الثلاثاء, يناير 13, 2026
9.7 C
Beirut

رياض الترك… بوصلة الحرية التي لم تنكسر في زمن الاستبداد السوري

نشرت في

أخباركم – أخبارنا

بقلم: مسعود محمد

السيرة الذاتية والمنحنى الفكري

رياض الترك (1930 – 1 كانون الثاني/يناير 2024)، الملقب بـ«ابن عمّ السوريين»، هو أحد أبرز رموز المعارضة الوطنية في التاريخ السياسي السوري الحديث، وأحد القلائل الذين جمعوا بين صلابة الموقف ومرونة الرؤية، وبين التجربة القاسية والالتزام الأخلاقي العميق.

وُلد في مدينة حمص عام 1930، ونشأ في بيئة وطنية مشغولة بأسئلة الاستقلال والعدالة الاجتماعية. انخرط منذ شبابه المبكر في العمل السياسي، وكان من القيادات البارزة في الحزب الشيوعي السوري – المكتب السياسي، قبل أن يقوده مسار طويل من النقد والمراجعة إلى الانتقال من الشيوعية العقائدية المغلقة إلى الديمقراطية الوطنية، بوصفها الإطار الوحيد القادر على إنقاذ سورية من الاستبداد.

لم يكن هذا التحول تكتيكاً أو تبدلاً ظرفياً، بل خلاصة تجربة إنسانية وسياسية قاسية، بلغت ذروتها في سنوات السجن الطويلة، حيث تحوّل القمع إلى مختبر للفكر، والعزلة إلى مساحة لإعادة بناء الرؤية.

السجن… من القهر إلى إعادة التأسيس

تعرّض رياض الترك للاعتقال مرات عدة في ظل أنظمة الاستبداد المتعاقبة، وكان اعتقاله الأطول بين عامي 1980 و1998، حين أمضى ثمانية عشر عاماً في زنزانة انفرادية في سجون نظام حافظ الأسد، في واحدة من أقسى تجارب الاعتقال السياسي في سورية.

لم ينكسر في السجن، ولم يساوم، بل خرج منه مختلفاً في أدواته، ثابتاً في جوهره. دخل الزنزانة «شيوعياً صلباً»، وخرج منها «ديمقراطياً وطنياً»، يرى السياسة فن الممكن الوطني، لا ساحة للشعارات الكبرى، ويرى الوطنية فعلاً مؤسسياً يحمي المواطن، لا خطاباً حماسياً أجوف.

أشهر كلماته… خلاصة فكر وتجربة

لم تكن كلمات رياض الترك عبارات عابرة، بل خلاصات مكثفة لمسار طويل من النضال والمعاناة:

  • «مات الديكتاتور»
    عبارته الأشهر، التي قالها عقب وفاة حافظ الأسد عام 2000، فكسرت جدار الخوف، وأعلنت رمزياً نهاية زمن تأليه الحاكم وتصنيمه.
  • «الديمقراطية ليست ترفاً فكرياً، بل شرط النجاة من الاستبداد»
    رؤية مركزية في فكره، جعلت من الديمقراطية عقداً اجتماعياً لا خياراً نخبوياً.
  • «الوطنية تُقاس ببناء المؤسسات، لا بالشعارات»
    نقد جذري لخطاب السلطة والمعارضة الشعبوية معاً.
  • «التحالف مع المختلف سياسياً فعلٌ وطني»
    مبدأ طبّقه عملياً في كل تجاربه السياسية.
  • «الحرية لا تتجزأ، ومن يطلبها لنفسه ويمنعها عن غيره لا يؤمن بها»
    موقف أخلاقي حاسم ضد أي ديمقراطية انتقائية أو إقصائية.

أبرز مواقفه السياسية

  • رأى الاستبداد مرضاً بنيوياً لا يُعالج بتغيير الأشخاص، بل ببناء نظام ديمقراطي يقوم على المحاسبة والفصل بين السلطات.
  • رفض الأيديولوجيا المغلقة، واعتبرها عائقاً أمام السياسة الوطنية الجامعة.
  • حذّر مبكراً من الطائفية بوصفها أداة بيد الاستبداد لتفتيت المجتمع.
  • دعم الثورة السورية عام 2011 كثورة حرية وكرامة، ورفض تطييفها أو عسكرة مسارها أو ارتهانها للخارج.
  • رفض الانتقام، ودافع عن العدالة الانتقالية بوصفها الطريق الوحيد للمحاسبة دون تدمير المجتمع.
  • آمن بدور الشباب، وأصغى إليهم بندّية واحترام، من دون وصاية أو استعراض رمزي.

بيان حزب الشعب الديمقراطي السوري

في الذكرى الثانية لرحيل رياض الترك

في الذكرى الثانية لرحيل المناضل الوطني الكبير رياض الترك، يستحضر حزب الشعب الديمقراطي السوري سيرة رجلٍ شكّل علامة فارقة في التاريخ السياسي السوري الحديث، وأحد أبرز من نشّطوا الحياة السياسية منذ خمسينيات القرن الماضي، وأكثرهم إزعاجاً لأنظمة الاستبداد المتعاقبة.

مثّل رياض الترك حالة فريدة في التاريخ السياسي السوري، إذ نقل العمل المعارض من أسر الأيديولوجيا إلى الفضاء السياسي الوطني، وأسهم في إعادة تعريف الصراع في سورية على أساس وطني، بين نظام ديكتاتوري استبدادي فاسد، وبين مشروع دولة وطنية ديمقراطية.

كان من مهندسي التجمع الوطني الديمقراطي، ومن أبرز رموز ربيع دمشق، وبلغت تجربته ذروتها في إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي عام 2005، الذي جمع مختلف التيارات السياسية السورية، كاسراً القوالب التقليدية في العمل المعارض، ورائداً في مرونة التحالفات وربط السياسة بالأخلاق.

ومع اندلاع ثورة 2011، تحوّل رياض الترك إلى مرجعية وطنية جامعة، كانت سورية أولاً في خطابه، محذّراً من تطييف الثورة أو انحرافها عن هدفها المركزي: إسقاط الاستبداد وبناء دولة المواطنة.

إننا في حزب الشعب الديمقراطي السوري نؤكد السير على دربه في الإقدام والصمود، في النزاهة واستقلال القرار الوطني، وفي الإيمان بقدرة سورية على بناء دولة المؤسسات والحريات والمواطنة والقانون والمساواة والعدالة والكرامة، وصون تنوعها الثقافي.

خاتمة: لماذا نحتاج رياض الترك اليوم؟

في ظل ما تمارسه السلطة في سورية من تسلط واستبداد، وما تعيشه البلاد من تشظٍّ وانكسار، تبدو الحاجة إلى فكر رياض الترك أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. نحتاجه لا بوصفه رمزاً تاريخياً، بل بوصفه بوصلة وطنية تُعيد ترتيب الأولويات: الحرية أولاً، المواطنة أساساً، والديمقراطية شرط النجاة.

علّمنا رياض الترك أن الاستبداد ليس قدراً أبدياً، وأن السجن لا يهزم الفكرة، وأن السياسة حين تُبنى على الأخلاق تصبح فعلاً تحررياً. ترك لنا سورية بوصفها ملكية عامة لا مزرعة خاصة، دولة تتسع لكل أبنائها، ولا يسود فيها إلا القانون والعدل والمواطنة.

رحل «ابن العم»، لكن فكره باقٍ، يذكّرنا بأن الطريق إلى الحرية طويل، لكنه ممكن، وأن سورية التي نحلم بها لا تُولد من الخوف، بل من الشجاعة والصدق والإيمان بالإنسان.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

الأمم المتحدة: نزوح 119 ألف شخص من حلب مع تجدد الاشتباكات

أخباركم - أخبارنا قال الناطق باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك، اليومء، إن نحو 119...

حاصباني: أولوية الحكومة لـ “يوروبوند” لا للمودعين

أحباركم - أخبارنا كتب النائب غسان حاصباني على منصة "إكس": "الحكومة تُبدّي حملة اليوروبوند على...

حركة الشباب الكرد في إيران: احتجاجٌ حيّ وذاكرة لا تنطفئ

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد يلعب الشباب الكرد في إيران اليوم دورًا محوريًا في...

سوريا: هجوم سيبراني على مواقع حكومية والجيش يعزز يصدّ تسللات لـ”قسد” في الرقة .. والنازحون يعودون

أخباركم – أخبارنا تقرير سوريا تتسارع التطورات الميدانية في سوريا على وقع توتر أمني...

More like this

علي حمادة لموقعنا: ما قاله الرئيس عون عن السلاح أبلغه  لحزب الله أكثر من مرة.. لكن الحزب كان يستغل صمته

أخباركم - أخبارنا اعتبر الكاتب والمحلل السياسي علي حمادة، انه بمناسبة مرور سنة على انتخاب...

لا الحرس الثوري ولا عودة الشاه… لماذا يرفض الإيرانيون البدائل المفروضة؟

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد ليست إيران اليوم ساحة صراع بين نظامٍ ومعارضة تقليدية،...

حكومة نواف سلام: عام على “العبور نحو الدولة” بين التحديات السياسية والانسجام التنفيذي

أخباركم - أخبارنا / عايدة الأحمدية مع اقتراب مرور عام على تشكيل حكومة الرئيس نواف...