الثلاثاء, يناير 13, 2026
9.7 C
Beirut

قراءة في استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة .. حين تتبنى استراتيجية الدولة هوية مافيوية

نشرت في

أخباركم – أخبارنا / د. كاوه محمود

القسم الأول

أولاً: المقدمة

تمثل استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة، التي نُشرت بوصفها وثيقة رسمية في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، وكتب مقدمتها دونالد ترامب، خطابًا سياسيًا واضحًا يعكس رؤية إدارة ترامب لموقع الولايات المتحدة في العالم، ولموقع العالم في الحسابات الأمريكية.
وبعبارة أدق، تجيب هذه الوثيقة عن سؤال مركزي: كيف تتعامل الولايات المتحدة مع عالم اليوم لضمان استمرار سلطتها وهيمنتها على الصعيد العالمي؟

هذا السؤال، الذي يشكّل جوهر الاستراتيجية، يُطرح منذ الصفحات الأولى بطريقة تكشف أن الوثيقة لا تستند إلى أيديولوجيا سياسية تقليدية بقدر ما ترتكز على منطق براغماتي صرف، يختزل السياسة الخارجية الأمريكية في خدمة المصالح القومية، تحت شعار واحد جامع: «أمريكا أولاً».

ورغم أن الوثيقة صدرت رسميًا في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، فإن دونالد ترامب يستعرض في مقدمتها مجمل سياساته منذ توليه السلطة، ولا سيما تلك المتعلقة بـ:
• محاربة ما يسميه «الأيديولوجيا الجندرية الراديكالية» داخل القوات المسلحة،
• تعزيز القدرات العسكرية ورفع الإنفاق الدفاعي إلى أكثر من تريليون دولار،
• فرض زيادة مساهمة دول حلف الناتو في الإنفاق العسكري من 2% إلى 5% من موازناتها،
• توسيع إنتاج الطاقة،
• فرض رسوم جمركية إضافية على الواردات،
• العمل على إعادة توطين الاستثمارات الصناعية داخل الولايات المتحدة.

وفي السياق ذاته، يشير ترامب إلى ما يصفه بـ«نجاحاته» في إنهاء ثماني حروب، بزعم أنه لعب دور الوسيط فيها، مثل صربيا–كوسوفو، والكونغو، ورواندا، والهند–باكستان. غير أن هذه الادعاءات تتجاهل حقيقة أن الأسباب الجذرية والبُنى العميقة لتلك النزاعات لم تُحلّ، وإنما جرى تجميدها أو إدارتها مؤقتًا.

ثانياً: المبادئ الأساسية لاستراتيجية الأمن القومي

انطلاقًا مما سبق، تقوم المبادئ الأساسية للسياسة الخارجية والدفاعية والاستخباراتية في هذه الاستراتيجية على عدد من المرتكزات، تُستخدم عمليًا لتبرير الهيمنة الأمريكية الأحادية وشرعنتها:

  1. إعادة تعريف المصلحة الوطنية الأمريكية

تسعى الوثيقة إلى إنهاء ما تعتبره «تشوشًا» في مفهوم المصلحة الوطنية، عبر تضييق نطاقه وتركيزه على أولويات محددة، بعد أن كان يشمل قضايا متعددة دون مركز ثقل واضح.

وفي هذا الإطار، تُعيد الاستراتيجية ترتيب مناطق العالم إلى:
• مناطق ذات أولوية قصوى،
• مناطق مغلقة أو هامشية،
• مناطق من الدرجة الثانية.

ورغم هذا التصنيف، يبقى القاسم المشترك في التعامل معها هو حماية المصالح الحيوية الأمريكية، لكن باستخدام أدوات وآليات مختلفة.

  1. تحقيق السلام عبر القوة

تؤكد الوثيقة مبدأ «السلام من خلال القوة»، أي اللجوء إلى التدخل العسكري عند الضرورة.
غير أن تعريف «الضرورة» هنا يبقى حكرًا على الرؤية الأمريكية نفسها، أي عندما ترى واشنطن أن مصالحها أو موقعها الهيمني باتا مهددين، ما يكرّس دورها كـ«شرطي عالمي».

  1. الواقعية المرنة

تتبنى الاستراتيجية ما تسميه «الواقعية المرنة»، أي إقامة علاقات تجارية وسياسية سلمية مع دول العالم بعيدًا عن هاجس فرض الديمقراطية أو إحداث تغييرات اجتماعية قسرية، بحجة اختلاف التقاليد والسياقات التاريخية.

ويُقدَّم هذا المبدأ بوصفه غير منافق، لكنه في الواقع يشكّل تبريرًا مباشرًا:
• للانسحاب من أفغانستان وعودة طالبان إلى الحكم،
• وللاعتراف بالجولاني رئيسًا لسوريا، رغم إدراجه سابقًا على قوائم الإرهاب.

  1. مركزية الدولة القومية

تنطلق الاستراتيجية من افتراض أن كل دولة تضع مصالحها القومية أولًا. وبناءً عليه، لا ترى الولايات المتحدة أي حرج في حماية مصالحها دون الخضوع لرقابة أو قيود من المنظمات الدولية.

وقد تجلى هذا المبدأ سابقًا في انسحاب واشنطن من:
• اتفاق باريس للمناخ،
• مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة،
• منظمة اليونسكو.

  1. توازن القوى وفق المنظور الأمريكي

تتبنى الوثيقة مفهوم توازن القوى بوصفه أداة لضمان العدالة من منظور حماية السيادة والهيمنة الأمريكية، بحيث يكون هذا التوازن – وخصوصًا في المجال التجاري – في خدمة المصالح الأمريكية بالدرجة الأولى.

ثالثاً: التوجهات الرئيسة لتنفيذ الاستراتيجية

  1. التنصل من أعباء النظام العالمي

تؤكد الوثيقة عدم استعداد الولايات المتحدة لتحمّل أعباء الإشكالات البنيوية للنظام العالمي، مع التشديد على إنهاء عصر الهجرة الجماعية، ورفض تحمّل مسؤولياتها تحت ذرائع إنسانية.

  1. إعادة التموضع عبر الاتفاقيات

تعتمد الاستراتيجية سياسة إعادة التموضع وترسيخ الاستقرار من خلال اتفاقيات سلمية، حتى مع دول تقع على هامش المصالح الأمريكية المباشرة، طالما أن ذلك يخدم أمن المصالح الأمريكية على المدى الطويل.

وفي هذا السياق، تندرج اتفاقيات أبراهام وتطبيع العلاقات بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، ولا سيما دول الخليج.

  1. حماية الأمن الاقتصادي الأمريكي

تركّز الاستراتيجية على:
• تقليص العجز التجاري،
• تأمين الوصول إلى المواد الخام،
• ضمان استقرار السوق الداخلية،
• السيطرة على مفاصل الذكاء الاصطناعي بوصفه مجال التفوق الاستراتيجي القادم.

  1. إعادة توطين الصناعة

تتبنى الوثيقة سياسة حمائية واضحة، تقوم على إعادة توطين الصناعة داخل الولايات المتحدة، ومواجهة اتفاقيات التجارة العالمية عبر فرض رسوم جمركية مرتفعة.

  1. إحياء القاعدة الصناعية العسكرية

تُعدّ إعادة بناء وتطوير القاعدة الصناعية العسكرية حجر الزاوية في رؤية ترامب لـ«فرض السلام»، عبر امتلاك القدرة الدائمة على استخدام القوة.

  1. السيطرة على الطاقة والموارد

تسعى الاستراتيجية إلى استعادة الهيمنة الأمريكية على مصادر الطاقة والموارد، وهو ما يستدعي – بحسب الوثيقة – رفض الالتزام بقيود التغير المناخي والحد من الانبعاثات.

  1. حماية رأس المال المالي الأمريكي

تؤكد الوثيقة أولوية حماية هيمنة رأس المال المالي الأمريكي وتطويره، بما يعكس من جهة الدور المتصاعد للرأسمالية المالية في عصر العولمة، لكنه من جهة أخرى يكشف تناقضًا بنيويًا مع السياسات الحمائية والرسوم الجمركية

يتبع…

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

إيران على حافة التحوّل: حراك بلا قائد ومأزق نظام

أخباركم - أخبارنا مقابلة مع د. آسو حسن زاده أجراها مسعود محمد يشهد الشارع...

الأمم المتحدة: نزوح 119 ألف شخص من حلب مع تجدد الاشتباكات

أخباركم - أخبارنا قال الناطق باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك، اليومء، إن نحو 119...

حاصباني: أولوية الحكومة لـ “يوروبوند” لا للمودعين

أحباركم - أخبارنا كتب النائب غسان حاصباني على منصة "إكس": "الحكومة تُبدّي حملة اليوروبوند على...

حركة الشباب الكرد في إيران: احتجاجٌ حيّ وذاكرة لا تنطفئ

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد يلعب الشباب الكرد في إيران اليوم دورًا محوريًا في...

More like this

علي حمادة لموقعنا: ما قاله الرئيس عون عن السلاح أبلغه  لحزب الله أكثر من مرة.. لكن الحزب كان يستغل صمته

أخباركم - أخبارنا اعتبر الكاتب والمحلل السياسي علي حمادة، انه بمناسبة مرور سنة على انتخاب...

لا الحرس الثوري ولا عودة الشاه… لماذا يرفض الإيرانيون البدائل المفروضة؟

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد ليست إيران اليوم ساحة صراع بين نظامٍ ومعارضة تقليدية،...

حكومة نواف سلام: عام على “العبور نحو الدولة” بين التحديات السياسية والانسجام التنفيذي

أخباركم - أخبارنا / عايدة الأحمدية مع اقتراب مرور عام على تشكيل حكومة الرئيس نواف...