أخباركم – أخبارنا
تقرير فلسطين السياسي
تتدحرج المنطقة على إيقاع خطوات إسرائيلية متسارعة، من غزة المحاصَرة إلى القرن الأفريقي، ومن غرف التفاوض الأميركية إلى تحالفات عسكرية في شرق المتوسط. اعترافٌ إسرائيلي بانفصال “أرض الصومال” يشعل غضباً عربياً واسعاً، وضغوط أميركية مرشّحة للانفجار في وجه حكومة بنيامين نتنياهو، وسط انقسامات داخلية إسرائيلية، ومخاوف أمنية من فرض وقائع جديدة على الأرض، لا سيما في معبر رفح وجنوب قطاع غزة.
في المقابل، يتحوّل ملف جثة أسير إسرائيلي إلى ذريعة لعمليات سرية داخل مناطق تُصنَّف تحت سيطرة المقاومة، في مشهد يعكس هشاشة وقف إطلاق النار، واستعداد الاحتلال للعودة إلى الميدان بوسائل استخباراتية وعسكرية غير معلنة. وعلى خطٍ موازٍ، تتحرّك حركة حماس في مسار داخلي مختلف، محاولة إعادة ترتيب بيتها التنظيمي عبر انتخابات توصف بالحساسة، في ظل خسائر قيادية فادحة وضغوط سياسية وعسكرية غير مسبوقة، لتبعث برسالة مفادها أن الحرب لم تنهِ قدرتها على الفعل والتنظيم.
ولا تقف التحولات عند حدود فلسطين، إذ يتشكّل في شرق المتوسط تحالف عسكري ثلاثي يضم إسرائيل واليونان وقبرص، في خطوة تُقرأ على نطاق واسع بوصفها موجّهة ضد تركيا، وتفتح الباب أمام إعادة رسم موازين القوى العسكرية في المنطقة.
بين الإدانة العربية، والضغوط الأميركية، والتحركات العسكرية السرية، وإعادة التموضع الإقليمي، تبدو المنطقة أمام مرحلة جديدة، تتكثف فيها الصراعات، وتُعاد فيها صياغة الخرائط، على حساب الاستقرار، وحقوق الشعوب، وفي قلبها القضية الفلسطينية.
فقد دان مجلس جامعة الدول العربية على مستوى المندوبين الدائمين، في دورة غير عادية عُقدت الأحد، بأشد العبارات اعتراف إسرائيل بانفصال إقليم الشمال الغربي من الصومال، المعروف باسم “أرض الصومال”، مؤكداً تضامن الدول العربية الكامل مع جمهورية الصومال الفيدرالية، واعتبار ما جرى اعتداءً مباشراً على سيادتها ووحدة أراضيها. وانعقدت الدورة بناءً على طلب الحكومة الصومالية، وبرئاسة المندوب الدائم لدولة الإمارات لدى الجامعة العربية، وبمشاركة المندوبين الدائمين للدول الأعضاء، حيث استمع المجلس إلى مداخلة رسمية للمندوب الصومالي.
وأكد المجلس رفضه القاطع للاعتراف الإسرائيلي الصادر في 26 ديسمبر 2025، واعتبره باطلاً ولاغياً وغير ذي أثر قانوني، مشدداً على أن هذه الخطوة تأتي في سياق أجندات سياسية وأمنية واقتصادية خطيرة، وترتبط بمحاولات تسهيل مخططات تهجير الشعب الفلسطيني أو استخدام موانئ شمال الصومال لأغراض عسكرية. وشدد على أن إقليم الشمال الغربي جزء لا يتجزأ من جمهورية الصومال الفيدرالية، استناداً إلى ميثاق جامعة الدول العربية وميثاق الأمم المتحدة، محذراً من تداعيات هذا الاعتراف على الأمن القومي العربي والسلم الإقليمي والدولي.
واعتبر المجلس أن الخطوة الإسرائيلية تندرج ضمن سياسات تهدف إلى زعزعة الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، وإعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية في خليج عدن، مطالباً المجتمع الدولي بالتصدي لها. كما جدد رفضه المطلق لأي شكل من أشكال تهجير الفلسطينيين أو تغيير التركيبة الديموغرافية للأراضي الفلسطينية، ورفض استخدام الأراضي الصومالية منصة لتنفيذ هذه المخططات. وقرر المجلس العمل مع الحكومة الصومالية، بصفتها عضواً غير دائم في مجلس الأمن، لحشد دعم دولي يؤكد وحدة الصومال وسيادته، فيما أعلنت العراق تأييدها الكامل للبيان مع تسجيل تحفظ قانوني يتصل بعدم الاعتراف بالكيان الإسرائيلي.
في السياق الفلسطيني، تسود في إسرائيل تقديرات بأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب سيضغط على رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، خلال لقائهما المرتقب، لفتح معبر رفح في كلا الاتجاهين والانسحاب من مناطق إضافية في قطاع غزة. وذكرت وسائل إعلام إسرائيلية أن هذه الضغوط تأتي بعد فشل نتنياهو في تمرير مقترح فتح المعبر خلال اجتماع سياسي–أمني، بسبب معارضة وزيري الأمن القومي والمالية إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش. وتخشى المستويات السياسية والأمنية في إسرائيل من أن يفرض ترامب خطوات عملية لها انعكاسات مباشرة على الوضع الميداني والإنساني في جنوب القطاع.
وبحسب القنوات الإسرائيلية، فإن البيت الأبيض يرى في عدم فتح معبر رفح مؤشراً على مماطلة إسرائيل في تنفيذ التزاماتها ضمن اتفاق وقف إطلاق النار. ونقلت تقارير أن نتنياهو برر طرحه للمقترح بأنه جاء بطلب أميركي مباشر، إلا أن الضغط السياسي الداخلي حال دون اتخاذ قرار، حيث ربط حلفاؤه فتح المعبر بإعادة جثة آخر أسير إسرائيلي داخل غزة، وسط تقديرات بأن الجثة قد تكون اختلطت بجثامين فلسطينيين.
في هذا الإطار، كشفت تقارير عن تنفيذ الجيش الإسرائيلي أنشطة سرية داخل قطاع غزة، بحثاً عن جثة الشرطي ران غويلي، في ظل عدم قدرة حركة حماس على الوصول إليها. وأفادت مصادر فصائلية بأن قوة إسرائيلية خاصة نفذت عملية اختطاف لناشط ميداني من سرايا القدس في حي الزيتون غرب الخط الأصفر، للاشتباه بارتباطه بمكان الجثة. وسبقت ذلك زيارات إسرائيلية متكررة إلى القاهرة، قُدمت خلالها معلومات وأسماء ومواقع يُعتقد أن الجثة نُقلت بينها، دون التوصل إلى نتيجة.
وتتبادل إسرائيل وحركات المقاومة الاتهامات بشأن المسؤولية عن الجثة، إذ تصر تل أبيب على أنها لدى الجهاد الإسلامي، وتتهم حماس بعدم ممارسة ضغط كافٍ، بينما تؤكد مصادر من الحركتين تعقيد الملف نتيجة القصف والتجريف واغتيال كل من كان على صلة بمكان الاحتفاظ بها. وتشير المعطيات إلى أن بقايا الجثة قد تكون اختلطت بجثث أخرى أو دمرت بفعل العمليات العسكرية، فيما تصر إسرائيل على تسليمها قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار.
سياسياً، تتحرك حركة حماس في مسار داخلي حساس، حيث كشفت مصادر مطلعة أن المنافسة على رئاسة الحركة انحصرت بين خالد مشعل، رئيس إقليم الخارج، وخليل الحية، رئيس الحركة في غزة، بعد إعلان عدد من القيادات البارزة عدم خوض السباق. وأكدت المصادر أن الانتخابات الداخلية تسير بشكل منتظم، ومن المتوقع إعلان نتائجها خلال أسابيع قليلة، في إطار سعي الحركة إلى تجديد بنيتها القيادية وترسيخ نهجها المؤسسي، رغم الخسائر الكبيرة التي تكبدتها خلال الحرب.
وتزامناً مع ذلك، أعلنت وسائل إعلام إسرائيلية عن توقيع خطة عمل للتعاون العسكري بين إسرائيل واليونان وقبرص، تشمل مناورات مشتركة وحواراً استراتيجياً، في خطوة وُصفت بأنها تحالف ثلاثي موجّه ضد تركيا، وتفتح فصلاً جديداً في إعادة رسم موازين القوى العسكرية في شرق المتوسط، ضمن مشهد إقليمي متشابك تتداخل فيه السياسة والحرب والتحالفات على حساب الاستقرار.



