السبت, أكتوبر 10, 2026
21.3 C
Beirut

من شارلي إيبدو إلى الشرق المشتعل: حين يحكم الإرهابُ باسم الدين ويُعدمُ العقلَ بالرصاص

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

في 7 كانون الثاني/يناير 2015، استيقظ العالم على واحدة من أكثر الهجمات الإرهابية رمزية في القرن الحادي والعشرين، حين اقتحم مسلحان مقر صحيفة شارلي إيبدو الساخرة في قلب باريس، وقتلا اثني عشر شخصًا، بينهم رسامون وصحفيون ورجال شرطة، في هجوم صادم هزّ فرنسا وأعاد إلى الواجهة أسئلة كبرى حول حرية التعبير، والتطرف، وحدود العنف باسم الدين. لم يكن ذلك اليوم حدثًا أمنيًا عابرًا، بل لحظة فاصلة دشّنت مرحلة جديدة من الصراع بين الكلمة والرصاصة، بين العقل الأعزل والعنف المؤدلج.

كان مثل هذا اليوم علامة فارقة في الذاكرة الإنسانية، يوم تحوّل اسم شارلي إيبدو من مجلة ساخرة إلى رمز عالمي لصدامٍ قاسٍ بين الفكر والسلاح. لم يكن الهجوم جريمة إرهابية فحسب، بل إعلانًا عن دخول العالم زمنًا يُستبدل فيه الحوار بالقتل، والفكرة بالرصاص.

في ذلك اليوم، لم يُستهدف رسامون وصحفيون وحدهم، بل استُهدفت قيمة إنسانية تأسست عليها الحداثة: حق الاختلاف وحرية التعبير. الرصاص لم يكن ردًا، بل اعترافًا بالعجز؛ عجز عن الإقناع، وعجز عن المنافسة في ميدان العقل. وما سُمّي بـ«الإسلام الجهادي» في نسخته المتطرفة لم يكن مشروعًا دينيًا أو أخلاقيًا، بل مشروع شهرة بالدم، واستعراض سلطة عبر الاستعباد والخوف. هو تيار عدمي لا يعيش إلا على الضوء الذي تصنعه الكاميرات، ولا يتغذى إلا على الجثث، ولا يفهم من السلطة إلا فوهة البندقية.

حادثة شارلي إيبدو كشفت مأزق هذا الفكر بوضوح: عجز عن إنتاج معرفة، وعجز عن بناء مجتمع، وعجز عن التعايش. لذلك لا يجد سوى الرصاص لغةً للحوار. في المقابل، مارس الضحايا أقسى أشكال المقاومة: السخرية والكلمة والرسم—أدوات العقل في مواجهة الهمجية.

لكن المأساة لا تقف عند حدود الجريمة نفسها؛ إذ استُثمرت لاحقًا بطرق متناقضة: من استخدمها لتبرير كراهية جماعية، ومن اتخذها ذريعة لتوسيع سياسات الإقصاء. وهنا ضاع المعنى الجوهري: الدفاع عن الإنسان والحرية، لا عن هويات متقابلة ولا عن الانتقام.

وحين لا يبقى هذا الإرهاب في الهامش بل يصل إلى السلطة أو يقترب منها، تتبدّى نتائجه بأبشع صورها. فالإرهاب حين يحكم لا يدير دولة ولا يبني عقدًا اجتماعيًا؛ بل يُخضع الناس بالخوف ويحوّل المجتمع إلى ساحة طاعة قسرية. التجربة السورية مثال صارخ: عنفٌ تحوّل من أداة «ثورية» مزعومة إلى منهج حكم قائم على المجازر والإقصاء.

ما جرى ويجري على يد أبي محمد الجولاني يختصر هذا المسار الدموي: من استسهال قتل العلويين، إلى استهداف الدروز، وصولًا إلى ما يتعرض له اليوم الأكراد في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية. النموذج واحد: جماعة ترى التنوع خطرًا والاختلاف تهديدًا يجب سحقه. حين يتحول الإرهاب إلى سلطة، تصبح المجازر لغة سياسية، ويُختزل «الأمن» في القتل الجماعي، ويُستباح المدني بوصفه رقمًا في معادلة الترهيب.

وفي مقابل هذا النموذج من العنف المنسوب إلى الإسلام السني الجهادي، برز في الضفة الأخرى نموذجٌ موازٍ لا يقل خطورة، تمثّل في حزب الله، الذي قدّم نفسه بوصفه «مقاومة» بينما مارس، عمليًا، نمطًا آخر من العنف المؤدلج والمُسَيَّس. ففي لبنان، ارتبط اسمه بسلسلة اغتيالات سياسية طالت صحفيين ومفكرين وقادة رأي، ما أسهم في تقويض الحياة السياسية وتحويل الخلاف إلى تصفية جسدية بدل التنافس الديمقراطي.

ومع اندلاع الثورة السورية، لم يتردد الحزب في نقل تجربته القتالية خارج الحدود، فشارك مباشرة في الحرب إلى جانب النظام، وأسهم في تحويل الصراع إلى حرب طائفية مفتوحة ذات نتائج مدمّرة على المجتمع السوري. ولم يتوقف هذا الدور عند سوريا، بل امتد إلى اليمن والعراق، حيث أُرسلت مجموعات مسلحة وخبراء في إطار حروب بالوكالة أطالت أمد الصراعات وعمّقت تفكك الدول. وكما فعلت الجماعات السنية المتطرفة، جرى توظيف المذهب أداةَ تعبئة، وتحويل «المقاومة» أو «الجهاد» إلى غطاء لهيمنة السلاح على السياسة.

بهذا المعنى، لا يعود الصراع بين سني وشيعي، ولا بين إسلام وآخر، بل بين منطق الدولة ومنطق الميليشيا، بين العقل السياسي وفكرة السلاح المقدّس الذي لا يُسأل ولا يُحاسَب. فحين يُمنح العنف شرعية دينية—سواء باسم الخلافة أو المقاومة—تكون النتيجة واحدة: اغتيال الإنسان، وتدمير المجتمع، ومصادرة المستقبل.

شارلي إيبدو لم تكن معركة بين الإسلام والغرب، بل صراعًا بين مشروعين: مشروع الحياة القائم على العقل، ومشروع الموت القائم على العنف. وكلما فشل العالم في معالجة جذور التطرف—الاستبداد، الفقر، التهميش، وانسداد الأفق—عاد الرصاص ليحاور العقل من جديد.

الجواب لا يُكتب بالرصاص… بل بالكلمة، وبالعدالة، وبشجاعة منع شرعنة العنف، والدفاع عن الحرية دون ازدواجية.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

الحسكة بين شعارات الدولة ومخاطر الفتنة

أخباركم - أخبارنا/ زرادشت محمد الاختباء خلف شعارات “بسط سلطة الدولة” و”العلم الواحد”، بينما تتعالى...

صوفي بينيه تشكر «FENASOL» وتؤكد استمرار وقوف الكونفدرالية العامة للشغل الفرنسية إلى جانب عمال لبنان ونقاباتهم

أخباركم - أخبارنا تلقّت الأمانة العامة للاتحاد الوطني لنقابات العمال والمستخدمين في لبنان (FENASOL) رسالة...

More like this

الحسكة بين شعارات الدولة ومخاطر الفتنة

أخباركم - أخبارنا/ زرادشت محمد الاختباء خلف شعارات “بسط سلطة الدولة” و”العلم الواحد”، بينما تتعالى...

8 تشرين الأول.. يوم قرر حزب الله مصادرة قرار وطن فخسر الحق بالبقاء.

أخباركم - أخبارناالمحامي مارون العميل امين عام حزب حراس الارز في 8 تشرين الأول 2023،...

خريف الرهانات.. وعبرة الرماد

أخباركم - أخبارنا/ أكرم محمود في رحاب الذكرى، وبين أطياف المشهد المتغير، تقف الكلمات حائرة...