الثلاثاء, يونيو 9, 2026
28.5 C
Beirut

بين أوهام السياسة وحقائق الميدان: من يحرك الشارع ومن ينقذ الشعب؟

نشرت في

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد

تتحرك كردستان اليوم تحت وهج فكرة التحرر وإعادة تشكيل الذات، في مسار يتجاوز الحدود الجغرافية التقليدية، من كردستان إيران إلى روجافا. إنها حركة وعي قبل أن تكون حركة سلاح، تنبع من شعور جمعي بأن الزمن الكردي دخل مرحلة جديدة، حيث لم تعد القضايا مجزأة ولا المعارك معزولة. ما يجري هو محاولة لبلورة كيان ما، ليس بالضرورة دولة مكتملة الأركان، بل إطار سياسي–مجتمعي يعيد وصل الجغرافيا بالإرادة، ويمنح الكرد مساحة فعل مشتركة في مواجهة أنظمة مأزومة وحدود فُرضت بالقوة. هذا الحراك، رغم هشاشته وتعقيداته، يعكس إدراكًا متناميًا بأن مستقبل الكرد لن يُمنح لهم، بل يُنتزع عبر التنظيم، والواقعية السياسية، وتراكم الفعل المشترك عبر كل أجزاء كردستان.

يتزايد قلق النظام الإيراني اليوم، لا من الأحزاب التقليدية ولا من معارضات الخارج، بل من حركة الشباب داخل إيران. هؤلاء هم من يحرّكون الشارع فعليًا، ويقفون في الخط الأول للمواجهة المباشرة، يدفعون الثمن من دمهم وحريتهم، فيما تنشغل قوى سياسية كثيرة بصراعاتها الداخلية وأوهام إسقاط النظام بضربة أميركية خاطفة لا تبدو قريبة ولا واقعية. هذا التقييم لا يأتي من فراغ، بل نقله لي سياسي مخضرم يعرف دهاليز السلطة والمعارضة على حد سواء.

في هذا السياق، تبرز حقيقة أساسية: لن يكون للكرد في كردستان إيران وزن حقيقي من دون تفاهم سياسي واسع وتضامن فعلي. فالتجربة أثبتت أن التشتت يبدد زخم الشارع، ويمنح النظام هامشًا أكبر للمناورة والاحتواء. الشباب في الميدان سبقوا الجميع، لكنهم لا يستطيعون وحدهم تحويل الغضب إلى مسار تغييري منظم من دون حد أدنى من التفاهم بين القوى السياسية.

السؤال المطروح اليوم ليس من يرفع السقف الأعلى في الخطاب، بل من يمتلك الجرأة على تحمّل مسؤولية المرحلة. هل نحن مستعدون لتقديم تنازلات متبادلة من أجل مصلحة عامة؟ هل نملك الشجاعة لتغليب التفاهم السياسي على الحسابات الحزبية الضيقة؟ من دون ذلك، سيبقى الشارع يدفع الثمن، وستبقى السياسة متأخرة عنه.

إن بناء تفاهم سياسي في كردستان إيران لم يعد ترفًا أو خيارًا مؤجلًا، بل شرطًا ضروريًا لتحويل حركة الشباب إلى قوة تغيير حقيقية، بدل أن تبقى طاقة مستنزفة في مواجهة نظام يعرف جيدًا كيف يستثمر الانقسامات.

في المقابل، يعيش إقليم كردستان العراق حالة ترقّب حذر، محاصرًا بين ثقل إيران، وتعقيدات الساحة الشيعية في العراق، ودور تركي لم يتخلَّ يومًا عن بعده القومي وحساباته الاستراتيجية. وسط هذا المشهد المتشابك، يبرز دور الرئيس مسعود بارزاني، الذي يقوم بما يستطيع سياسيًا ومعنويًا، مستندًا إلى مكانة لا يملكها كثيرون في الإقليم وخارجه. ولولا هذه القيمة المعنوية والسياسية، لما بادر أحمد الشرع إلى الاتصال به طالبًا العون.

غير أن الاعتراف بالحقائق يفرض علينا أيضًا النقد. فالأخ مظلوم عبدي، رغم ما يملكه من حضور عسكري، لم يقدّر الأمور كما ينبغي في لحظة مفصلية. في مرحلة صعود الشرع، كان المطلوب المناورة لا التسليم، وقراءة موازين القوى بواقعية لا بعاطفة. أليس الأخوان مسعود بارزاني وجلال طالباني قد ذهبا يومًا وقابلا صدام حسين في عزّ الصراع؟ هل كان ذلك تنازلًا؟ بالتأكيد لا. كان مناورة سياسية ذكية هدفها إنقاذ الشعب، لا تسجيل نقاط خطابية.

سقوط الأشرفية والشيخ مقصود لم يكن حتميًا، بل جاء نتيجة أوهام القدرة على الانتصار بالتكتيك وحده. هذا الأسلوب قد ينجح في مناوشة، لكنه لا يحسم حربًا. إذا كان الهدف الانتصار، فكان ينبغي السيطرة على حلب والتفاوض من موقع قوة. أما عندما تكون المعركة غير متكافئة، فلا يجوز تقديم نصر مجاني للخصم تحت شعارات الصمود المجردة من الحساب.

اليوم، تُلقى كرة النار مجددًا في ملعب الرئيس مسعود بارزاني، في لحظة دقيقة تستدعي حكمة القادة التاريخيين وثقلهم المعنوي والسياسي. فالدور المنتظر منه لا يقوم على الإشارات الرمزية أو الخطاب العام، بل على مبادرة سياسية مسؤولة تستند إلى خبرة طويلة وشبكة علاقات واسعة، هدفها الأساس حماية المدنيين وإنقاذ ما تبقى من أهلنا في الأشرفية والشيخ مقصود، ومنع تحميلهم أعباء قرارات لم يكونوا طرفًا في صياغتها.

ويمتد هذا الدور، بطبيعته، إلى ما هو أبعد من الساحة السورية. فالتطورات المتسارعة داخل إيران تفرض ضرورة العمل على جمع أكراد إيران ضمن أفق سياسي مشترك، والمساهمة في بلورة قيادة موحّدة قادرة على إدارة المرحلة بعقلانية واتزان. قيادة تمتلك وضوح الرؤية وتوازن القرار، وتتعامل مع اللحظة التاريخية بما تفرضه من مسؤوليات لا بما تمليه الانفعالات.

وفي هذا الإطار، يبرز مساران متكاملان لا متعارضان:
الأول، الاستعداد لدعم شعبنا في الداخل عندما تستدعي الظروف ذلك، وبالوسائل التي تحفظ كرامته واستقلال قراره وتجنّب استنزاف تضحياته.
والثاني، توظيف الثقل السياسي والعلاقات الإقليمية والدولية لترتيب تفاهمات محلية وحشد دعم دولي يساند قضايا الكرد في إيران، ويمنحها موقعًا فاعلًا في أي مقاربة سياسية مقبلة.

إن الجمع بين هذين المسارين هو جوهر السياسة الرشيدة: فلا فعل ميداني بلا أفق سياسي، ولا تفاهمات سياسية بلا سند شعبي. ومن هنا، تبرز أهمية الدور الذي يمكن أن يضطلع به الرئيس مسعود بارزاني، بوصفه أحد القلائل القادرين على الربط بين الحكمة التاريخية ومتطلبات اللحظة، بما يخدم الإنسان الكردي أولًا، ويحفظ القضية من المغامرة أو التهميش.

الرحمة لشهدائنا الأبطال، الذين واجهوا الموت بكرامة، وكتبوا بدمائهم معنى الشرف والالتزام بالقضية.
والعار للمرتزقة الدواعش، الذين هُزموا أمام النساء المقاتلات الكرديات، فلم يجدوا سوى الحقد الأعمى، فرموهن من الطوابق العليا. ذلك هو ديدنهم، وتلك طبيعتهم، العجز أمام الشجاعة، والوحشية أمام الكرامة.
أما نحن، فلم نكن منهم يومًا، ولن نكون.

وإلى شباب كردستان إيران الثائر، إلى من يقفون اليوم في الصفوف الأولى، بصدور عارية وإرادة لا تُكسر: أنتم نبض هذه المرحلة، وأنتم صوت الكرامة الذي يقلق السلطة ويهز أركانها. لا تسمحوا لليأس أن يتسلل، ولا لخيبات السياسة أن تُضعف عزيمتكم، فأنتم الامتداد الطبيعي لتضحياتٍ لم تنكسر، ولحلمٍ لم يمت.

ويا قادة الأحزاب والقوى السياسية، إن الجماهير تناديكم اليوم لا بأسمائكم، بل بأسماء الشهداء الكبار:
عبد الرحمن قاسملو،
وفؤاد سلطاني.
تناديكم لتذكيركم بمعنى القيادة حين تكون مسؤولية لا امتيازًا، وبمعنى السياسة حين تكون في خدمة الشعب لا فوقه.

هذه فرصتكم التاريخية للعودة إلى كردستان إيران بكرامة وعزة، بعد أن أُخرجتم منها يومًا على يد الخميني بهزيمة نكراء، لا تليق بتاريخ النضال ولا بتضحيات الشهداء. اليوم، يفتح لكم الشارع بابًا لم يفتحه السلاح وحده، باب العودة المعنوية والسياسية، لا كأطراف متناحرة، بل كقيادة موحّدة.

كرمى لدماء الشهداء، قدّموا الوحدة على الخلافات، والرؤية المشتركة على الحسابات الضيقة. فالتاريخ لا يمنح الفرص مرتين، ومن يتأخر عن لحظته، تكتبه الشعوب في الهامش لا في المتن.

وإلى الرئيس مسعود بارزاني، صاحب الاستفتاء وزارع حلم الاستقلال في وجدان شعبه، القائد التاريخي الذي حمل البندقية بيد، وحمامة السلام باليد الأخرى، فجمع بين الشجاعة والحكمة، وبين الصمود والانفتاح. نقول لك اليوم: سرْ، فعينُ الله ترعاك، وشعبك من خلفك، ونحن معك في هذا الطريق، حتى النصر أو الشهادة، على درب الذين سقطوا من أجل الحرية، وكتبوا بدمائهم معنى الكرامة. لقد كنت وما زلت عنوانًا لمرحلة، ورمزًا لقضية، وحاملًا لأمانة ثقيلة تعرف جيدًا كيف تُصان، لا بالمغامرة، بل بالثبات والبصيرة.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

غسّان الرفاعي و«اليسار الحقيقي واليسار المغامر»: سجال المرحلة لا سجال الأشخاص!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد يستمر الرفيق محمد الصعيدي، بكرمٍ لا ينقطع، في مدّي...

في ذكراه، محسن إبراهيم: فطنة المناضل ودعابة المفكر!

أخباركم - أخبارنا/ حسين قاسم ليس سهلاً أن تكتب عن دعابات محسن إبراهيم. فالرجل الذي...

صوت هادر من أجل الكرامة السيادية!

أخباركم - أخبارنا/ توفيق الشعار في لحظة تشهد أزمة إقليمية عميقة، قدم الرئيس اللبناني جوزاف...

الشيخ إمام: صوت العميان الذي أبصر خديعة السلطة وجرح فلسطين

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد أكثر من مطرب كان الشيخ إمام محمد أحمد عيسى، في...

More like this

غسّان الرفاعي و«اليسار الحقيقي واليسار المغامر»: سجال المرحلة لا سجال الأشخاص!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد يستمر الرفيق محمد الصعيدي، بكرمٍ لا ينقطع، في مدّي...

في ذكراه، محسن إبراهيم: فطنة المناضل ودعابة المفكر!

أخباركم - أخبارنا/ حسين قاسم ليس سهلاً أن تكتب عن دعابات محسن إبراهيم. فالرجل الذي...

إيران ومعركة الاحتفاظ بلبنان: حين يصبح سقوط بيروت بداية نهاية الهلال!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد لم يكن ما جرى هذه الليلة تفصيلاً عسكرياً عابراً...