أخباركم – أخبارنا/ د. كاوه محمود
تمهيد
كنا قد عرضنا في القسم الأول من هذه القراءة تحليلًا مركزًا لاستراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة، الصادرة بوصفها وثيقة رسمية في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، والتي كتب مقدمتها دونالد ترامب، بوصفها نصًا كاشفًا عن الرؤية السياسية العامة لإدارة ترامب تجاه موقع الولايات المتحدة في العالم، وطبيعة تعاملها مع النظام الدولي من أجل ضمان استمرار الهيمنة الأمريكية.
وقد بيّن القسم الأول أن هذه الاستراتيجية لا تستند إلى أيديولوجيا سياسية تقليدية متماسكة، بقدر ما تقوم على منطق نفعي صرف تُختزل فيه السياسة الخارجية والدفاعية والاقتصادية في شعار واحد هو: «أمريكا أولًا». كما أظهر أن الوثيقة تعيد تعريف مفهوم المصلحة الوطنية الأمريكية على نحو ضيق، يُستخدم لتبرير استخدام القوة والتدخل العسكري، وتجاوز القانون الدولي متى تعارض مع المصالح الأمريكية.
وتناول القسم الأول المبادئ الأساسية التي تقوم عليها الاستراتيجية، وفي مقدمتها: تحقيق “السلام” عبر القوة، اعتماد الواقعية المرنة في العلاقات الدولية بعيدًا عن فرض الديمقراطية، التعامل مع العالم من منظور الدولة القومية، رفض القيود التي تفرضها المنظمات الدولية، والسعي إلى إعادة تشكيل توازن القوى بما يخدم الهيمنة الاقتصادية والسياسية والعسكرية للولايات المتحدة.
كما توقّف التحليل عند التوجهات التنفيذية لهذه المبادئ، ومنها: إعادة التموضع الجيوسياسي، حماية الأمن الاقتصادي الأمريكي، إعادة توطين الصناعة، إحياء القاعدة الصناعية العسكرية، السيطرة على مصادر الطاقة والموارد، رفض الالتزام بقضايا التغير المناخي، وحماية هيمنة رأس المال المالي الأمريكي، رغم التناقض البنيوي بين ذلك وبين السياسات الحمائية.
انطلاقًا من هذا الإطار، ينتقل هذا القسم الثاني والأخير إلى تحليل أحد أخطر محاور الاستراتيجية، وهو تصنيف مناطق العالم وفق سلّم المصالح الحيوية، وما يترتب على ذلك من إعادة إحياء عقيدة مونرو بصيغتها الترامبية، وتحويل نصف الكرة الغربي إلى مجال نفوذ مغلق، مع اتخاذ فنزويلا نموذجًا تطبيقيًا صارخًا لهذا النهج.
القسم الثاني (الأخير)
رابعاً: تصنيف مناطق العالم على أساس أهمية المصالح الحيوية
1- نصف الكرة الجنوبي الغربي
أحد الملامح التي تحاول الاستراتيجية الأمريكية الجديدة الادعاء بأنها تختلف فيها جذريًا عن الاستراتيجيات السابقة، هو ما يتعلق بتصنيف مناطق العالم وفق أهمية المصالح الحيوية. وفي هذا السياق، يحتلّ نصف الكرة الغربي المرتبة الأولى ضمن هذا التصنيف، متقدمًا حتى على الشرق الأوسط.
تشير الوثيقة إلى أن حماية المصالح الأمريكية وضمان الوصول إلى المواقع الجغرافية الحيوية في كامل هذه المنطقة، يتطلبان منع أي قوى خارجية غير منتمية إلى نصف الكرة الغربي من نشر قوات أو امتلاك قدرات تهديدية. وإذا اقتضت الضرورة مواجهة أي نشاط تصنّفه الولايات المتحدة “إرهابيًا”، أو التدخل العسكري في مناطق هامشية لحماية مصالحها الأساسية، فإن ذلك لا يعني أن تلك المناطق أقل أهمية بحد ذاتها، بل إن نصف الكرة الغربي يُعدّ فضاءً “محجوزًا” ضمن منظور المصالح الحيوية الأمريكية.
وبناءً على هذا التصور، ترى الولايات المتحدة أنه ليس من الضروري إهدار الزمن والموارد في مناطق تُعدّ هامشية ضمن سلّم المصالح الجوهرية، طالما أن “الحديقة الخلفية” لم تُحكم السيطرة عليها بعد.
أ- إعلان مونرو
في سبيل تنفيذ هذا الهدف، أي استعادة الهيمنة الأمريكية على النصف الجنوبي الغربي من الكرة الأرضية، ولا سيما أمريكا اللاتينية، أعادت الاستراتيجية الأمريكية الجديدة إحياء عقيدة مونرو وتكييف السياسة العامة وفق امتدادها الترامبي.
فقد أعلن الرئيس الأمريكي جيمس مونرو عام 1823، في رسالته السنوية إلى الكونغرس، أن أمريكا الجنوبية تُعدّ مجالًا حيويًا خاصًا بالولايات المتحدة، وأن وجود أي قوة عالمية خارجية فيها يُمثّل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي الأمريكي. وقد جاء هذا الإعلان في مرحلة كانت فيها جمهوريات أمريكا اللاتينية قد نالت استقلالها حديثًا عن إسبانيا والبرتغال.
رحّبت هذه الجمهوريات بالعقيدة آنذاك، لأنها رأت فيها حاجزًا يمنع عودة الاستعمار الأوروبي العسكري، رغم أن أوروبا نفسها عادت لاحقًا بوسائل أخرى، من بينها الاحتلال المباشر. أما الهدف الأمريكي الفعلي، فكان تقاسم مناطق النفوذ مع القوى الاستعمارية الأوروبية القديمة، ومنع تحوّل أمريكا اللاتينية إلى ساحة صراع أوروبي يهدد الهيمنة الأمريكية الناشئة.
ولا يمكن فهم هذا التوجه دون ربطه بالسياق العالمي في تلك المرحلة، المتمثل في توسع السوق العالمية، وصعود الإمبريالية، واستخدام الحرب كأداة لإعادة تقسيم الأسواق، وتكثيف الصراعات ضمن منطق النظام الرأسمالي العالمي.
⸻
ب- ملحق روزفلت على عقيدة مونرو
أول تعديل إمبريالي مباشر على عقيدة مونرو جاء عام 1904 في عهد الرئيس ثيودور روزفلت، وعُرف بـ“ملحق روزفلت”. وقد منح هذا التعديل الولايات المتحدة حق التدخل في الشؤون الداخلية لأي دولة في أمريكا اللاتينية إذا رأت أن فيها “مخالفات صارخة ومستمرة” تهدد مصالحها.
على هذا الأساس رُفع شعار “العصا الغليظة”، وتدخلت الولايات المتحدة عسكريًا في نيكاراغوا عام 1911 وهايتي عام 1915، وغيرهما. وقد مثّل هذا التعديل التعبير العملي الصريح عن منطق الإمبريالية في مرحلة إعادة اقتسام النفوذ والأسواق على المستوى العالمي.
لاحقًا، بدأت فعالية هذا النهج تتراجع، خصوصًا بعد توقيع “معاهدة ريو” عام 1947، التي وزّعت مسؤولية الأمن الإقليمي على 19 دولة بدلًا من انفراد الولايات المتحدة بها، إضافة إلى التحولات التي شهدها النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، مع تأسيس الأمم المتحدة وصعود الاتحاد السوفيتي.
ج- ملحق ترامب لعقيدة مونرو
تطرح المرحلة الراهنة سؤالًا جوهريًا: كيف يسعى دونالد ترامب، عبر استراتيجية الأمن القومي الجديدة، إلى إعادة بسط الهيمنة الأمريكية على النصف الجنوبي الغربي من العالم؟
تشير الوثيقة إلى أن الولايات المتحدة قلّلت خلال العقود الماضية من أهمية هذه المنطقة الحيوية، وأن حماية الأمن القومي تتطلب اليوم سياسة جديدة يمكن توصيفها بـ“ملحق ترامب لعقيدة مونرو”، تقوم على المبادئ التالية:
• منع أي قوة خارجية من امتلاك نفوذ مؤثر داخل النصف الجنوبي الغربي من الكرة الأرضية.
• استخدام الحلفاء الإقليميين للسيطرة على الحكومات المحلية، ومنع الهجرة غير الشرعية، وضبط تجارة المخدرات، وتأمين الحدود والممرات البرية والبحرية.
• توسيع المصالح الاقتصادية الأمريكية، وبناء شراكات تجعل الولايات المتحدة الشريك المفضل لدول المنطقة.
د- متطلبات تنفيذ “الملحق الثاني” لعقيدة مونرو
تحدد الاستراتيجية القومية الأمريكية أربعة إجراءات رئيسة لتنفيذ هذه الرؤية:
1. إعادة نشر القوات العسكرية الأمريكية وإحياء قواعد ومواقع أُهملت سابقًا.
2. تعزيز السيطرة على الممرات البحرية والبرية والحدودية.
3. استخدام القوة بدل القانون الدولي عند الضرورة، بعد اعتباره غير فعّال في حماية المصالح الأمريكية.
4. توسيع قواعد الانتشار العسكري والوصول إلى نقاط ذات أهمية استراتيجية عليا.
هـ- فنزويلا نموذجًا: الهجوم واختطاف مادورو وسيليا فلوريس
تُعدّ فنزويلا من أبرز الأمثلة على تطبيق “ملحق ترامب”، من خلال الهجوم السياسي والاقتصادي، وأحيانًا العسكري المباشر، وصولًا إلى اختطاف نيكولاس مادورو وسيليا فلوريس.
يتضح من خلال ربط ما جرى في فنزويلا بالإجراءات السابقة، أن الإدارة الأمريكية تعاملت معها كهدف مباشر، منتهكة القانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة. فقد أعلن ترامب مرارًا رغبته في السيطرة على مصادر الطاقة الفنزويلية وتسليم اقتصاد البلاد للشركات الأمريكية، في محاولة لإلغاء إرث هوغو شافيز في تأميم قطاع الطاقة.
لقد شكّلت فنزويلا نموذجًا متقدمًا للسياسات العدوانية الترامبية، التي لا يمكن فصلها عن الخطوط العامة لاستراتيجية الأمن القومي الأمريكي، والتي تضمنت الانسحاب من الاتفاقيات الدولية، وفرض الرسوم الجمركية، والانسحاب من اتفاقيات المناخ، ومنظمة اليونسكو، ومجلس حقوق الإنسان، إلى جانب الموقف من غرينلاند، والشرق الأوسط، وروسيا، والصين.
ورغم إدانة العديد من الدول والمنظمات الدولية لما جرى في فنزويلا، واندلاع مظاهرات رافضة داخل مدن أمريكية، فإن الإعلام الغربي وشبكات التواصل أخفقت في نقل هذه المواقف إلى الرأي العام العالمي.
خاتمة
إن إدانة الجريمة التي ارتكبها ترامب بحق فنزويلا ومحاولات إسقاط حكومتها، هي إدانة لنهج مافيوي لا يمتّ بصلة إلى أي إطار سياسي أو أخلاقي ضمن مبادئ القانون الدولي. غير أن هذه الإدانة لا تعني الدفاع عن نظام مادورو أو تبرير إخفاقاته العميقة أو سياساته الفاشلة.
فالموقف المبدئي يجب أن يكون انحيازًا واضحًا للشعب الفنزويلي وخياراته الأساسية، ودعمًا للقوى اليسارية والتقدمية الفنزويلية، في مواجهة منطق الهيمنة الكولونيالية الذي تمارسه الولايات المتحدة.
إن هذه القضية تتجاوز الإطار المحلي، وتمسّ مستقبل النظام الدولي برمّته. فالقضية الجوهرية اليوم هي منع الفوضى الدولية، حتى لا تتحول العلاقات العالمية إلى ساحة تلتهم فيها الدول الكبرى الدول الصغيرة، وتُسحق حقوق الشعوب ضمن صفقات القوى المهيمنة والأنظمة الاستبدادية.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة الاعتبار لمنظومة الحوكمة العالمية، وتفعيل دور الأمم المتحدة ومبادئها في حماية حقوق الشعوب، وصون إرادتها المستقلة، ودرء الحروب، وإنهاء بؤر التوتر، والحفاظ على السلام العالمي، بوصفه شرطًا لتحقيق الأمن والتنمية المشتركة.



