أخباركم – أخبارنا/ الكاتب: د. نضال الشرتوني
تُعدّ بيروت واحدة من أقدم مدن البحر المتوسط، إذ يعود تاريخ استيطانها إلى آلاف السنين، وتعاقبت عليها حضارات متعددة: الفينيقيون، اليونان، الرومان، البيزنطيون، العرب، العثمانيون… وقد حافظت المدينة، رغم الحروب والاحتلالات، على تراكم طبقات حضارية متواصلة جعلت مركزها التاريخي أشبه بـ«متحف حيّ».
غير أن المرحلة الأكثر تدميرًا لتراث بيروت لم تكن خلال الحرب الأهلية (1975–1990)، بل بعد انتهائها، وتحديدًا ابتداءً من عام 1992، حين تولّت الدولة، بالشراكة مع القطاع الخاص، ما سُمّي بعملية «إعادة الإعمار». وما جرى في وسط بيروت يُعدّ من أكبر عمليات الطمس الممنهج للهوية والتراث الحضري في تاريخ الشرق الأوسط الحديث.
إن محو ذاكرة الشعوب يسهّل تدجينها والتحكم بها. فعندما يُفصل الإنسان عن تاريخه وحضارته وثقافته، ويصل إلى الاقتناع بأن ذلك لا يعنيه، يصبح بلا وطن يفتخر به ولا قضية يدافع عنها.
أولًا: الخلفية التاريخية لوسط بيروت
أهمية المنطقة قبل الحرب
شكّل وسط بيروت أحد أهم مراكز التجارة في الحوض الشرقي للبحر المتوسط، وضمّ أحياءً وأسواقًا تاريخية بارزة، منها:
- سوق الطويلة
- سوق أياس
- سوق البازركان
- سوق سرسق
- سوق الصاغة
- سوق النحّاسين
- سوق الجميل
كما احتوى على طبقات أثرية متراكمة تعود إلى:
- الحقبة الفينيقية
- الحقبة الهلنستية
- الحقبة الرومانية (أعمدة، طرق، بقايا معابد)
- الحقبة البيزنطية
- الحقبة الإسلامية والعثمانية
وكان يشكّل ذاكرة حيّة للشعب البيروتي ومركزًا لثوراته ونضالاته منذ القرن التاسع عشر.
ثانيًا: وضع الدولة يدها على وسط بيروت
بعد انتهاء الحرب، تولّت حكومة الرئيس رفيق الحريري إدارة ملف وسط بيروت. وفي عام 1992، وُضع الوسط التاريخي في قلب مشروع سياسي–اقتصادي هدفه إعادة تشكيل لبنان النيوليبرالي عبر الهندسة المالية والعقارية.
أبرز الإجراءات المتخذة عام 1992:
- تأسيس شركة خاصة مستقلة هي «سوليدير»، ذات كيان مالي وإداري مستقل، أُنشئت عام 1994 بموجب القانون رقم 117/1991، ومنحت مسؤولية تطوير وإعادة بناء وسط بيروت التاريخي وفق رؤية حديثة تهدف إلى تحويله إلى مركز اقتصادي.
- إعلان المنطقة «منطقة متضرّرة» رغم أن أجزاءً واسعة منها كانت قابلة للترميم.
ثالثًا: التعامل مع أصحاب الحقوق الأصليين
كُلّفت شركة «سوليدير» بوضع آلية لجمع أصحاب الحقوق وإشراكهم في إعادة الإعمار بحجة ضخامة الدمار، رغم أن الوقائع تشير إلى أن المنطقة لم تكن مدمّرة بشكل واسع. وفي النتيجة:
- لم يُحافَظ إلا على نحو 265 مبنى فقط، إضافة إلى 26 مبنى دينيًا أو حكوميًا.
- مُنحت «سوليدير» تفويضًا كاملًا لنزع الملكيات وهدم الأبنية.
- جرى نزع ملكية الأبنية والأراضي التاريخية، بما فيها المواقع الأثرية، مقابل أسهم بدل تعويض نقدي، مع تجاهل القيمة الثقافية والتراثية.
- نُفّذ هدم شامل، ودُفنت الآثار تحت الباطون، ما أدى إلى موت الحياة في المنطقة التاريخية.
- رُدمت الأبنية وبقاياها في مطمر ومرفأ النورماندي، وتحولت المساحات الناتجة إلى ملكية خاصة للشركة.
- أُلغي النشاط الاجتماعي التقليدي في الأسواق والشوارع، ومنها سوق الذهب التاريخي.
النتيجة كانت خصخصة قلب بيروت جغرافيًا واقتصاديًا وتاريخيًا، وتحويله إلى مساحة منزوعة الصلة بالشعب اللبناني وتاريخه النضالي.
رابعًا: التنقيب الأثري (1992–1994)
خلال أعمال التنقيب، ظهرت اكتشافات وصفها علماء آثار بأنها من أعظم اكتشافات القرن في شرق المتوسط، أبرزها:
- شبكة طرق رومانية كاملة
- مبانٍ فينيقية نادرة
- مرفأ فينيقي قديم
- كنائس بيزنطية
- بقايا أسوار ومرافئ عثمانية
لكن ما جرى لاحقًا كان:
- تكسير آلاف القطع الأثرية بالجرافات
- ردم المواقع بدل حمايتها
- تدمير مبانٍ عثمانية قابلة للترميم
- إزالة الخانات والأسواق والسراي القديمة
- تحويل المرفأ الفينيقي إلى موقف سيارات إسمنتي
وقد تجاهلت السلطات اعتراضات علماء آثار محليين وأجانب، ووصفت دراسات عدة ما حدث بأنه «أكبر دفن لتراث مدينة متوسطية في القرن العشرين».

خامسًا: تفريغ وسط بيروت من أهله
بعد تدمير الأسواق، جرى تهجير:
- العائلات البيروتية
- أصحاب الحِرف والتجار
- العمّال
- سكان الأحياء القديمة
وتحوّل الوسط إلى منطقة نخبوية للاستثمار العقاري، ففقدت بيروت قلبها الشعبي، وبات وسطها بلا حياة أو روح.
سادسًا: تحويل الذاكرة إلى سلعة
تحوّلت المنطقة إلى مشروع تجاري ضخم:
- أبراج زجاجية
- ساحات بلا ذاكرة
- واجهات استهلاكية
- أسعار عقارات تفوق قدرة أي بيروتي
وهو نموذج يصفه علماء الاجتماع بـ Urbanicide، أي قتل المدينة ككيان اجتماعي وثقافي.

سابعًا: النتائج الكارثية على الهوية البيروتية
- محو الذاكرة الجمعية
- اختفاء مركز المدينة الذي شهد أحداث 1958 و1975
- تدمير التراث العمراني
- فقدان الطبقات الأثرية الفريدة
- قطع علاقة الشعب بمركزه المدني
ثامنًا: توصيف قانوني وأخلاقي
يمكن توصيف ما جرى بأنه:
- جريمة حضارية
- طمس تراثي متعمّد
- تهجير جمعي
- خصخصة تاريخ مدينة كاملة
وهو نمط تدمير يحدث عادة في سياقات الاحتلال الخارجي، لكنه وقع في بيروت تحت مظلة الدولة نفسها.
خاتمة
ما جرى في وسط بيروت بين 1992 و1995 لم يكن مشروعًا عمرانيًا، بل عملية اقتلاع للذاكرة. أُزيلت أسواق عمرها 2500 سنة، ودُفن تاريخ النضال الشعبي والوطني تحت الإسمنت. بيروت التي كانت مدينة المقاومين والحرفيين والمثقفين، تحولت إلى مشروع عقاري بلا روح.
إن تدمير آثار بيروت ومحو ذاكرة شعبها وخصخصة قلبها التاريخي يُعدّ جريمة العصر، وما يسميه باحثو التراث بـ الهندسة السياسية للذاكرة.
المراجع:
(1) مجلة أشغال عامة – منى خشن
(2) قانون 117/1991
(3) سوسن مهنا – تاريخ مرفأ بيروت



