أخباركم – اخبارنا
تقرير لبنان السياسي
في ظل تصاعد الخطاب الرسمي حول بسط سلطة الدولة وحصر السلاح بيدها، يبرز بيان الجيش اللبناني الأخير بوصفه محاولة لتكريس صورة السيطرة والاستقرار، ولا سيما في جنوب نهر الليطاني. غير أنّ القراءة الهادئة للواقع الميداني والسياسي تفرض مقاربة مختلفة، إذ يكشف البيان، بين سطوره، حجم القيود المفروضة على المؤسسة العسكرية، وحدود قدرتها الفعلية على فرض السلام أو نزع سلاح المليشيات، في بلد ما زال قراره السيادي مرتهنًا لتوازنات داخلية وضغوط إقليمية ودولية تتجاوز إرادة الدولة ومؤسساتها.
من الواضح أنّ لبنان دخل مرحلة سياسية وأمنية تتقدّم فيها الحركة الدبلوماسية بالتوازي مع الحركة العسكرية، فبين اجتماع «الميكانيزم» الذي عاد إلى نسخته العسكرية الصرفة، وجلسة مجلس الوزراء المنتظرة لإقرار خطوات عملية لحصر السلاح شمال الليطاني اليوم، واجتماع «الكابينيت» الإسرائيلي الموازي، تتشكّل ثلاثية دقيقة ستحدّد اتجاه المرحلة المقبلة بين التهدئة القابلة للانهيار والتصعيد القابل للتمدد.
في هذا السياق، تُعيد زيارة جان بيار لاكروا إلى بيروت رسم خارطة الأدوار الدولية في الجنوب استعداداً لما بعد انسحاب «اليونيفيل» عام 2027. الرسالة الأساس التي حملها الرجل واضحة: المجتمع الدولي يريد ضمان استمرارية المراقبة وتطبيق القرار 1701، حتى ولو تبدّلت الأجسام والآليات. أمّا الرد اللبناني فجاء عبر الرئيس جوزاف عون، الذي أبدى استعداداً لاستقبال أي قوة دولية راغبة في البقاء، شريطة أن تُسهم في بسط سلطة الدولة لا في تكريس واقع الميليشيات. وهذا الموقف يجد صداه أيضاً في مواقف وزير الخارجية يوسف رجيّ، الذي لم يتردد في التأكيد أن الجيش قادر على مواجهة حزب الله عند الضرورة، وأن نزع سلاحه خيار مطروح بخطة مرحلية.
في موازاة المسار الأممي، تستعد بيروت لاستقبال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، وسط مخاوف من أن تتحول الزيارة إلى محاولة لإعادة تثبيت النفوذ الإيراني في لحظة حساسة تحاول فيها الدولة استعادة قرارها. وفي المقلب الآخر، تعكس حركة السفير السعودي وليد البخاري دعماً واضحاً لمسار إعادة فرض سيادة الدولة وتعزيز المؤسسات.
وبين هذه المسارات المتقاطعة، يتحرك لبنان فوق خط رفيع يفصل بين فرض الدولة لسلطتها أو انزلاقها مجدداً نحو صراعات خارجية تتحكم بها القوى المسلحة والملفات الإقليمية.
فقد تحوّل الطابع الروتيني لاجتماع لجنة الميكانيزم في رأس الناقورة، والذي اقتصر هذه المرة على الحضور العسكري من الجيشين اللبناني والإسرائيلي إلى جانب الضباط الأميركيين والفرنسيين وقائد اليونيفيل، إلى عنصر ثانوي أمام محطتين أساسيتين تتجه إليهما الأنظار اليوم: جلسة مجلس الوزراء التي يحضرها قائد الجيش العماد رودولف هيكل ويتوقع أن يصدر عنها قرار مبدئي باستكمال تنفيذ خطة حصر السلاح شمال الليطاني وبين النهر والأولي، وجلسة الكابينيت الإسرائيلي المخصّصة لبحث ملف حزب الله. وبين المحطتين، تبرز زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى بيروت بعد غد، والتي ستتخذ طابعاً سياسياً واقتصادياً وتثير تساؤلات حول توقيتها ورسائلها وسط المناخ الإقليمي المتوتر.
وخلال الساعات التي سبقت اجتماع الميكانيزم، برزت جولة وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيار لاكروا على المسؤولين اللبنانيين، بدءاً من قصر بعبدا حيث أبلغه رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون أنّ لبنان يرحّب بأي دولة ترغب في إبقاء قوة دولية في الجنوب بعد انسحاب اليونيفيل المقرر نهاية 2027، شرط الاتفاق على الصيغة التي ستعمل بموجبها القوة الجديدة لدعم الجيش في بسط سيادة الدولة حتى الحدود الجنوبية المعترف بها دولياً وتطبيق القرار 1701. ولفت الرئيس عون إلى أنّ الجيش ازداد عديده تدريجياً وسيصل إلى أكثر من عشرة آلاف عنصر بين ضباط ورتباء وجنود، مشيراً إلى أنّ استكمال انتشاره حتى الحدود الدولية لا يزال معرقلاً بسبب عدم انسحاب إسرائيل من التلال والمناطق التي ما زالت تحتلها، إضافة إلى عدم التزامها ببنود اتفاق تشرين الثاني 2024 واستمرار اعتداءاتها على الأراضي اللبنانية ورفضها إطلاق الأسرى اللبنانيين.
وشدد الرئيس عون على أنّ عدداً من الدول الأوروبية أبدى رغبة في إبقاء وحدات من قواته العاملة حالياً ضمن إطار اليونيفيل بعد انتهاء ولايتها، وأنّ لبنان رحّب بهذه الفكرة لأنها تتيح للمجتمع الدولي مواصلة متابعة الوضع في الجنوب وتؤمّن للجيش اللبناني قدرة أكبر على التنسيق واستكمال الانتشار وضمان الاستقرار. ونفى عون صحة المزاعم الإسرائيلية وبعض الأصوات الداخلية حول تقصير الجيش في أداء مهامه جنوب الليطاني، مؤكداً أنه يقوم بكل ما كلف به وفق قرار مجلس الوزراء.
لاكروا من جهته أبلغ الرئيس عون نتائج جولته في الجنوب ولقاءاته مع قيادة اليونيفيل، مؤكداً استمرار دعم الأمم المتحدة للجيش اللبناني واستعدادها للمساعدة في أي صيغة تضمن الأمن والاستقرار، ولا سيما في منطقة عمليات القوات الدولية. وفي عين التينة، التقى لاكروا رئيس مجلس النواب نبيه بري بحضور الوفد الأممي ومستشار الرئيس بري علي حمدان، حيث جرى عرض شامل للأوضاع في لبنان والمنطقة ولمهام اليونيفيل. وبعد اللقاء، اكتفى لاكروا بالقول إن الاجتماع كان إيجابياً وإنه شكر الرئيس بري على دعمه للقوات الدولية، وتم التطرق إلى المرحلة التي ستلي انتهاء ولاية اليونيفيل.
وشملت جولة لاكروا وزارة الخارجية حيث استقبله الوزير يوسف رجّي وبحث معه في شكل اليوم التالي لانسحاب القوات الدولية، مؤكداً أن الهدف هو الاطلاع على رؤية لبنان وتصوراته ومناقشة الآليات الكفيلة بضمان تطبيق القرار 1701. الوزير رجي أثنى على دور اليونيفيل وتضحيات عناصرها، وأكد تمسك الدولة اللبنانية بالإبقاء على وجود دولي في الجنوب بعد انتهاء مهمة اليونيفيل، مشيراً إلى وجود أفكار قيد البحث، منها إمكانية تفعيل دور هيئة مراقبة الهدنة UNTSO مع زيادة عديدها. واقترح التفكير بالاستفادة من قدرات اليونيفيل المتبقية خلال الأشهر المقبلة لمراقبة تنفيذ القرار 1701 في شمال الليطاني أيضاً، باعتبار أن القرار لا يقتصر مفاعيله على الجنوب فقط.
لاكروا كذلك عقد لقاءات أمنية مع المدير العام للأمن العام اللواء حسن شقير، ومع قائد الجيش العماد رودولف هيكل في اليرزة، ومع رئيس الحكومة نواف سلام في السرايا، وتم التركيز في كل اللقاءات على وضع الجنوب وعلى السيناريوات التي يجري درسها لمرحلة ما بعد انسحاب اليونيفيل.
وفي الموازاة، تبرز زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى بيروت، الذي أعلن أنه سيصل اليوم مع وفد اقتصادي، في إطار تعزيز التعاون السياسي والاقتصادي وتوسيع العلاقات الثنائية. وأكد عراقجي أن الزيارة تأتي في توقيت دقيق تشهده المنطقة، وأن طهران تسعى إلى تعزيز روابطها مع مختلف مكوّنات الدولة اللبنانية. وتكتسب الزيارة أهمية إضافية نظراً لتزامنها مع مواقف لافتة أطلقها وزير الخارجية يوسف رجّي الذي أكد أنّ الجيش قادر على مواجهة حزب الله إذا دعت الحاجة، وأن نزع سلاح الحزب يشكل أولوية للحكومة، بيد أن التنفيذ سيكون عبر خطة مرحلية يتولاها الجيش. ومن المتوقع أن تشمل لقاءات عراقجي عدداً من كبار المسؤولين، مع تركيز على مشاريع التعاون الاقتصادي والاستثماري.
وفي مقابل الحراك الإيراني، نشطت الدبلوماسية السعودية عبر زيارة السفير السعودي وليد البخاري لرئيس الحكومة نواف سلام في السرايا حيث استعرض الطرفان آخر التطورات السياسية المحلية والإقليمية، وركزا على جهود الحكومة لفرض سيادة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، وعلى الجهود الرامية لخفض التصعيد في الجنوب. كما التقى سلام المنسقة الخاصة للأمم المتحدة جينين هينيس-بلاسخارت واطلع منها على أجواء اجتماع الميكانيزم.
إلى جانب ذلك، أعلن الاتحاد الأوروبي أن رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا سيزوران الأردن وسوريا ولبنان في 8 و9 كانون الثاني، وسيلتقيان الرئيس جوزاف عون في بيروت في التاسع منه، في محطة قد تحمل إشارات أوروبية إلى دعم الاستقرار ومناقشة الملفات الحدودية والاقتصادية.
الرئيس عون غادر امس إلى قبرص للمشاركة في احتفالات تسلم نيقوسيا رئاسة الاتحاد الأوروبي، وهي مناسبة لعدد من اللقاءات مع رؤساء ووفود الدول المشاركة. وقبيل مغادرته، استقبل رئيس جهاز أمن المطار العميد فادي كفوري وأكد أمامه أن ما تحقق في المطار من ضبط وتنظيم يعود للتعاون الوثيق بين الأجهزة الأمنية وللعمل الجماعي، مشيراً إلى تغير الصورة العامة للمطار في الداخل والخارج.
كما التقى رئيسة المجلس الأعلى للجمارك بالوكالة ريما مكي وعضوتَي المجلس، حيث عرضن حاجات الجهاز وضرورة زيادة العاملين وتزويد المرافئ والمعابر بأجهزة سكانر لضبط حركة البضائع. وأكد الرئيس عون أن الجمارك تشكل مورداً أساسياً للدولة وأن تطوير التجهيزات يجب أن يترافق مع مكافحة التهريب وتطبيق الرسوم ومنع الرشاوى والتدخلات، واعداً بالعمل على دعم الجهاز وأولوية تعزيز موارده البشرية والتقنية.
وفي السياق نفسه، أطلع المدير العام لأمن الدولة اللواء إدغار لاوندوس الرئيس على دور الجهاز في مكافحة الفساد والرشاوى في الإدارات العامة، فيما برز موقف مالي لافت من السفارة الأميركية رحبت فيه بإقرار الحكومة مشروع قانون الفجوة المالية، معتبرة أنه خطوة مهمة لإعادة الثقة بالنظام المصرفي ويشكل تقدماً على طريق التعافي الاقتصادي وجذب الاستثمارات الدولية. وبالتوازي، استقبل الرئيس بري حاكم مصرف لبنان كريم سعيد في اجتماع بحث في الوضع المالي وشؤون المصرف المركزي.



