أخباركم – أخبارنا
تقرير فلسطين السياسي
لا شيء في المشهد الفلسطيني يبدو منفصلًا عن الآخر؛ فبينما تتقدّم واشنطن لإعلان «مجلس السلام» وتدفع مصر نحو تشكيل لجنة لإدارة غزة، تصل وفود الفصائل تباعًا إلى القاهرة، محمّلة بملفات متشابكة تتراوح بين ترتيبات الحكم، ومعبر رفح، وآليات المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار. في الوقت نفسه، تتأجّل الاجتماعات الفصائلية للمرة الثالثة، في دلالة على تعقيد الحسابات وتضارب مصالح القوى الفلسطينية والإقليمية، فيما تُظهر حركة فتح أنها تسابق الزمن لترتيب بيتها الداخلي عبر الدعوة إلى مؤتمرها الثامن في أيار المقبل، محاولةً تثبيت موقعها في معادلة ما بعد الحرب.
على خط موازٍ، تسعى حماس إلى تقديم نفسها كطرف جاهز لتسليم إدارة غزة للجنة تكنوقراط مستقلة، في خطوة تُقرأ كاستعداد لمرحلة ما بعد المواجهة العسكرية، لكنها أيضًا مناورة سياسية لتثبيت حضورها في أي صيغة قادمة، رغم الضغوط الأميركية والإسرائيلية التي تربط الإعمار وتخفيف الحصار بقضايا شديدة الحساسية كملف الأسرى وسلاح المقاومة. وبين هذه الحسابات، يواصل الاحتلال المناورة بتأخير إدخال المساعدات وفرض قيود خانقة، فيما تدق أونروا ناقوس الخطر مُجدداً معلنة أن أطفال غزة يعيشون «ظروفًا مزرية» في ظل البرد والجوع ونقص الإمدادات.
ولعلّ وفاة رضيع ثانٍ خلال يوم واحد بسبب البرد القارس تُلخّص حجم الفجوة بين ما يُطرح على طاولة السياسة وما يحدث على أرض غزة؛ إذ تتكدّس اللجان والخرائط والمبادرات في القاعات المغلقة، بينما يبقى الناس بلا غذاء ولا دواء ولا دفء. هكذا يتقدّم الأسبوع وفيه تتقاطع معارك السياسة فوق جراح الإنسانية، ويتكرّر السؤال ذاته: أيّ مستقبل يُراد لغزة، ومن يملك حق رسمه؟
إذا، تتجه الأنظار مجددًا إلى القاهرة التي تستعد لاستضافة جولة جديدة من المشاورات الفلسطينية حول مستقبل غزة، في ظل حراك سياسي متسارع يتقاطع مع ضغوط أميركية وإقليمية، وتعقيدات داخلية فلسطينية، وأوضاع إنسانية كارثية تتفاقم يومًا بعد يوم. ومن المقرر أن يصل وفد قيادي من حركة حماس مساء السبت إلى العاصمة المصرية، برئاسة خليل الحية، لبحث المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار. ويضم الوفد حسام بدران وزاهر جبارين وباسم نعيم والدكتور غازي حمد وخالد مشعل. وتشير مصادر في الحركة إلى أن اللقاءات ستتركز على مناقشة تشكيل لجنة إدارة غزة التي تريدها مصر من 15 شخصية مستقلة من القطاع، تتولى إدارة المرحلة الانتقالية والتهيئة لإعادة الإعمار.
وسيعقد الوفد اليوم الأحد اجتماعًا مع رئيس جهاز المخابرات العامة المصري اللواء حسن رشاد لمراجعة الموقف الميداني والسياسي، فيما تتوقع مصادر فلسطينية أن تشهد القاهرة خلال الأسبوع لقاءات فصائلية أوسع، رغم التأجيلات المتكررة التي أرجأت الاجتماع المرتقب مرتين خلال الأيام الماضية. وقد أُبلغت الفصائل بتأجيل آخر دون تحديد موعد جديد، وسط ترجيحات بعقد اللقاء أواخر الأسبوع الجاري.
في هذه الأثناء، برز تطور لافت في الموقف الأميركي، إذ نقل موقع “تايمز أوف إسرائيل” أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يعتزم الإعلان الأسبوع المقبل عن بدء المرحلة الثانية من خطته لإنهاء الحرب في غزة، رغم الاعتراضات الإسرائيلية. وبحسب الموقع، فإن الخطة تشمل تشكيل “مجلس السلام” وهيئات إدارية جديدة لإدارة قطاع غزة، إلا أن إسرائيل ترفض المضي في الخطة قبل إعادة جثمان الأسير الإسرائيلي ران غفيلي ونزع سلاح حركة حماس، في حين تؤكد الإدارة الأميركية أنها لا ترغب في ربط تقدم الخطة بهذين الشرطين.
على مستوى الفصائل، كان من المقرر عقد اجتماع في القاهرة الثلاثاء الماضي لبحث ترتيبات تسليم إدارة غزة وتفعيل لجنة التكنوقراط المقترحة، قبل أن يتم تأجيله إلى الاثنين المقبل، ثم تأجيله مجددًا. وتؤكد مصادر أن الأسماء المقترحة للجنة إدارة غزة سُلّمت بالفعل للوسطاء، لكنها ما تزال قيد البحث بين الأطراف المختلفة. وتشير المعلومات إلى أن مصر تجري في الوقت نفسه مشاورات مع قطر والولايات المتحدة لتسريع بلورة رؤية مشتركة للمرحلة الثانية، التي يُفترض أن تشهد ترتيبات أمنية وإدارية جديدة تعقب وقف النار.
وتضيف المصادر أن وفد السلطة الفلسطينية برئاسة حسين الشيخ، رفقة رئيس المخابرات العامة ماجد فرج، عقد سلسلة لقاءات في القاهرة مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ثم مع جهاز المخابرات المصري، لمناقشة ملفات الحكم في غزة، وتشكيل “مجلس السلام”، وإدارة معبر رفح. وبحسب تسريبات سابقة، فإن القاهرة عرضت على الفصائل خطة من خمسة بنود، تشمل التوافق على هيئة انتقالية، وضبط الأمن الداخلي، وتوحيد المرجعيات، والتنسيق مع قوات دولية مقترحة، إضافة إلى ترتيبات المعابر.
ويبدو أن حركة فتح ما تزال خارج هذا المسار، إذ لم تشارك في الاجتماعات السابقة، ولا ترغب – وفق مصادر مطلعة – في الظهور بمظهر الشريك في ترتيبات انتقالية تعتبرها تجاوزًا لدور السلطة الشرعية ومنظمة التحرير. وتتركز تحفظات الحركة خصوصًا حول ملف سلاح المقاومة وطبيعة القوة التنفيذية في المرحلة الانتقالية.
في المقابل، أعلن الناطق باسم حركة حماس حازم قاسم مساء السبت أن الحركة اتخذت قرارًا واضحًا بحل الجهات الحكومية القائمة في غزة وتسليم إدارتها للجنة التكنوقراط فور تشكيلها، داعيًا إلى الإسراع في إنجاز هذه اللجنة من أجل تسهيل عملها وعدم خلق أي فراغ إداري.
وسط هذه التحركات السياسية، اتخذ المجلس الثوري لحركة فتح قرارات داخلية مهمة، أبرزها تحديد الرابع عشر من أيار/مايو المقبل موعدًا لانعقاد المؤتمر الثامن للحركة. كما قرر المجلس عودة الأعضاء الذين فُصلوا سابقًا من الحركة “بشكل فردي”، باستثناء من لديهم قضايا أمام القضاء أو ارتكبوا مخالفات جسيمة. وأكد المجلس على استمرار المقاومة الشعبية، ورفض كافة محاولات تجاوز منظمة التحرير باعتبارها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، مشددًا على حماية حقوق أسر الشهداء والأسرى والجرحى. كما جدد التأكيد على دعم الرئيس محمود عباس وخيار الانتخابات المحلية المقررة في 25 أبريل.
ورغم زخم الحركة السياسية، تبقى الأوضاع الإنسانية في غزة العنصر الأكثر إلحاحًا. فقد سُجلت خلال اليوم وفاة رضيع ثانٍ بسبب البرد القارس، في وقت تؤكد فيه وكالة “أونروا” أن الأطفال في القطاع يعيشون ظروفًا “مزرية وغير إنسانية”. وقالت الوكالة في بيان إن الأطفال ينبغي أن يحصلوا على الدفء والغذاء والأمان، لكن وصول المساعدات ما يزال معطلاً بسبب القيود الإسرائيلية، مشيرة إلى أن آلاف الأطنان من الإغاثة العالقة خارج القطاع لم يُسمح بدخولها. وأكدت الوكالة أنها تواصل العمل بكامل طاقتها وتستعد لتوسيع نطاق عملياتها فور رفع القيود، محذرة من أن استمرار الوضع الحالي يهدد حياة مئات الآلاف من الأطفال.
وتظهر هذه المؤشرات – من المفاوضات المتعثرة إلى الضغوط الدولية مرورًا بالأوضاع الإنسانية – أن الطريق نحو المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار ما يزال مليئًا بالعقبات. فالفصائل تنتظر توافقًا على لجنة إدارة غزة، وإسرائيل تربط الموافقة بملفات الأسرى ونزع السلاح، والولايات المتحدة تضغط باتجاه مسار سياسي متسارع، فيما تتعامل مصر مع ملف معقد يتداخل فيه الأمن والسياسة والواقع الميداني.
وبين هذه الحسابات المتشابكة، يظل الواقع اليومي في غزة هو الأكثر قسوة: بيوت مدمرة، جوع متصاعد، أمراض تنتشر، وأطفال يموتون من البرد في القرن الحادي والعشرين، بينما تُناقش طاولات السياسة مصير القطاع في اجتماعات تتأجل مرة بعد أخرى.



