أخباركم – أخبارنا
تقرير سوريا
أعادت أحداث الساحل السوري الأخيرة، وما رافقها من احتجاجات وأعمال عنف في مدن اللاذقية وطرطوس وجبلة وبانياس، طرح تساؤلات عميقة حول طبيعة ما جرى وخلفياته، وما إذا كان تعبيرًا عن احتقان داخلي مشروع أم تحركًا منظمًا لزعزعة الاستقرار في مرحلة سياسية حساسة تمر بها البلاد.
وجاءت هذه التطورات عقب تفجير استهدف مسجد علي بن أبي طالب في مدينة حمص، وأسفر عن مقتل ثمانية أشخاص، ما شكّل شرارة لتحركات احتجاجية دعا إليها الشيخ غزال غزال، رئيس ما يُعرف بـ«المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا والمهجر».
هدوء حذر
وخيم الهدوء الحذر على مناطق الساحل السوري إثر المواجهات التي اندلعت، أمس الأحد، وكشف عدد من المدنيين الذين أصيبوا خلال تلك الاحتجاجات ما جرى.
وقال أحد المصابين من على سريره في أحد مستشفيات اللاذقية للعربية/الحدث إنه بينما كان يمشي في سبيله عند دوار الجمهورية انقض عليه 4 مدنيين وراحوا ينهالون عليه ضرباً بالعصي والسكاكين.
فيما أوضح مصاب آخر أن بعض المشاغبين راحوا يلقون الحجارة وحتى الرصاص على المتظاهرين وعناصر الأمن العام.
حصيلة أولية ورواية رسمية
وبحسب وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا)، أسفرت أعمال العنف التي رافقت الاحتجاجات عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة نحو 60 آخرين، جراء اعتداءات نسبتْها السلطات إلى «فلول النظام المخلوع». كما قُتل عنصر من قوى الأمن خلال المواجهات.
مجموعات خارجة عن القانون
وأكدت وزارة الدفاع السورية دخول وحدات من الجيش، مدعومة بآليات مصفحة، إلى مراكز مدينتي اللاذقية وطرطوس، بعد ما وصفته بـ«تصاعد عمليات الاستهداف من قبل مجموعات خارجة عن القانون تجاه الأهالي وقوى الأمن»، مشددة على أن مهمة الجيش تقتصر على حفظ الأمن وإعادة الاستقرار بالتعاون مع قوى الأمن الداخلي.
الأحمد: الأحداث لم تكن عفوية
من جهته، شدد قائد الأمن الداخلي في محافظة اللاذقية العميد عبد العزيز الأحمد على أن الأحداث لم تكن عفوية، بل جاءت نتيجة تحريض منظم، مع رصد عناصر مسلحة وملثمة وسط الاحتجاجات، إضافة إلى وجود ما وصفهم بـ«فلول النظام السابق». وأعلن لاحقًا أن الوضع الأمني بات تحت السيطرة، ولا يوجد توتر حاليًا في المحافظة.
مطالب الاحتجاجات
رفعت بعض التظاهرات شعارات تطالب بالحكم الذاتي أو الفدرالية السياسية في الساحل السوري، ووقف ما وُصف بـ«الانتهاكات الطائفية»، إضافة إلى المطالبة بالإفراج عن معتقلين مرتبطين بقوات نظام بشار الأسد السابق، استجابة لدعوة غزال غزال.
قراءات سياسية: استئثار وتمثيل متنازع
في قراءة تحليلية نشرتها الجزيرة، اعتبر الكاتب والباحث السياسي مؤيد غزلان قبلاوي أن هذه التحركات لا تمثل الطائفة العلوية ولا عموم سكان الساحل، مشيرًا إلى أن الدعوات صدرت من خارج سوريا، مع توجيهات غير معلنة باستخدام العنف لتثبيت نقاط التظاهر.
ورأى قبلاوي أن ما جرى يمثل محاولة من تيار سياسي للاستئثار بتمثيل الساحل، رغم طبيعته التعددية، معتبرًا أن تزامن الاحتجاجات مع تفجير مسجد حمص، ومع تصاعد دعوات اللامركزية، يندرج ضمن تحركات «تحالف المستفيدين من زعزعة الاستقرار» لإرباك المشهد السوري خلال فترات الانتظار السياسي.
أما الباحث الأول في مركز الجزيرة للدراسات لقاء مكي، فذهب إلى توصيف ما حدث باعتباره «عملية نمطية لإثارة الفوضى» جرى الإعداد لها مسبقًا، وليست احتجاجات عفوية، لافتًا إلى تقارير عربية ودولية تحدثت عن تحركات لبقايا النظام في الخارج، مع احتمال وجود أدوار إقليمية في ظل تنازع المصالح.
وأشار مكي إلى أن تعامل الحكومة مع أحداث الساحل تحكمه «فوبيا» من استخدام القوة الأمنية، خشية الاتهام بالقمع أو باستهداف مكون بعينه، لا سيما في ظل الإرث الثقيل للأحداث الأولى بعد سقوط النظام. وبرأيه، تكمن المعضلة في كيفية إدارة الأزمة دون الانزلاق إلى صدامات أهلية.
بدورها، اتفقت أستاذة العلوم السياسية رهف الدغلي مع قبلاوي على أن الشيخ غزال غزال لا يمثل العلويين، لكنها انتقدت اعتماد الحكومة على مخاطبة بعض المكونات عبر وجاهات تقليدية، معتبرة أن ذلك يكرّس الانقسامات. وربطت ما جرى بحالة احتقان عام، وغياب مسار واضح للعدالة الانتقالية، إضافة إلى شعور بعض المرتبطين بالنظام السابق بخسارة النفوذ.
الرواية الحقوقية: قمع واعتداءات ذات طابع طائفي
في المقابل، قدّم المرصد السوري لحقوق الإنسان رواية مغايرة، أكد فيها أن المظاهرات اتسمت بالطابع السلمي، وأنها قوبلت بقمع أمني واسع. ووثّق المرصد مقتل شخصين وإصابة أكثر من خمسين متظاهرًا بجروح متفاوتة الخطورة، بعضها ناجم عن إطلاق نار واستخدام أسلحة بيضاء، لا سيما في مدينتي اللاذقية وجبلة.
وبحسب المرصد، شهدت عدة دوارات وساحات في اللاذقية وطرطوس وجبلة وبانياس وحمص وحماة اعتداءات بالضرب، ومنعًا للتوثيق، ومحاولات تفريق بالقوة نفذها عناصر من الأمن العام ومجموعات تُعرف بـ«السلم الأهلي». كما أُبلغ عن إطلاق نار وقنابل مسيلة للدموع، ونزول دبابات ومدرعات إلى الشوارع، إضافة إلى مداهمات واقتحامات منازل في أحياء عدة.
وفي بيان موجّه إلى الرأي العام العالمي، اتهم المرصد السلطات الانتقالية باستخدام «القمع المسلح» ضد اعتصام سلمي، معتبرًا أن ما جرى يمثل قطيعة كاملة في الثقة مع سلطة «لا تحترم شرف المؤسسة الشرطية والعسكرية»، على حد وصف البيان، داعيًا المجتمع الدولي ومجلس الأمن والمفوضية السامية لحقوق الإنسان إلى التدخل العاجل لحماية المدنيين.
امتداد التوتر إلى ريف حماة
لم تقتصر التداعيات على الساحل، إذ أفاد المرصد السوري بتصعيد خطير في ريف حماة، تمثل بهجوم نفذته مجموعات مسلحة من عشائر بدوية موالية للسلطات على قرى ذات غالبية علوية، من بينها قرية أصيلة وقرية جب رملة. ووفق المعلومات، جرى إطلاق نار عشوائي وتحطيم ممتلكات، ما أسفر عن إصابة رجل مسن، وسط حالة من الذعر بين السكان.
وحذر المرصد من خطورة هذه الاعتداءات ذات الطابع الطائفي، لما لها من تداعيات خطيرة على السلم الأهلي، مطالبًا بمحاسبة المتورطين ووقف الانتهاكات فورًا.
مشهد مفتوح على احتمالات
بين الرواية الرسمية التي تتحدث عن تحرك تقوده فلول النظام السابق، والرواية الحقوقية التي تصف ما جرى بقمع دموي لاعتصامات سلمية، تقف أحداث الساحل السوري كواحدة من أخطر محطات ما بعد سقوط النظام، في ظل احتقان اجتماعي، وتشابك مصالح داخلية وإقليمية، وأسئلة مفتوحة حول مستقبل العدالة الانتقالية، ووحدة المجتمع، وحدود استخدام القوة في مرحلة يفترض أنها انتقالية.



