أخباركم – أخبارنا
تقرير فلسطين السياسي
في مشهدٍ إقليمي يتكثّف فيه التداخل بين السياسة والقوة، ويضيق فيه الهامش الإنساني إلى حدّ الاختناق، تتقاطع أخبار غزة والقدس وواشنطن وتل أبيب، لتشكّل لوحة واحدة عنوانها إعادة ترتيب المنطقة على وقع الحرب والضغط والاصطفافات الصلبة. من خيام النازحين التي لم تصمد أمام البرد والمطر في جنوب قطاع غزة، إلى أروقة منتجع مارالاغو حيث التقى دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو للمرة السادسة، تبدو السياسة بعيدة عن حياة الناس، لكنها في الحقيقة ترسم حدود معاناتهم اليومية.
في غزة، لا يزال المأوى معركة بحد ذاته، مع تفاقم أوضاع مئات آلاف النازحين، وانكشاف فشل الحلول المؤقتة، فيما تحاول الجهات الحكومية إطلاق نداء إنساني عاجل للعالم، وسط إغلاق المعابر ومنع إدخال أي بدائل حقيقية تحفظ الحد الأدنى من الكرامة. وفي القدس، ينتقل استهداف الوجود الفلسطيني إلى مرحلة أكثر فجاجة، مع شروع الاحتلال في قطع الكهرباء والمياه عن منشآت الأونروا، في خطوة سياسية – عقابية تستهدف الوكالة ودورها، وتضرب في عمق ملف اللاجئين.
سياسيًا، عكس لقاء ترامب – نتنياهو توافقًا استراتيجيًا عميقًا رغم التباينات المعلنة، سواء في مقاربة “اليوم التالي” لغزة، أو في ملفات إيران ولبنان وسورية، بينما تبقى الخلافات في إطار التفاصيل لا الجوهر، ضمن رؤية مشتركة تُدار بمنطق القوة وتبرير الوقائع على الأرض. وفي الداخل الإسرائيلي، تتسع مساحة التضييق على الصوت العربي، مع مطالبة الشرطة بفتح تحقيق ضد النائب أحمد الطيبي، في مؤشر إضافي على تسييس المؤسسة الأمنية، وتجريم الموقف السياسي.
بين معاناة إنسانية متصاعدة، وقرارات احتلالية عقابية، وتفاهمات دولية تُصاغ بعيدًا عن أصحاب الأرض، تتكشف ملامح مرحلة أشد قسوة، تُدار فيها الأزمات لا لحلّها، بل لإبقائها مفتوحة على كل الاحتمالات.
ففي وقت تتسارع فيه التطورات السياسية والميدانية، تتداخل ملفات غزة والقدس وواشنطن وتل أبيب ضمن مشهد واحد تحكمه موازين القوة، وتنعكس نتائجه مباشرة على الواقع الإنساني والسياسي الفلسطيني. في قطاع غزة، تتفاقم معاناة مئات آلاف النازحين الذين يواجهون شتاءً قاسيًا داخل خيام مهترئة لا توفر الحد الأدنى من الحماية، بينما تُدار في الكواليس السياسية نقاشات إقليمية ودولية حول “اليوم التالي” للحرب، من دون أن تلوح في الأفق حلول تضع الإنسان الفلسطيني في صدارة الأولويات.
في هذا السياق، أطلقت غرفة العمليات الحكومية للتدخلات الطارئة في المحافظات الجنوبية، بالشراكة مع وزارة الأشغال العامة والإسكان، حملة “المأوى حق غزة”، في محاولة للفت انتباه المجتمع الدولي إلى الكارثة الإنسانية المتفاقمة، والمطالبة بالضغط على الاحتلال الإسرائيلي للسماح بإدخال وحدات سكنية مسبقة الصنع كحل طارئ. وأكدت الجهات الرسمية أن المنخفضات الجوية الأخيرة كشفت فشل الخيام في حماية النازحين، بعد تضرر أكثر من 53 ألف خيمة بفعل الأمطار والرياح، وتسجيل وفيات بين الأطفال، بينهم رُضّع، نتيجة التعرض للبرد الشديد، في ظل غياب وسائل التدفئة الآمنة.
في المقابل، تتواصل الإجراءات الإسرائيلية التي تستهدف الوجود الفلسطيني ومؤسساته، إذ شرع الاحتلال بفصل الكهرباء والمياه عن منشآت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” في القدس، تنفيذًا لقانون أقرّه الكنيست مؤخرًا. وتشمل الخطوة عيادات ومدارس ومبانٍ أخرى تابعة للوكالة، في تصعيد يهدف إلى تقويض دور الأونروا وإنهاء وجودها، رغم تأكيد الأمم المتحدة التزام الوكالة بالحياد، ونفيها المتكرر للاتهامات الإسرائيلية بشأن تورط موظفين في هجمات عسكرية.
على الصعيد السياسي الدولي، استقبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في 29 كانون الأول/ديسمبر 2025، رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في منتجع مارالاغو بفلوريدا، في لقاء هو السادس بينهما، خُصص لبحث الانتقال إلى “المرحلة الثانية” من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، الذي يستند إلى “خطة سلام” من 20 بندًا صاغتها الولايات المتحدة وتبنت الشروط الإسرائيلية بالكامل. ورغم الترويج الإعلامي لوجود خلافات بين الطرفين، أظهر اللقاء حجم التوافق الاستراتيجي بينهما، مع بقاء التباينات في إطار التفاصيل.
يسعى ترامب إلى الدفع نحو مرحلة “ما بعد حماس”، من خلال تشكيل مجلس سلام وحكومة تكنوقراط جديدة في غزة، مدعومة بقوة دولية، انطلاقًا من قناعته بأن استمرار الوضع الحالي يعرقل مسارات التطبيع الإقليمي. في المقابل، يتمسك نتنياهو بشرط نزع سلاح حماس كمدخل أساسي لأي تقدم، معتبرًا أن أي وقف لإطلاق النار من دون ذلك لن يكون مستدامًا. ورغم هذه الاختلافات المعلنة، حرص الطرفان على التقليل من شأنها، حيث أكد ترامب التزام إسرائيل الكامل بوقف إطلاق النار، في تناقض مع الوقائع الميدانية التي تشير إلى استمرار الانتهاكات، وإغلاق المعابر، ومنع دخول المساعدات الإنسانية.
وشمل اللقاء أيضًا ملفات إقليمية أخرى، أبرزها إيران وحزب الله وسورية وتركيا. فقد أبدى ترامب استعداده لدعم هجوم إسرائيلي جديد على إيران في حال سعت لإعادة بناء قدراتها النووية أو الصاروخية، مع تفضيله في الوقت نفسه التوصل إلى اتفاق نووي جديد. أما في ما يتعلق بلبنان، فيدعم ترامب سياسات نتنياهو تجاه حزب الله. وفي الملف السوري، برز تباين أوضح، إذ رفض ترامب الإبقاء على العقوبات المفروضة على دمشق، ووقّع قرار إلغاء “قانون قيصر”، معتبرًا أن القيادة السورية الجديدة قد تفتح الباب أمام استقرار أكبر، خلافًا للموقف الإسرائيلي المتشدد.
داخليًا، تتصاعد مظاهر التضييق على الصوت السياسي العربي داخل إسرائيل، مع مطالبة الشرطة الإسرائيلية النيابة العامة بفتح تحقيق ضد النائب أحمد الطيبي، على خلفية تصريحات انتقد فيها المتحدث باسم الشرطة. واعتبرت الشرطة أن أقوال الطيبي تشكل “إهانة لموظف جمهور”، مطالبة باعتذار علني، فيما ردّ حزب العربية للتغيير بأن القضية الحقيقية ليست في التصريحات، بل في سلوك الشرطة وجرائم القتل في النقب، معتبرًا أن التحقيق محاولة لتكميم الأفواه وتسييس المؤسسة الأمنية.
إقليميًا، أعلن الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف أن بلاده لن تشارك بقوات في أي قوة دولية لتحقيق الاستقرار في غزة، مؤكدًا رفضه الزج بأذربيجان في نزاعات خارج حدودها، رغم تواصله مع الإدارة الأميركية حول هذا الملف، ما يعكس ترددًا دوليًا واسعًا في الانخراط الميداني في القطاع.
بين تصعيد إنساني في غزة، وإجراءات عقابية في القدس، وتفاهمات سياسية دولية تُدار بمنطق القوة، تتبلور مرحلة شديدة التعقيد، تُبقي القضايا الجوهرية معلّقة، وتُرحّل معاناة الفلسطينيين إلى هوامش المفاوضات، في وقت تتكرس فيه الوقائع على الأرض بوتيرة متسارعة.



