أخباركم – اخبارنا
تقرير فلسطين الميداني
في غزة، لم يكن قصي صرصور يتخيّل أن الهواء الذي استنشقه أثناء انتشال جثمانٍ متحلل سيحوّل جسده إلى معركةٍ أخرى. يعمل منذ عامين بين الركام، يمدّ يده لانتشال من رحلوا فيما يتآكل جسده بصمت، بعد إصابته بمرضٍ في الكلى لم يستطع ستة أطباء تشخيصه. يقول إن كل شيء بدأ حين شعر برذاذٍ خرج من جثامين الشهداء المتحللة، بينما كان يعمل بلا بدلة واقية، ولا قناع، ولا قفازات مناسبة؛ فقط جسده مكشوف أمام الخطر.
الخطر الذي يطارد قصي وزملاءه لا يتعلق فقط بالبحث تحت الأنقاض، بل بنقل الجثامين المنتشرة فوق الأرض وقد بلغت مراحل متقدمة من التحلل. بين كل جثمانٍ وآخر، تزداد احتمالات الإصابة بأمراضٍ تنفسية وهضمية وجلدية، بعضها قاتل. أصيب زميلٌ له بقصورٍ في المعدة، وآخر بجرثومةٍ في الدم قضت على حياته.
مدير العلاقات العامة في الدفاع المدني محمد الميدنة يؤكد انتشار الأزمات التنفسية بين العاملين، ويشير إلى أن العلاج مؤقت لأن بيئة العمل نفسها ملوثة وخطرة. أما مدير الدعم الإنساني محمد المغير فيصف عمل عناصر الإنقاذ بأنه “سباق مع الموت”، مؤكدًا وفاة أحدهم بعد إصابته بمرضٍ نادر نتيجة التعامل مع جثامين متحللة.
المعدات الأساسية شبه معدومة، والموجود في السوق المحلي رديء وبأسعار خيالية بسبب “تجّار الحرب”. خوذ الحماية، كمامات التنفس المتخصصة، أجهزة قياس الغازات، وحتى الأحذية، كلها غير متوفرة. ورغم طلبات متكررة، ترفض إسرائيل إدخال معدات السلامة والوقود، ما يهدد بشلل كامل في عمليات الإنقاذ.
يقول قصي: “نحن نفعل ذلك إكرامًا للموتى. لكننا نحتاج ما يحفظ حياة الأحياء أيضًا”.
ميدانيا، تتفاقم المأساة الإنسانية في قطاع غزة مع استمرار موجة البرد القارس التي تضرب مختلف مناطق القطاع، في ظل غياب شبه كامل لوسائل التدفئة وانعدام الحد الأدنى من مقومات الحياة. وقد أعلنت مصادر طبية، امس السبت، وفاة طفلين رضيعين نتيجة انخفاض درجات الحرارة، أحدهما في مدينة غزة والآخر في دير البلح وسط القطاع، ما يعكس عمق الكارثة الإنسانية التي تهدد حياة آلاف الأطفال والعائلات النازحة في الخيام.
وأوضحت المصادر أن الرضيع محمد وسام أبو هربيد (شهران) توفي صباح السبت في مدينة غزة نتيجة البرد الشديد، فيما فارق الرضيع محمود الأقرع (أسبوع واحد) الحياة في دير البلح للأسباب نفسها. وتعيش آلاف العائلات النازحة أوضاعًا مأساوية تحت ركام من الفقر والجوع وانعدام الدواء، وسط نقص في الوقود والمساعدات التي يمنع الاحتلال دخولها بالقدر الكافي، ما يجعل أي موجة برد سببًا مباشرًا لحصد الأرواح.
وفي الوقت ذاته، تتواصل الانتهاكات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار المُعلَن منذ ثلاثة أشهر، مع تصعيد عسكري في مناطق مختلفة من قطاع غزة. فقد اطلقت القوات الاسرائيلية المتمركزة شرق وجنوب خانيونس النار بكثافة خلال ساعات الليل والصباح، فيما شنت المدفعية والطيران الإسرائيلي غارات على مناطق متفرقة في جنوب ووسط القطاع.
كما فجّرت قوات الاحتلال عربات مفخخة في محيط دوار الشيخ زايد شمال القطاع، ونسفت مباني سكنية قرب منطقة أبو زيتون في جباليا، إضافة إلى استهداف المناطق الساحلية شمال غزة بالقذائف. هذه العمليات تأتي رغم أن وقف إطلاق النار كان يُفترض أن يضع حدًا للعمليات العسكرية، إلا أن الواقع الميداني يشير إلى استمرار الهجمات وتوسع السيطرة الإسرائيلية على مناطق واسعة داخل القطاع.
وفي تقرير جديد، قالت منظمة “بتسيلم” الحقوقية الإسرائيلية إن “الإبادة الجماعية لم تنتهِ بعد”، مؤكدة أن القتل والقصف وتدمير البنية التحتية وعرقلة العمل الإنساني لا تزال مستمرة رغم الاتفاق. وبحسب بتسيلم، فإن إسرائيل باتت تسيطر على ما لا يقل عن 56% من مساحة قطاع غزة، خلافًا لما نص عليه الاتفاق المعلن، ما يجعل الواقع الإنساني أكثر قتامة، خاصة مع توسع الجوع ونقص الدواء وسوء التغذية بين الأطفال والنساء.
وفي سياق آخر، أعلن الجيش الإسرائيلي عن سلسلة عمليات استهداف قال إنها “لمنع التهديدات”. ففي جنوب القطاع، رصدت قوات اللواء 188 ثلاثة شبان اقتربوا من منطقة عسكرية قرب الخط الأصفر، وقُتل أحدهم بعد أن اتهمه الجيش بمحاولة سرقة معدات. كما أعلن الاحتلال عن “تحييد” مخربين في عمليتين منفصلتين شمال غزة.
وفي أعقاب بلاغ حول محاولة دهس، استهدفت قوة لجيش الاحتلال الإسرائيلي في منطقة حارة الشيخ التابعة للواء يهودا شخصًا اتهمته بمحاولة دهس الجنود، فأطلقت النار عليه وتم تحييده، دون تسجيل إصابات في صفوفهم.
وفي الضفة الغربية، احتدمت المواجهات صباح الأحد خلال اقتحام قوات الاحتلال البلدة القديمة في نابلس. وأفاد مراسل “وكالة سند” بأن قوة إسرائيلية خاصة تسلّلت إلى حارة الياسمينة قبل أن يُكشف أمرها وتتعرض لإطلاق نار من مقاومين، ما أدى إلى إصابة جندي إسرائيلي بجراح متوسطة، بحسب اعتراف الجيش. وقد دفعت قوات الاحتلال بتعزيزات عسكرية إلى المدينة عقب الاشتباك.
كما شنت قوات الاحتلال حملة اعتقالات واسعة فجر الأحد، طالت عددًا من بلدات الضفة الغربية. ففي بيت فجار جنوب بيت لحم، اعتقلت القوات خمسة شبان بعد اقتحام منازلهم وتفتيشها، كما اعتقلت ثلاثة آخرين من بلدة حوسان غرب المدينة. وفي طولكرم، اعتقل الاحتلال ثلاثة شبان من بلدة قفين، بينما شهدت بيتونيا غرب رام الله اقتحامًا جديدًا أسفر عن اعتقال شاب من منزله.
هذه التطورات تأتي بينما يعاني قطاع غزة من أوضاع إنسانية هي الأسوأ منذ عقود، وسط تحذيرات أممية من وصول آلاف الأطفال إلى مستويات حرجة من سوء التغذية، وخشية من تزايد الوفيات مع استمرار موجات البرد وغياب المساعدات.
وبينما تستمر الانتهاكات الإسرائيلية ويُمنع دخول المساعدات والوقود، تُترك العائلات الفلسطينية وحيدة في مواجهة الشتاء القاسي، بلا مأوى ولا غذاء ولا تدفئة، فيما يتكاثر الموت في الخيام كما في الشوارع والمستوطنات المهدمة، ليؤكد أن أزمة غزة لم تنتهِ، وأن “وقف النار” لم يوقف شيئًا في الواقع.



