أخباركم – أخبارنا
مرّت سنة على انتخاب الرئيس جوزاف عون، ولبنان ما زال يقف على خطّ التماس بين الانهيار والإنقاذ، بين دولة تحاول استعادة دورها، ووقائع داخلية وإقليمية تُقيّد القرار وتضغط على الهوامش. لم تكن سنة عادية، بل واحدة من أكثر السنوات تعقيدًا في تاريخ الرئاسة اللبنانية، وسط حرب مفتوحة مع إسرائيل، وانقسام داخلي حاد حول مفهوم الدولة وحدود سلطتها، واقتصاد منهك بمفاعيل الانهيار الطويل.
ومع ذلك، يمكن تسجيل انتقالٍ نسبي، وإن كان محدودًا، من مرحلة الفوضى الشاملة إلى حدٍّ أدنى من الاستقرار السياسي والمؤسساتي، ومن موقع الدولة المتلقّية للضغوط إلى محاولة واعية لاستعادة زمام المبادرة.
من خطاب القسم إلى إدارة الوقائع
منذ خطاب القسم، بدا واضحًا أن الرئيس عون اختار مقاربة واقعية، بعيدة عن الشعبوية، تقوم على التدرّج وإدارة الممكن. لم يَعِد بما يفوق قدرة الدولة، بل وضع عناوين سيادية وإصلاحية كمسار تراكمي: حصرية السلاح، إعادة وصل لبنان بمحيطه العربي والمجتمع الدولي، دعم الجيش والقضاء، إطلاق مسار تعيينات مختلف نسبيًا، وضبط المعابر الحيوية.
لم تُترجم هذه العناوين بقرارات صادمة، لكنها شكّلت للمرة الأولى منذ سنوات اتجاهًا واضحًا لبوصلة الحكم، في زمن لا يسمح بالمغامرة ولا يحتمل انفجارًا داخليًا جديدًا.
الانتخابات البلدية: رسالة دولة لا تفصيل إداري
جرت الانتخابات البلدية في موعدها، في بداية العهد، وكأنها تفصيل إداري عابر. لكنها في جوهرها حملت رسالة سياسية مزدوجة: إلى الداخل بأن الدولة لا تزال قادرة على احترام استحقاقاتها متى توفرت الإرادة، وإلى الخارج بأن لبنان، رغم أزماته، لم يسقط خارج إطار الانتظام الديمقراطي.
أهمية هذه المحطة لا تكمن في نتائجها، بل في رمزيتها، باعتبارها تمرينًا مبكرًا للاستحقاق النيابي المقبل، واختبارًا لقدرة الدولة على إدارة العملية الانتخابية في ظروف استثنائية.
السلاح: التدرّج بدل الصدام
شكّل ملف حصرية السلاح التحدي الأخطر في السنة الأولى من العهد. فالدولة، للمرة الأولى منذ سنوات، وضعت هذا الملف على طاولة مجلس الوزراء بقرار واضح، لا سيما في جلستي 5 و7 آب 2025، حين كُلّف الجيش اللبناني وضع خطة تنفيذية مرفقة بمهلة زمنية.
تمييز الدولة بين جنوب الليطاني وشماله عكس حدود القرار السياسي. ففي الجنوب، كان الحسم ضرورة لتفادي الضغوط الدولية والمخاطر الأمنية، وقد أُعلن عن إنجاز هذه المرحلة. أما شمال الليطاني، فبقي ساحة الاختبار الأصعب، حيث اختارت الرئاسة والحكومة مقاربة الاحتواء والتدرّج بدل الصدام، تفاديًا لانفجار داخلي.
إعلان الحكومة الشروع في إعداد خطة خاصة بشمال الليطاني، وربط الرئيس عون أي مهلة زمنية بدعم قدرات الجيش، يعكسان إدراكًا واضحًا أن السيادة لا تُفرض بالشعارات، بل بتوازن القوة والإمكانات.
في ملف وقف إطلاق النار مع إسرائيل، حاول العهد نقل الرئاسة من موقع المتلقّي إلى موقع المبادِر. ومع تعثّر المبادرات، جاءت خطوة تعيين مفاوض مدني، بالتنسيق بين الرؤساء الثلاثة، كخيار لإدارة الممكن لا لتكريس التنازل.
الاعتراض الذي واجهته الخطوة تجاهل حقيقة أن قرار الحرب والسلم كان قد صودر سابقًا. في هذا السياق، لم تكن الدبلوماسية المدنية ضعفًا، بل محاولة لإعادة السياسة إلى مؤسسات الدولة، في لحظة تفاوض فيها لبنان على ما تبقى من أوراقه.
الأمن والمخدرات: استعادة الهيبة الصامتة
سجّل العهد تقدمًا ملموسًا في ملف مكافحة المخدرات، من توقيف أسماء لطالما استعصت على الدولة، إلى تفكيك معامل تصنيع، وصولًا إلى تعاون أمني مع دول عربية، أعاد لبنان من موقع “الخاصرة الرخوة” إلى موقع الشريك الجدي.
هذا المسار لم يكن أمنيًا فحسب، بل سياسي بامتياز، لأنه كسر معادلة الغطاء، وأعاد التأكيد أن الدولة قادرة، متى قررت، على فرض القانون حتى في أكثر المناطق حساسية.
كسر العزلة وإعادة وصل ما انقطع عربيًا
“عهدي أن ننفتح على الشرق والغرب، وأن نقيم أفضل العلاقات مع الدول الصديقة والمجتمع الدولي، بما يحفظ سيادة لبنان وحرية قراره”.
في عامه الأول، نجح عهد الرئيس جوزاف عون في إخراج لبنان تدريجيًا من العزلة الغربية والخليجية التي فُرضت عليه في السنوات السابقة. ولم يكن ذلك عبر خطاب تصالحي فارغ، بل من خلال إعادة تقديم الدولة اللبنانية كعنوان واحد للقرار، قادر على الالتزام والتواصل وتحمل المسؤولية.
على المستوى الغربي، عاد لبنان إلى دائرة الاهتمام الدولي، بعد سنوات من التعامل معه كملف ميؤوس منه، في مقاربة تقوم على دعم الجيش والمؤسسات وربط أي مساعدة بإصلاحات قابلة للتنفيذ. أما عربيًا، فشكّلت الزيارة الأولى إلى المملكة العربية السعودية بعد سنوات من القطيعة محطة سياسية مفصلية، أعادت وصل ما انقطع مع الخليج، وأكدت إعادة تموضع لبنان في عمقه العربي.
لكن هذا الانفتاح، على أهميته، يبقى منقوصًا ما لم يُترجم إلى نتائج اقتصادية ومالية ملموسة. فالثقة الدولية لا تُقاس بعدد الزيارات، بل بقدرة الدولة على خوض أصعب اختبارين في مرحلة ما بعد الانهيار: حماية أموال المودعين، وإطلاق مسار إعمار جدي ومستدام.
اختبار الودائع الامتحان الحقيقي
“عهدي أن لا أتهاون في حماية أموال المودعين”.
تحوّل ملف الودائع والإعمار إلى الامتحان الفعلي لجدوى كسر العزلة. فالدول التي أعادت فتح قنواتها مع لبنان ربطت أي دعم حقيقي بإصلاحات مالية وقضائية واضحة، وبإعادة الاعتبار لمنطق المحاسبة والشفافية.
في هذا السياق، سجّل العهد خطوات قضائية وإدارية مفصلية: تعيينات حساسة، تحريك ملفات قضائية كبرى، إنشاء الهيئات الناظمة، وتثبيت دور حاكم مصرف لبنان الجديد، في محاولة لإعادة الثقة الداخلية والخارجية، وإخراج لبنان من اللائحة الرمادية، واستعادة جزء من الأموال المحوّلة.
صورة الدولة: من زيارة البابا إلى إصلاح النافعة
شكّلت زيارة البابا لاوون الرابع عشر إلى لبنان محطة رمزية أعادت البلاد إلى الضوء الدولي، وقدّمت صورة دولة قادرة على تنظيم حدث عالمي بكفاءة.
القضاء والإدارة:
أبصر قانون استقلالية القضاء النور، وأعيد تحريك ملف انفجار مرفأ بيروت، فيما شكّلت التعيينات الإدارية والهيئات الناظمة اختراقًا طال انتظاره، رغم مقاومة الدولة العميقة وحدود الإصلاح الممكن في عام واحد.
لم ينجز عهد جوزاف عون في عامه الأول المعجزات، لكنه ثبّت اتجاهًا. لم يحسم كل المعارك، لكنه أعاد تعريف دور الرئاسة: إدارة الدولة لا إدارة الشعارات، حماية المؤسسات قبل الاستعراض، والتدرّج بدل المغامرة.
يبقى السؤال مفتوحًا: هل يكون العام الثاني عام القرارات الثقيلة؟
الجواب رهن بتوازن الداخل، وضغط الخارج، وقدرة الدولة على ترجمة النيات إلى أفعال.
لكن ما يمكن قوله بعد سنة: لبنان عاد يمتلك حدًّا أدنى من الدولة… وهذا، بحد ذاته، لم يكن تفصيلًا.



