أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد
ليس منطقيًا، ولا أخلاقيًا، أن تُطالِب سلطةٌ شعبًا مكسورًا بالثقة بعد سجلٍّ طويل من المجازر والإنكار وإعادة إنتاج العنف. فالثقة ليست مرسومًا يُفرض، ولا خطابًا يُلقى، بل علاقة تُبنى على حماية الإنسان وكرامته. وحين تكون الذاكرة الجمعية مثقلة بالقتل والحصار والتهجير، يصبح طلب الثقة أشبه بطلب النسيان القسري.
ما جرى في السويداء والساحل السوري، وما يتكرّر اليوم مع دخول القوة العسكرية إلى أحياء الأشرفية والشيخ مقصود، ليس أحداثًا معزولة ولا “أخطاء فردية”، بل استمرارٌ لمنهج يرى في المجتمع ساحة إخضاع لا فضاء مواطنة. فالدولة، حين تتحوّل إلى طرفٍ مسلّح ضد سكانها، تفقد جوهرها، وتغدو سلطة سيطرة لا سلطة قانون.
مأساة سوريا اليوم لا تكمن فقط في استمرار العنف، بل في تبدّل القناع لا تغيّر الجوهر. نحن أمام إرهاب أعاد تقديم نفسه: لحية أقصر، وربطة عنق، وخطاب “تمدّن”، بينما تُطلِق أدواته على الأرض لقتل البشر بالمنهج ذاته. يُطلب منا أن نُصدّق هذا التحوّل، فيما الوقائع تقول إن الدم واحد، والخوف واحد، والعقل واحد.
السؤال الجوهري هنا: ما الفرق الحقيقي بين نظام اليوم ونظام الأمس؟
نظام بشار الأسد ارتبط في الذاكرة السورية بمجازر كبرى، من حماة إلى سجن تدمر، وبمنطق أمني يرى في المجتمع خصمًا دائمًا. واليوم، تتبدّل الأسماء والرموز، لكن أساليب الإرهاب نفسها تُعاد إنتاجها بطول البلاد وعرضها: اقتحام، قصف، قتل خارج القانون، وتبرير جاهز باسم الاستقرار أو العقيدة أو “المصلحة العليا”. الفارق أن إرهاب الأمس كان فظًّا ومعلنًا، بينما إرهاب اليوم يحاول أن يبدو “متحضّرًا”، من دون أن يتخلّى عن جوهره: إخضاع المجتمع وكسر إرادته.
الأخطر من العنف نفسه هو الغطاء الذي يُمنَح له. فعندما يُستدعى الدين لتبرير القتل أو لإضفاء قداسة على البطش، نكون أمام انحراف مزدوج: تشويه للسياسة وتشويه للدين معًا.
الجذور الفكرية: حين يتحوّل النص إلى أداة سلطة
تتجذّر فكرة الإرهاب في الإسلام السياسي لا بوصفها انحرافًا طارئًا، بل كنتاجٍ بنيوي لقراءة أيديولوجية مخصوصة للدين تُحوّله من منظومة قيم أخلاقية إلى مشروع سلطة مغلقة. تقوم هذه القراءة على احتكار الحقيقة، وتقديس الجماعة، وتجريم الخارج عنها. وحين يُختزل التأويل الديني في “إرادة الله” كما يحدّدها فصيل أو سلطة، يصبح الاختلاف خروجًا، والخروج تهديدًا، والتهديد مبرّرًا للعنف.
وقد استند هذا المنطق إلى نصوص قُرئت خارج سياقها التاريخي، أبرزها آيات القتال، مثل قوله تعالى:
﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ (الأنفال: 39)،
وقوله:
﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ … مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ (التوبة: 29).
هذه الآيات، المرتبطة بظروف صراع سياسي–عسكري محدّد، جرى تعميمها فقهيًا لتأسيس مبدأ القتال حتى الإخضاع، لا مجرّد ردّ العدوان.
وفي الحديث النبوي، استُخدمت نصوص صحيحة لتقنين الإكراه، أبرزها:
«أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله…» (رواه البخاري ومسلم)،
وكذلك:
«من بدّل دينه فاقتلوه» (رواه البخاري).
وقد شكّلت هذه النصوص أساسًا فقهيًا لنفي حرية الضمير، وربط الإيمان بالطاعة السياسية والعقدية.
في هذا السياق، لعب فكر ابن تيمية دورًا مركزيًا في شرعنة العنف ضد “الخصم الداخلي”. ففي مجموع الفتاوى (28/510) يقول:
«يجب قتال هؤلاء الخارجين عن شريعة الإسلام، وإن أظهروا الشهادتين»،
ويقول أيضًا:
«كل طائفة ممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة، فإنه يجب قتالها باتفاق المسلمين» (مجموع الفتاوى 7/284).
بهذا المنطق، لا يعود القتل فعلًا إجراميًا، بل واجبًا شرعيًا، ولا تعود الدولة إطار حماية، بل أداة فرض عقيدة. ومع انتقال هذا الفكر من الكتب إلى السلطة أو الميليشيا، يصبح الإرهاب سياسة عامة لا أداة استثنائية، ويغدو القتل وسيلة تنظيم اجتماعي لا فعل قمع عابر.
إن الادعاء بامتلاك “الحقيقة المطلقة” أو تمثيل “خير أمة” يسقط أخلاقيًا حين يقترن بالمدفع والدبابة. فالقيمة لا تُقاس بالشعارات، بل بالأفعال. وأي قناعة تُفرض بالقوة—بالأمس بالسيف واليوم بالمدفع—لم تغيّر منطقها، بل بدّلت أدواتها فقط.
أنا، مسعود محمد، أرفض هذا الإسلام المُسلّح الذي يُستخدم لإلغاء البشر وطمس الهويات، وأتمسّك بالتنوّع بوصفه جوهر سوريا ومعناها. فالهويات لا تُصان بالإكراه، والمجتمعات لا تُبنى على الطاعة العمياء.
الثقة تُبنى بالعدالة والمحاسبة والاعتراف الصريح بالضحايا، لا بتكرار المأساة في أحياء جديدة وبوجوه قديمة. وكل سلطة لا تفهم هذه البديهية ستبقى تطالب بالثقة… بينما تزرع أسباب انهيارها بيدها.



