أخباركم – اخبارنا
تقرير فلسطين الميداني/ ريما يوسف
في غزة، لم يعد المطر مجرّد طقس عابر؛ صار صوتٌ يوقظ الذاكرة، ويعيد للناس مشاهد الغرق والبرد والفقد. فكل قطرة تنزل على خيام النازحين تُعيد إليهم شعور العجز ذاته الذي عاشوه خلال حرب الإبادة قبل عامين، يوم خسروا بيوتهم واستقرّ بهم الحال في خيام تهتزّ مع أول هبّة ريح.
روزان عياد (38 عامًا) لا تنتظر نشرة الطقس كي تقلق؛ فالقلق يسبق المنخفض بأيام. تقول: “غرقت خيمتي العام الماضي في دير البلح، ووقفت وسط المياه لا أعرف كيف أحمي أطفالي”. وبعد عودتها إلى غزة ونصب خيمة بالقرب من منطقة الجوازات، بقي الخوف ملازمًا لها: “أشعر أن تجربة الغرق قد تتكرر في أي لحظة”.
أما عائشة شملخ (45 عامًا)، فترى أن الخيمة ليست مأوى، بل مصدر عجز يومي. تقول لـ”فلسطين” إنّ عدم القدرة على حماية أطفالها من المرض يثقل قلبها، ويجعلها تعيش حالة توتر دائم، تزيدها الأخبار والقصص عن خيام تتطاير وأطفال يفارقون الحياة بسبب البرد.
الأخصائية النفسية سهام أصليح تشرح أن هذا الخوف ليس عابرًا، بل “خوف مكتسب” نتج عن تجارب الحرب وما تلاها من نزوح وفقدان. وتشير إلى أن القلق يظهر بوضوح لدى الأطفال في شكل فزع ليلي وتبول لاإرادي، ولدى النساء في ضعف القدرة على إدارة الأزمات، بينما يعاني كبار السن شعورًا مضاعفًا بالعجز.
وترى أصليح أن التعافي يحتاج إلى بيئة آمنة ودعم نفسي واجتماعي متواصل، إضافة إلى خطط وقائية وملاجئ تحمي الناس من تكرار المأساة. ففي غزة، صار الخوف من المطر جزءًا من الحياة اليومية، وظلًا يرافق الذاكرة الجماعية التي لم تجد بعد فرصة للشفاء.
ميدانيا، نفّذ طيران الاحتلال الإسرائيلي، امس الخميس، سلسلة غارات على شمال قطاع غزة وجنوبه ووسطه، أسفرت عن استشهاد 14 شخصًا بينهم خمسة أطفال، وإصابة العشرات، في خرق واضح لاتفاق وقف إطلاق النار. الهجمات استهدفت خيامًا للنازحين ومدارس ومبانٍ مدنية، في وقت يشدد فيه الاحتلال على مزاعم استهداف قيادات من حركة حماس، فيما تشير الوقائع الميدانية إلى أن الغالبية العظمى من الضحايا هم من المدنيين.
وقالت مصادر محلية إن أربعة شهداء سقطوا في قصف خيمة نازحين في مواصي خان يونس جنوب القطاع، فيما أدى قصف آخر في منطقة العطار إلى استشهاد شخص وإصابة ثلاثة. كما استشهد شاب قرب دوار بني سهيلا شرق المدينة. وفي شمال القطاع، أدى قصف استهدف غرفة في مدرسة أبو حسين في مخيم جباليا إلى استشهاد مواطن وإصابة أربعة آخرين، بينما أصيب ثلاثة أشخاص بقصف مدرسة في مشروع بيت لاهيا، في استمرار لاستهداف المراكز التي يفترض أن تكون ملاذًا آمنًا للمدنيين.
وفي مخيم النصيرات وسط القطاع، أدى قصف منزل لعائلة المجدولاي إلى استشهاد اثنين، فيما استشهد شخص آخر في قصف خيمة قرب برج فيصل جنوب الزوايدة. كما أسفر القصف على مستودع ومنزل مجاور له في منطقة عسقولة بحي الزيتون جنوب شرق مدينة غزة عن استشهاد أربعة أشخاص، ليصل العدد الإجمالي للشهداء خلال ساعات قليلة إلى 14 شهيدًا.
وترافق التصعيد مع مزاعم عسكرية إسرائيلية تحدثت عن إطلاق صاروخ من خان يونس، قالت وسائل إعلام إسرائيلية إنه لم يتجاوز حدود القطاع، بل سقط داخله. كما أعلنت القناة 12 الإسرائيلية أن إحدى الغارات استهدفت نائب قائد كتيبة لحركة حماس، وزعمت أن الهجوم جاء ردًا على نشاطات “إرهابية” داخل الأنفاق أو بالقرب من مواقع مدنية، وفق روايتها.
حركة حماس وصفت التصعيد بأنه “إجرامي وخطير”، مؤكدة أنه يشكل خرقًا فاضحًا لاتفاق وقف إطلاق النار، ومحاولة من حكومة الاحتلال لخلط الأوراق والتنصل من التزامات الاتفاق، وتعطيل الانتقال إلى المرحلة الثانية منه. وطالبت الحركة الوسطاء والدول الضامنة للاتفاق بإدانة هذه الانتهاكات والضغط على الاحتلال لوقفها، والإيفاء بالتزاماته، خصوصًا ما يتعلق بإعادة فتح معبر رفح في الاتجاهين، وإدخال المساعدات ومستلزمات الإيواء.
بالتزامن مع الأحداث في غزة، اعتدت قوات الاحتلال والمستوطنون على صحفيين ونشطاء كانوا يشاركون في فعالية في قرية الشباب شمال غرب رام الله، في إطار سلسلة الانتهاكات المتصاعدة التي تستهدف القرية منذ سنوات، وتصاعدت بشكل غير مسبوق في العامين الأخيرين. قرية الشباب، التي تأسست عام 2010 كمساحة تطوعية تعليمية ومجتمعية تابعة لمنتدى شارك الشبابي، تقع على قمة جبل مطل في بلدة كفر نعمة، وظلت ناشطة حتى عام 2018، قبل أن يبدأ الاحتلال بإنشاء بؤرة استيطانية على جبل الريسان المقابل، ما أدى إلى مرحلة طويلة من التوتر والمضايقات.
مدير منتدى شارك بدر زماعرة أوضح أن ما كان يُنظر إليه كـ”جسم غريب ينهب الأرض” تحوّل بعد التاسع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 إلى سلسلة اعتداءات متواصلة شملت تكسيرًا وتحطيمًا وسرقة لمحتويات القرية، مع خسائر تجاوزت 150 ألف دولار. ورغم ذلك، واصل المنتدى العمل في القرية حتى أصبحت المخاطر على سلامة المشاركين أعلى من قدرة الطاقم على التحمل.
نائب رئيس مجلس إدارة المنتدى رتيبة النتشة أكدت أن الاعتداءات بدأت فعليًا مع إنشاء المستوطنة عام 2018، لكنها تضاعفت بصورة غير مسبوقة خلال العامين الماضيين، وصولًا إلى آب/أغسطس 2025 حين اعتقلت قوات الاحتلال خمسة من العاملين في المنتدى خلال زيارة ميدانية بمشاركة وزير الثقافة. بعد تلك الحادثة، قرر مجلس إدارة المنتدى عدم التخلي عن القرية، رغم تصاعد التهديدات، خصوصًا بعد منح الاحتلال المستوطنين الوادي الواقع أسفل القرية لاستخدامه كمناطق رعي، في خطوة تهدف عمليًا إلى السيطرة الكاملة على المنطقة.
وخلال جولة ميدانية نظمتها مؤسسة شارك لوسائل الإعلام المحلية والعربية والدولية في 8 كانون الثاني/يناير، اقتحمت قوات الاحتلال والمستوطنون المنطقة، واحتجزوا طواقم صحفية وطاقم المنتدى، وأطلقوا النار في الهواء لتفريق المشاركين. ثم أعلن الاحتلال المكان “منطقة عسكرية مغلقة” رغم أن الموقع مصنف ضمن المنطقة “ب” الخاضعة للإدارة المدنية الفلسطينية، من دون تقديم أي سند قانوني للإجراء. وأكد المنتدى أن استهداف المركز التعليمي يتناقض مع القانون الدولي الإنساني، وتحديدًا اتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر استهداف المرافق المدنية أو تحويلها لأهداف عسكرية، وتمنع فرض القيود على العاملين والزوار والصحفيين.
قرية الشباب تمتد على مساحة 35 دونمًا، وقد دُشنت رسميًا عام 2012، قبل أن تُحاصر تدريجيًا بالمستوطنات والبؤر الاستيطانية. ومنذ آب/أغسطس الماضي، لم يتمكن المنتدى من إقامة أي نشاط في الموقع بسبب اعتراضات المستوطنين والجيش، وحرصًا على سلامة الشباب والمدربين.



