أخباركم – أخبارنا
زيارة وزير خارجية إيران إلى لبنان، تحت عنوان «التعاون الاقتصادي»، لا يمكن قراءتها كحدث دبلوماسي عادي أو تقني، بل تفرض نفسها كسؤال سياسي سيادي بامتياز، في بلد يعيش واحدة من أخطر مراحل فقدان القرار الوطني. فالدولة التي لعبت الدور الحاسم في بناء ورعاية دويلة حزب الله داخل الدولة اللبنانية، تعود اليوم لتطرح نفسها شريكًا اقتصاديًا، وربما منقذًا، في لحظة انهيار شامل.
تعاون اقتصادي أم تثبيت نفوذ؟
من حيث الشكل، يأتي الخطاب الإيراني محمّلًا بعناوين مألوفة:
- دعم اقتصادي
- تعاون تجاري
- مساعدات في الطاقة والدواء
- تبادل خبرات
لكن من حيث المضمون، لا يمكن فصل أي «تعاون» إيراني عن السياق السياسي–الأمني الذي حكم علاقة طهران بلبنان منذ أكثر من أربعة عقود. فإيران لم تدخل لبنان عبر الدولة، بل عبر تنظيم مسلّح، ولم تبنِ شراكة اقتصادية مؤسساتية، بل شبكة نفوذ موازية تجاوزت الدولة وقيّدت قرارها.
من السلاح إلى الاقتصاد: انتقال في الأدوات لا في المشروع
ما نشهده اليوم هو تحوّل في أدوات النفوذ الإيراني لا أكثر:
- من السلاح إلى الاقتصاد
- من المواجهة إلى «المساعدة»
- من الخطاب العقائدي إلى لغة المصالح
لكن الهدف يبقى واحدًا: الإمساك بمفاصل القرار اللبناني، أو في الحد الأدنى منع قيام دولة قادرة على الخروج من هذا النفوذ.
فالاقتصاد، في الدول المنهارة، يتحوّل إلى أداة انتداب ناعمة:
- قروض مشروطة
- مساعدات مرتبطة بولاءات
- مشاريع خارج الرقابة
- تطبيع الأمر الواقع مع دويلة قائمة
تصريحات عراقجي من مطار بيروت: الغطاء السياسي للتعاون
في موازاة العناوين الاقتصادية، أطلق وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مواقف سياسية واضحة من مطار بيروت، عكست الإطار الحقيقي الذي تتحرّك ضمنه الزيارة. فقد قال إن المنطقة تواجه تهديدات غير مسبوقة، مشيرًا إلى أن سبع دول تعرّضت لهجمات إسرائيلية خلال العامين الماضيين، من بينها لبنان وإيران، مؤكدًا أن أجزاء من الأراضي اللبنانية لا تزال تحت الاحتلال الإسرائيلي.
وأضاف أن إسرائيل لا تلتزم باتفاق وقف إطلاق النار في لبنان، معلنًا أنه سيجري محادثات وتبادلًا لوجهات النظر مع المسؤولين اللبنانيين. كما أشار إلى عزمه لقاء وزير خارجية لبنان، مؤكدًا رغبة بلاده في تعزيز العلاقات القائمة والمتميزة بين لبنان وإيران، والبحث في أوجه التعاون المشترك في مختلف المجالات.
قراءة في التوقيت والمضمون
تُظهر هذه التصريحات بوضوح أن «التعاون الاقتصادي» يُطرح ضمن سردية مواجهة إقليمية، لا ضمن رؤية إنقاذ اقتصادي محايدة. فالحديث عن الاحتلال ووقف إطلاق النار والتهديدات الإسرائيلية يعيد تثبيت لبنان كساحة متقدمة ضمن محور إقليمي، لا كدولة تبحث عن إعادة بناء اقتصادها عبر علاقات متوازنة ومتعددة الاتجاهات.
هل تصبح إيران «سُلّة انتداب» للبنان؟
مصطلح «الانتداب» هنا لا يُفهم بالمعنى الكلاسيكي، بل بمعناه الحديث:
انتداب بلا أعلام، بلا جيوش، وبلا إعلان رسمي.
انتداب يقوم على:
- تعطيل قيام الدولة
- إضعاف مؤسساتها
- ربط إنقاذها بمصدر نفوذ واحد
- تقديم هذا النفوذ بديلًا عن السيادة
وفي هذا الإطار، فإن أي تعاون اقتصادي مع دولة خاضعة لعقوبات دولية خانقة، وتعاني أزمة داخلية عميقة، لا يمكن أن يشكّل مخرجًا حقيقيًا للبنان، بل قد يتحوّل إلى قيد إضافي يعمّق عزلة البلد عن محيطه العربي والدولي.
المفارقة الكبرى
المفارقة الصارخة أن إيران، التي تُقدَّم اليوم كداعم اقتصادي محتمل للبنان:
- تعاني عملتها من انهيارات متتالية
- تشهد احتجاجات داخلية واسعة
- تخضع لعقوبات تحدّ من قدرتها على الاستثمار الخارجي
فكيف لدولة عاجزة عن إنقاذ اقتصادها، أن تتحول إلى رافعة لاقتصاد دولة أخرى؟
بالمختصر زيارة وزير الخارجية الإيراني إلى بيروت ليست مجرد بحث في التعاون الاقتصادي، بل سؤال مباشر عن وجهة لبنان:
- هل يكون بلدًا ذا سيادة، يتعامل مع الدول عبر مؤسساته الشرعية؟
- أم ساحة نفوذ تُدار بالاقتصاد بعد أن أُديرت بالسلاح؟
لبنان لا يحتاج إلى «سُلّة انتداب» جديدة، لا إيرانية ولا غير إيرانية،
بل إلى دولة كاملة:
قرارها واحد،
سلاحها واحد،
وعلاقاتها الخارجية قائمة على الندية لا الوصاية.
وأي تعاون لا يمر عبر هذه البوابة، ليس إنقاذًا،
بل إعادة تدوير للأزمة بثوب جديد.



