كتب حنّا صالح
في صبيحة اليوم 2277 على بدء ثورة الكرامة
لا يمكن فصل التعديات الإسرائيلية الواسعة التي شهدها لبنان يوم أمس عن الأداء الرمادي لمجلس الوزراء في جلسته الأخيرة يوم الخميس. ورغم اتساع المخاوف حيال ما تحمله الأيام المقبلة، ولا سيما في ظل انكشاف النوايا الإجرامية الإسرائيلية على نحو فاضح، فإن المشهد الإيراني يفرض نفسه بقوة على اهتمام اللبنانيين والعالم، لما ستحمله تداعياته من آثار مدوّية على لبنان والمنطقة.
البداية من إيران، حيث أقدم شعب موجوع وغاضب على حرق مبنى التلفزيون الرسمي، وتدمير تماثيل لقاسم سليماني، ومهاجمة ضريح الخميني، في وقت تتسارع فيه خطوات قادة النظام الملالي لترحيل عائلاتهم إلى خارج البلاد، في مؤشر واضح على حجم الهلع داخل بنية السلطة.
قبل ثلاث سنوات، كشف حاكم المصرف المركزي الإيراني أن عدد الفقراء في إيران ازداد بنحو عشرة ملايين مواطن خلال الفترة الممتدة بين عامي 2016 و2023. وقبل أيام، كسر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان الخطاب التقليدي القائم على تحميل الولايات المتحدة والآخرين مسؤولية الكوارث المعيشية، حين قال بوضوح:
«لا مجال لتغطية الأزمة الاقتصادية والمالية والاجتماعية بخطاب الاقتدار العسكري، ولا اقتصاد يصمد حين يُدار بأيديولوجيا جامدة وفساد متحرك».
اللافت في التحرك الشعبي الإيراني هذه المرة أنه انطلق من أحد أبرز مواقع القوة التاريخية للنظام، أي «البازار»، مع بدء إضراب التجار الذين تآكلت أموالهم ومواردهم بفعل الانهيارات المتلاحقة في سعر الصرف، في ظل ارتفاع جنوني للدولار، لينضم البازار بذلك إلى الناس الموجوعة.
في إيران اليوم، كثير من السلاح والصواريخ، وكثير من الإنفاق على البرامج النووية والباليستية، وما تبقى من الأذرع الإقليمية، لكن في المقابل هناك قليل من الخبز على موائد الأسر بعد تدمير قدرات الطبقة المتوسطة.
القمع الوحشي لم يُخرج الناس من الشارع، بل فاقم الغضب، وعاد الشعار بقوة:
«انسوا غزة ولبنان… وفكّروا بإيران».
من حق المواطن الإيراني العادي، المغلوب على أمره، أن يرى أن الأموال التي أُنفقت على ميليشيات فيلق القدس أفادت آخرين في لبنان وغيره، وإن كان يغيب عنه أن هذا الإنفاق نفسه ساهم في تدمير لبنان وسوريا وفلسطين. المواطن الإيراني معذور، لكنه خرج اليوم من مناخ التضليل والأوهام الإمبراطورية لملالي طهران، وأصبحت أولوياته في تصادم مباشر مع أولويات الزمرة المتسلطة.
فلا حياة لنظام الجمهورية الإسلامية من دون مشروعه الإقليمي القائم على ولاية الفقيه، والذي شكّلت الميليشيات المسلحة في لبنان (حزب الله) وسوريا والعراق وصنعاء وغزة ركائزه الأساسية. ومن الكِبر والغطرسة في مواقف قادة النظام الإيراني، إلى الزيارة الاستفزازية لوزير الخارجية عباس عراقجي إلى لبنان، لا يبدو أن طهران مستعدة للتخلي عن أوهام مشروعها الإقليمي، ما ينذر بمزيد من القمع ومزيد من الغضب، وربما بانضمام قوميات أخرى إلى هذا الحراك الذي تقوده حتى الآن القومية الفارسية بوصفها الكتلة الأكبر.
وماذا عن لبنان؟
بعد نحو 14 شهرًا على اتفاق وقف النار، ما زالت الترهات تتكرر حول التزام حزب الله بالاتفاق، فيما تنص الفقرة الأساسية فيه على حصر السلاح بيد الدولة على كامل الأراضي اللبنانية. هذا الأمر لم يعد خيارًا بين خيارات أخرى، بل شرطًا وجوديًا لبقاء البلد.
هل بوسع بعض وجوه حزب الله قراءة أبعاد الحدث الإيراني؟ أم أن معظمهم ما زال يكتفي بعلك المواقف الخشبية وبيع الأوهام لجمهور مسحور؟
وهل يستطيع «الثنائي المذهبي» تقديم مصلحة البلد على ما عداها؟
الأسئلة كثيرة، وهي تطال أيضًا الجهات الرسمية المدعوة إلى المبادرة واتخاذ خطوات عملية تسحب الذرائع التي يستخدمها العدو الإسرائيلي لتوسيع حرب استنزافه للبنان، مستفيدًا من التخادم الذي لم يتوقف يومًا بين حزب الله وتل أبيب.
الاعتداءات الإسرائيلية الواسعة التي طالت مناطق في إقليم التفاح شمال الليطاني وامتدت إلى البقاع، يجب أن تقرع جرس إنذار حقيقي للسلطة لوضع حدّ للأداء الرمادي. هناك أولوية لخطوات تحمي البلد والناس وتمنع هذه الاستباحة، وفي مقدمتها الرسالة التي يجب أن يوجّهها لبنان إلى أشقائه وأصدقائه، ومفادها أن ما يُنفّذ فعليًا يمنع وجود جيش آخر على أراضيه.
وإذا كان حصر السلاح التزامًا كما أعلن رئيس الحكومة، فهذا يعني الانتقال فورًا من خطاب «الاحتواء» و«المنع» إلى تطبيق فعلي وحاسم لحصرية السلاح، بما في ذلك نزعه كاملًا، لأن كل تأخير سيرتب خسائر إضافية ويؤخر قيام الدولة الجدي.
ملف المال المنهوب… الجرح المفتوح
بالتوازي، اتسعت أصداء المؤتمر الصحفي لحاكم مصرف لبنان كريم سعيد. وبقدر ما نال التنويه إعلان الادعاء على الحاكم السابق رياض سلامة، الملاحق دوليًا، وكذلك على سمير حنا، رئيس ومدير عام بنك عودة، بارتكابات وفساد كبيرين، فإن هذا التطور شكّل صفعة لمحاولات المنظومة الفاسدة إعادة تدوير نفسها سياسيًا.
غير أن ما يثير القلق الجدي هو محاولة تحميل الدولة وزر نهج المقامرة وتبييض الأموال وتبديدها واللصوصية التي أدارتها منظومة سياسية–بنكرجية–ميليشياوية دمّرت البلد، وهو ملف سيبقى مفتوحًا.
الخلاصة
كلّن يعني كلّن.
ولا استثناء لأحد.



