أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد
لم تكن الانتفاضات المتكررة في إيران، منذ قيام الجمهورية الإسلامية، مجرّد انفجارات غضب عابرة ناجمة عن أزمات اقتصادية أو قرارات حكومية خاطئة، بل شكّلت في جوهرها تعبيرًا تراكميًا عن أزمة بنيوية عميقة في علاقة السلطة بالمجتمع. وفي قلب هذه العلاقة المأزومة، يبرز الشارع الكردي بوصفه أحد أكثر الفاعلين حضورًا واستمرارية في مسار الاحتجاج والمواجهة.
من الهامش إلى مركز الصدام
يُخطئ من يقرأ الدور الكردي في الانتفاضات الإيرانية باعتباره دورًا هامشيًا أو ظرفيًا. فالأكراد لم يكونوا يومًا على هامش الصراع السياسي في إيران، بل كانوا في صلبه منذ اللحظة الأولى لولادة النظام الحالي. شاركوا في إسقاط نظام الشاه عام 1979، لكنهم سرعان ما وجدوا أنفسهم في مواجهة سلطة جديدة أعادت إنتاج المركزية القمعية باسم الدين، ورفضت الاعتراف بأي شكل من أشكال الحقوق القومية أو الحكم الذاتي.
هذا الرفض لم يكن تفصيلاً سياسيًا، بل لحظة تأسيسية لصدام طويل، حوّل كردستان الإيرانية إلى فضاء مفتوح للمواجهة المسلحة، ثم لاحقًا إلى ساحة دائمة للاحتجاج المدني والسياسي.
الاحتجاج الكردي: ذاكرة القمع وخبرة التنظيم
ما يميّز الاحتجاجات في المناطق الكردية ليس فقط كثافتها، بل طبيعتها. فالاحتجاج الكردي محمّل بذاكرة طويلة من القمع والإقصاء، وهو ما يمنحه بعدًا سياسيًا يتجاوز المطالب المعيشية المباشرة. في المدن الكردية، لا يُنظر إلى البطالة أو الفقر أو القمع الأمني كأزمات منفصلة، بل كجزء من منظومة واحدة تقوم على إنكار الحقوق واحتكار السلطة.
لهذا السبب، غالبًا ما يتحول الاحتجاج الكردي بسرعة إلى فعل منظّم: إضرابات عامة، إغلاق أسواق، عصيان مدني، وشبكات تضامن اجتماعي قادرة على الاستمرار رغم القمع. هذه الخبرة التنظيمية، المتراكمة عبر عقود، تجعل من الشارع الكردي عنصرًا مُقلقًا للنظام أكثر من أي حراك عفوي آخر.
من مهسا أميني إلى الانتفاضات الراهنة
كانت انتفاضة 2022، التي اندلعت عقب مقتل مهسا (جينا) أميني، لحظة مفصلية في تاريخ الاحتجاج الإيراني. لم تكن رمزية الحدث نابعة فقط من وحشيته، بل من كون الضحية امرأة كردية، تحوّلت إلى رمز جامع للاحتجاج على الاستبداد والقمع. عندها، خرج الشارع الكردي من موقع المتلقي للتضامن إلى موقع المبادرة، ودفع بالحراك إلى مستوى غير مسبوق من الجرأة والشمول.
وفي الانتفاضات الحالية، يتكرر المشهد ولكن ضمن سياق أكثر نضجًا وخطورة. فالمناطق الكردية لا تشارك فقط في الاحتجاج، بل تسعى إلى توسيعه، وربطه ببقية الجغرافيا الإيرانية، وتقديم نموذج للاحتجاج المستدام القابل للاستمرار والتصعيد.
أزمة القيادة الكردية: بين اللقاءات التشاورية وغياب وحدة الصف
غير أن هذا الدور المتقدم للشارع الكردي يصطدم بعقبة داخلية لا تقل خطورة عن قمع السلطة، تتمثل في أزمة القيادة داخل الأحزاب الكردستانية الإيرانية.
فرغم المبادرات الأخيرة لتأسيس لقاءات تشاورية بين هذه الأحزاب، إلا أن الواقع العملي يكشف عن ضعف حقيقي في وحدة الصف، وغياب رؤية مشتركة قادرة على مواكبة زخم الشارع.
تعاني هذه الأحزاب من تناقضات عميقة، لا تتعلق فقط بالبرامج السياسية، بل بثقافة العمل السياسي نفسها. فالصراعات الشخصية، والنزعة إلى احتكار القرار، والطموح الفردي إلى الزعامة، ما زالت تطغى على منطق العمل الجماعي، في لحظة تاريخية تتطلب عكس ذلك تمامًا.
إن الإصرار على إنتاج «قائد أوحد» في زمن الانتفاضات الشعبية لم يعد تعبيرًا عن قوة، بل عن عجز عن قراءة التحولات الجارية. فالشارع الكردي اليوم لا ينتظر زعيمًا يُخاطبه من فوق، بل يحتاج إلى قيادة جماعية، مرنة، شفافة، وقادرة على الإصغاء، وتوحيد الجهود ضمن جبهة متراصة تقود الحراك وتمنحه أفقًا سياسيًا واضحًا.
لماذا يخشى النظام الدور الكردي؟
يدرك النظام الإيراني أن اتساع الدور الكردي في أي انتفاضة يشكل تهديدًا مركّبًا. فهو تهديد سياسي، لأنه يكشف هشاشة الخطاب الرسمي حول «الوحدة الوطنية». وهو تهديد أمني، لأن المناطق الكردية تمتلك تاريخًا طويلًا من الصمود في وجه العسكرة. وهو تهديد رمزي، لأن نجاح أي نموذج احتجاجي كردي قابل للتعميم قد يشجع بقية المكونات المهمشة على السير في الاتجاه نفسه.
ولهذا، غالبًا ما يكون القمع في كردستان أكثر عنفًا، وأسرع، وأقل اكتراثًا بالمعايير القانونية. لكن المفارقة أن هذا القمع، بدل أن يُخضع الشارع الكردي، يعمّق قناعته بأن الصراع لم يعد صراع حقوق جزئية، بل مواجهة مع بنية سلطة مغلقة على الإصلاح.
من الاحتجاج إلى الأفق السياسي
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كان الشارع الكردي سيواصل الاحتجاج، بل ما إذا كانت قواه السياسية قادرة على الارتقاء إلى مستوى هذا الشارع. فالتجربة التاريخية تؤكد أن الغضب الشعبي، مهما بلغ، لا يتحول إلى تغيير فعلي ما لم يُواكَب بقيادة موحّدة، تمتلك الجرأة على تجاوز الحسابات الضيقة، وتقديم المصلحة العامة على الطموحات الشخصية.
إن بناء جبهة كردستانية متماسكة، تقوم على القيادة الجماعية، والعمل المشترك، واحترام التعدد، لم يعد خيارًا سياسيًا، بل ضرورة تاريخية، ليس فقط لمستقبل الكرد في إيران، بل لمستقبل أي مشروع تغيير ديمقراطي في البلاد.
خاتمة
لم يكن الأكراد في إيران يومًا مجرّد أطراف في معادلة الحكم، ولن يكونوا مجرّد متفرجين في الانتفاضات القادمة. لكن قوة الشارع وحدها لا تكفي. فإما أن تلتقي إرادة الشارع مع مسؤولية القيادة، أو يستمر النزف بين طموح شعبي مشروع وقيادات لم تحسم أمرها بعد.
وفي هذه اللحظة المفصلية، يبدو أن التاريخ يمنح الجميع فرصة أخيرة: إما الارتقاء إلى مستوى اللحظة، أو البقاء أسرى الانقسام والذات.



