أخباركم – أخبارنا
تقرير سوريا
تصدّرت محافظة اللاذقية واجهة الأحداث عقب أعمال عنف ذات طابع طائفي، أعقبتها إجراءات أمنية مشددة وحملات اعتقال واسعة، في وقت تتواصل فيه التطورات الميدانية شمالاً وجنوباً، والتحركات الدبلوماسية المرتبطة بملفات مكافحة الإرهاب، والمفاوضات الداخلية، وعودة اللاجئين، وإعادة الإعمار.
الساحل السوري تحت الضغط: حظر تجوّل وعودة حذرة للهدوء
فرضت السلطات السورية، مساء أمس الثلاثاء، حظر تجوّل ليلياً في مدينة اللاذقية من الساعة الخامسة عصراً وحتى السادسة صباحاً، على خلفية أعمال عنف شهدتها أحياء ذات غالبية علوية، وأسفرت عن سقوط قتلى وجرحى وحدوث أضرار واسعة في الممتلكات العامة والخاصة.
وأفادت وزارة الداخلية بأن القرار جاء في إطار منع تكرار التجاوزات واحتواء التوتر، مؤكدة أن الحظر لا يشمل الحالات الطارئة. وأعلن التلفزيون الرسمي لاحقاً عودة الهدوء النسبي إلى المدينة بعد انتشار مكثف لقوى الأمن الداخلي وتعزيزات عسكرية قادمة من الثكنات القريبة.
ونقلت مصادر محلية أن الهجمات تخللتها أعمال نهب وتخريب، ما زاد من مخاوف الأهالي، قبل أن تنحسر الفوضى تدريجياً مع تشديد القبضة الأمنية.
اعتقالات تطال شخصيات وناشطين و”فلول النظام السابق”
توقيف 21 شخصاً في اللاذقية
أعلن التلفزيون السوري الرسمي أن قيادة الأمن الداخلي في محافظة اللاذقية ألقت القبض على 21 شخصاً من المرتبطين بالنظام السابق، وُجهت إليهم تهم تتعلق بأعمال إجرامية، والتحريض الطائفي، واستهداف عناصر الأمن.
عملية أمنية نوعية في طرطوس
في تطور لافت، أعلنت وزارة الداخلية إلقاء القبض على أديب علي سليمان، الرئيس السابق للفرع 220 التابع للأمن العسكري، المعروف بفرع “سعسع”، خلال عملية نفذتها وحدات مكافحة الإرهاب في محافظة طرطوس.
وبحسب بيان رسمي، كشفت التحقيقات الأولية تورطه في:
تسهيل دخول مجموعات مسلحة أجنبية إلى سوريا، من بينها عناصر تابعة لميليشيات أجنبية و”حزب الله”.
إعادة توزيع هذه المجموعات في مناطق الجنوب السوري، ولا سيما محافظة القنيطرة.
إدارة شبكات تهريب مخدرات عبر معابر غير شرعية.
الإشراف على عمليات تجنيد واسعة ضمن ميليشيات رديفة للنظام السابق، والتنسيق مع جهات خارجية.
وأكدت الوزارة إحالة المتهم إلى القضاء المختص لاستكمال التحقيقات واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.
اعتقالات في القرداحة وريف جبلة
بالتوازي، شهدت مدن وبلدات في ريف اللاذقية، ولا سيما مدينة القرداحة، حملات توقيف طالت عدداً من الشبان على خلفية مشاركتهم أو تأييدهم للمظاهرات الأخيرة، وسط غياب توضيحات رسمية حول أسباب الاعتقال أو مصير الموقوفين.
كما أُوقف الكاتب والناشط السياسي أكثم ديب من منزله في ريف جبلة، في خطوة أثارت مخاوف لدى أوساط المجتمع المدني من استمرار التضييق على حرية الرأي والتعبير.
السلطات المحلية: تحريض خارجي ومحاولات لزعزعة السلم الأهلي
حمّل محافظ اللاذقية محمد عثمان جهات خارجية مسؤولية التحريض على العنف الطائفي، مؤكداً أن المحافظة شهدت مقتل خمسة أشخاص نتيجة استجابة بعض المواطنين لدعوات تهدف إلى تعميق الانقسام المجتمعي.
وأشار إلى أن شخصاً مقيماً خارج البلاد لعب دوراً محورياً في التحريض، مؤكداً أن أبناء اللاذقية “لم يعتادوا الاقتتال فيما بينهم”، وأن المحافظة تضم جميع مكوناتها في نسيج اجتماعي واحد.
وأضاف أن السلطات استمعت لمطالب المتظاهرين السلميين، وأن الرئيس أحمد الشرع أصدر أوامره بتلبيتها، ما أدى إلى الإفراج عن عدد من المعتقلين، مع الدعوة إلى العودة للحياة الطبيعية وعدم الانجرار وراء دعوات خارجية.
احتجاجات سابقة ومطالب سياسية
وكانت محافظتا اللاذقية وطرطوس قد شهدتا، في وقت سابق، مظاهرات طالبت بالفدرالية وبإطلاق سراح موقوفين من فلول النظام السابق، استجابة لدعوات أطلقتها جهات دينية، ما اعتبرته السلطات محاولة لاستثمار الاحتقان الاجتماعي لتحقيق أهداف سياسية.
نشاط زلزالي قبالة الساحل
على صعيد آخر، أعلن المركز الوطني للزلازل تسجيل هزة أرضية بقوة 3.9 درجات على مقياس ريختر في البحر المتوسط، على عمق 6.6 كيلومترات غرب اللاذقية، دون تسجيل إصابات أو أضرار، في منطقة تُعد من النطاقات الزلزالية النشطة تاريخياً.
مكافحة داعش: عمليات أميركية مستمرة
في الميدان، أعلنت القيادة المركزية الأميركية أن القوات الأميركية وحلفاءها قتلوا أو احتجزوا نحو 25 عنصراً من تنظيم داعش خلال عمليات نُفذت منذ 19 كانون الأول، شملت تدمير مخابئ أسلحة، وذلك عقب هجوم استهدف قوات أميركية وسورية قرب تدمر.
وتأتي هذه العمليات في سياق استمرار التعاون العسكري ضد التنظيم، عقب انضمام دمشق رسمياً إلى التحالف الدولي.
مسار تفاوضي مع “قسد” وسط رعاية أميركية
سياسياً، أعلن ممثلون عن الإدارة الذاتية أن لقاءً مرتقباً مع الحكومة السورية قد يُعقد قبل العاشر من كانون الثاني، بهدف تفعيل اتفاق العاشر من آذار، الذي يتضمن ترتيبات إدارية وعسكرية.
وفي حين نفت دمشق وصول قائد “قسد” مظلوم عبدي إلى العاصمة، تحدثت مصادر عن ضغوط أميركية للتوصل إلى اتفاق يفضي إلى دمج قوات “قسد” ضمن مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية.
الجنوب السوري: توغلات إسرائيلية وقلق متصاعد
شهد ريف القنيطرة تصعيداً جديداً مع توغلات إسرائيلية متكررة شملت دخول آليات عسكرية وإقامة حواجز مؤقتة، بالتزامن مع تحليق طائرات مسيّرة، ما أبقى حالة التوتر قائمة رغم تحركات قوات “الأوندوف”.
شمال البلاد: اشتباكات متواصلة في ريف حلب
في شمال سوريا، تواصلت الاشتباكات بين “قوات سوريا الديمقراطية” والفصائل الموالية لتركيا على محاور سد تشرين، مع تبادل قصف مدفعي واستخدام أسلحة متوسطة وثقيلة، دون معلومات مؤكدة عن خسائر بشرية كبيرة.
اللاجئون وإعادة الإعمار: مؤشرات على مرحلة جديدة
إنسانياً، ناقش وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع المنسقة الإنسانية للأمم المتحدة في دمشق سبل دعم إعادة الإعمار وتهيئة الظروف لعودة اللاجئين.
وفي هذا السياق، اعتبرت مسؤولة في الأمم المتحدة أن رفع العقوبات الأميركية قد يشكل فرصة حقيقية لتشجيع عودة اللاجئين والاستثمارات، فيما سجلت ولايات أوروبية، بينها ولاية ألمانية، تزايداً في حالات العودة الطوعية للسوريين.
تعكس هذه التطورات مشهداً سورياً معقداً، تتشابك فيه التحديات الأمنية مع محاولات بناء مسار سياسي جديد، وسط ضغوط إقليمية ودولية، ومساعٍ داخلية للحفاظ على السلم الأهلي. وبينما تسعى السلطات إلى فرض الاستقرار وضبط الأمن، تبقى الملفات الكبرى – من المصالحة الوطنية إلى إعادة الإعمار وعودة اللاجئين – رهناً بقدرة المرحلة المقبلة على تحويل هذه التحركات إلى حلول مستدامة.



