أخباركم – أخبارنا
تشهد مدينة حلب واحدة من أخطر جولات التصعيد العسكري، مع تحوّل حيي الشيخ مقصود والأشرفية إلى بؤرة اشتباكات عنيفة بين القوات الحكومية السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وسط تضارب غير مسبوق في الروايات حول السيطرة الميدانية، وتزايد التحذيرات من كارثة إنسانية تهدد عشرات آلاف المدنيين، بالتزامن مع تحركات سياسية وضغوط دولية لتنفيذ اتفاقات سابقة وفرض وقف للنار.
الرواية الرسمية السورية – إعلان السيطرة والتمشيط الكامل
أعلن الجيش السوري، السبت، انتهاء عملياته العسكرية في حي الشيخ مقصود بشكل كامل، مؤكداً أنه قام بتمشيط الحي وتفكيك عشرات الألغام والعبوات الناسفة التي قال إن عناصر من “قسد” زرعوها في الشوارع والأحياء السكنية.
وأفاد مراسل “العربية” و“الحدث” بدخول قوات الأمن الداخلي إلى الحي، وبثّت القناتان مشاهد ميدانية من داخله عقب إعلان الجيش انتهاء عمليات التمشيط.
ونقلت وكالة الأنباء السورية “سانا” عن مصدر حكومي أن قوات الأمن بدأت دخول الحي لاستكمال عمليات التأمين، فيما قال مصدر عسكري إن “قسد تركت آليات مفخخة في شوارع الشيخ مقصود قبل انسحابها”.
وأكد الجيش السوري أن عناصر من “قسد” وحزب العمال الكردستاني “يختبئون بين المدنيين”، داعياً الأهالي إلى البقاء في منازلهم والتواصل مع القوات المنتشرة لضمان سلامتهم.
كما شدد الجيش على أن الخيار الوحيد المتبقي أمام المسلحين هو تسليم أنفسهم وسلاحهم فوراً مقابل ضمان حياتهم وسلامتهم الشخصية.
موقف “قسد” – نفي السيطرة وتشكيك بالحسم العسكري
في المقابل، نقلت وكالة “رويترز” عن مصادر في “قسد” نفيها سيطرة الجيش السوري على حي الشيخ مقصود، مؤكدة أن الاشتباكات لم تُحسم بالكامل، وأن الإعلان عن السيطرة “سابق لأوانه”.
كما أفادت “رويترز” نقلاً عن ثلاثة مصادر أمنية سورية بأن عدداً من المقاتلين الأكراد، بينهم قادة ميدانيون وأفراد من عائلاتهم، نُقلوا سراً من حلب إلى شمال شرق سوريا خلال الليل، بينما قرر نحو 300 مقاتل البقاء داخل الحي ومواصلة القتال.
المرصد السوري: اشتباكات وقصف وفشل في فرض السيطرة
قدّم المرصد السوري لحقوق الإنسان رواية مغايرة، مؤكداً أن حي الشيخ مقصود يعيش ساعات شديدة الخطورة، مع استمرار الاشتباكات العنيفة والقصف العشوائي الذي يطال المناطق السكنية.
وبحسب مصادر المرصد، نفذت قوات الأمن الداخلي (الآسايش) عمليات وُصفت بـ“الفدائية”، بالتزامن مع محاولات تسلل لمجموعات تابعة للقوات الحكومية إلى أبنية سكنية داخل الحي، وسط سماع دوي انفجارات متتالية وسقوط قتلى وجرحى من الطرفين.
وأشار المرصد إلى أن الإعلام الموالي للحكومة الانتقالية يسارع إلى إعلان السيطرة في إطار ما وصفه بـ“حملة تضليل ممنهجة” تهدف إلى فرض أمر واقع إعلامي قبل أي حسم ميداني فعلي، بالتزامن مع زيارة المبعوث الأميركي توم برّاك.
الوضع الإنساني: تحذيرات من كارثة ونداءات بلا استجابة
إنسانياً، تبدو الصورة أكثر قتامة. فقد أعلن الدفاع المدني السوري نزوح نحو 159 ألف شخص من أحياء حلب، مع تجهيز 15 مركز إيواء لاستقبال النازحين.
وقال مدير الدفاع المدني إن وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث شكّلتا غرفة عمليات مشتركة مع منظمات إنسانية لتأمين الاحتياجات الأساسية، متهماً “قسد” باستهداف فرق الدفاع المدني خلال الأيام الماضية.
في المقابل، تحدث المرصد السوري عن نزوح جماعي وحالة هلع غير مسبوقة بين الأهالي، محذراً من محاولات اقتحام مشفى الشهيد خالد فجر، آخر منشأة طبية عاملة في المنطقة.
كما كشف المرصد أن قافلة طبية تضم 15 سيارة إسعاف ومساعدات إنسانية من الهلال الأحمر الكردي طلبت فتح ممر آمن لإجلاء الجرحى وفق المعايير الدولية، إلا أن طلبها لم يُستجب، ما اضطرها للعودة من منطقة الطبقة دون إتمام مهمتها، وسط أوضاع وُصفت بـ“الإنسانية الكارثية”.
وبحسب إحصاءات المرصد، بلغ عدد القتلى منذ بدء التصعيد 62 شخصاً.
مواقف محلية: حظر تجوال وتأجيل العودة
أعلن محافظ حلب استمرار حظر التجوال في الشيخ مقصود والأشرفية حتى إشعار آخر، مؤكداً العمل على تثبيت الأمن وإعادة الحياة تدريجياً، ومطالباً النازحين بعدم العودة في الوقت الراهن إلى الحيين إلى حين استكمال الإجراءات الأمنية.
الحراك السياسي والدولي: ضغط أميركي واتصالات إقليمية
شدد المبعوث الأميركي توم برّاك خلال لقائه وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي في عمّان، على ضرورة التنفيذ الفوري لاتفاق 10 مارس بين دمشق و“قسد”.
وقال برّاك: “ندعم ترسيخ وقف النار، وانسحاب قوات قسد من حلب سلمياً، كما ندعم جهود الحكومة السورية لضمان أمن سوريا ووحدتها”.
وفي السياق ذاته، بحث وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع نظيره التركي هاكان فيدان آخر تطورات حلب، مؤكداً على سيادة سوريا ووحدة أراضيها، وتعزيز التعاون الثنائي لمواجهة التهديدات المشتركة.
بين إعلان حكومي عن الحسم والسيطرة، ونفي من “قسد”، وتحذيرات حقوقية من كارثة إنسانية وشيكة، تبقى حلب، ولا سيما الشيخ مقصود والأشرفية، عالقة في منطقة رمادية بين السياسة والسلاح والإعلام. ومع غياب ممرات آمنة وتصاعد الخسائر البشرية، تبدو الحاجة ملحّة لوقف فوري للنار، وإجراءات إنسانية عاجلة، قبل أن يتحول الخلاف العسكري إلى مأساة واسعة النطاق يدفع ثمنها المدنيون وحدهم.



