلة اغتيالات طالت شخصيات سياسية سيادية منذ عام 2005.
رغم عدم صدور حكم قضائي نهائي يحدد الجهة المنفذة، فإن الاغتيال فُهم سياسيًا على أنه استهداف لصوت سيادي هادئ لكنه خطير، صوت لا يساوم على الدولة ولا يقبل بتطبيع السلاح غير الشرعي.
لماذا كان خطرًا عليهم؟
لم يكن محمد شطح خطرًا لأنه يحمل بندقية، بل لأنه:
• يملك رؤية دولة واضحة
• يفضح التناقض بين مشروع الدولة ومشروع الدويلة
• يحظى بمصداقية دولية
• يتكلم لغة يفهمها العالم ويصعب تشويهها
لهذا، شكّل وجوده السياسي إحراجًا دائمًا لمنطق القوة المفروضة بقوة السلاح.
محمد شطح لم يكن رجل مواجهة عسكرية، بل رجل مواجهة سياسية وفكرية من الطراز الأول. واجه إيران وحزب الله حيث يضعفان: في منطق الدولة، في الشرعية، وفي الرأي العام الدولي. اغتياله أسكت الصوت، لكنه لم يُسقط الحقيقة التي دافع عنها:
لا دولة مع سلاح خارجها، ولا سيادة مع قرار مرتهن للخارج.
محمد شطح لم يسقط لأنه ضعيف، بل لأنه كان واضحًا أكثر مما يحتمل مشروع الدويلة. اغتياله لم يُنهِ المواجهة التي بدأها، بل ثبّت حقيقتها:
أن دويلة السلاح تخشى الدولة،
وتخشى العقل،
وتخشى أي خطاب يكشفها على حقيقتها.



