أخباركم – أخبارنا | كتب إبراهيم بيرم
وفق ما كان متوقعًا، تعدّدت القراءات والاجتهادات حيال طبيعة القرارات التي صدرت عن الجلسة الأخيرة للحكومة، والتي خُصّصت للإعلان عن تنفيذ خطة الجيش لانتشاره كقوة حصرية في بقعة جنوب الليطاني، بعد ستة أشهر على خطة مرحلية وضعتها قيادته لتحقيق هذا الهدف. ويأتي ذلك من جهة، بالتوازي مع إقرار خطة مماثلة يُفترض البدء بتنفيذها في منطقة ما بين النهرين، تمهيدًا لخطة ثالثة ورابعة، تنتهي بإعلان الحكومة إنفاذ خطتها المعلنة، والرامية إلى حصرية السلاح بيدها.
وأزاء هذا التطور، برز الرأي الأكثر ترجيحًا بأن ما حصل قد حمى البلاد من «فخ إسرائيلي»، عبر «تفاهم» نُسجت خيوطه خلف الأضواء بين الرئاستين الأولى والثالثة وبين «الثنائي الشيعي»، بانتظار ما ستؤول إليه «لعبة الأمم» في إطار إنتاج تسويات وحلول في المنطقة عمومًا، أو الذهاب إلى مواجهات من شأنها أن ترسم هندسة جديدة للإقليم عمومًا ولبنان خصوصًا.
وبناءً عليه، سارع بعض الراصدين إلى اعتماد فرضية «شراء الوقت وإدارته» عنوانًا للمرحلة المقبلة في الداخل اللبناني، خصوصًا أن مقررات جلسة الحكومة يمكن تفسيرها على أنها «تسوية» صيغت للتهرب من استحقاق داهم وخطير، وجدت فيه كل الأطراف المعنية إنقاذًا لها. وبذلك، بات الحكم برؤوسه الثلاثة وقيادة الجيش قادرين على الادعاء بأنهم حققوا إنجازًا حمى السلم الأهلي للمرة الثانية بعد إنجاز جلسة 5 أيلول الماضي، كما أحرج إسرائيل نفسها عندما أفصحت عن أن جنوب الليطاني المحاذي لحدودها بات خاليًا من أي سلاح غير شرعي، في حين سيرى آخرون في ما جرى ترحيلًا للأزمة لا أكثر.
لكن «حزب الله»، المعني الأساسي بالملف، أصرّ على الاحتفاظ بموقف مميّز، إذ لم يذهب بعيدًا في «إعلان الابتهاج» بما حصل، وسجّل اعتراضه الشكلي والجوهري على الصيغة النهائية لبيان الحكومة. فعلى المستوى الشكلي، أبدى الحزب انتقادًا لصيغة «الجماعات المسلحة» التي وردت في بيان الرئاسة الأولى، وعلى المستوى الجوهري، سجّل اعتراضًا على الصيغة النهائية للبيان الحكومي، معتبرًا أنه اعتمد «مقاربة تتجاهل الوقائع الميدانية القائمة»، وفق ما قال وزير الحزب محمد رعد، الذي أضاف أن اعتراض الحزب ينطلق من كون الاحتلال لا يزال متمركزًا في أكثر من نقطة حدودية، ويواصل فرض قيود ميدانية تعرقل الانتشار الكامل للجيش، إضافة إلى ما يُعرف بالمنطقة العازلة، ما يجعل الحديث عن خطوات نهائية سابقًا لأوانه.
ومع ذلك، سارع رعد إلى التأكيد على أن هذا الاعتراض يبقى في إطار «الاعتراض السياسي المسؤول»، الهادف إلى تصويب المسار لا التعطيل، داعيًا الجميع إلى اعتماد مقاربة موضوعية وواقعية ومتوازنة، تأخذ في الاعتبار الوقائع الميدانية وتحفظ الحقوق الوطنية، بدل الاكتفاء بصياغات لا تعكس تعقيدات المرحلة ولا طبيعة المواجهة القائمة.
وفي موازاة هذا الرأي المعلن، للحزب قراءة أكثر عمقًا لما حصل. إذ يقرّ مصدر مأذون له في الحزب بأن التوجهات التي ظهرت جليّة في بيان الحكومة الأخير بشأن خطتي الجيش المنجزة في جنوب النهر وتلك التي تنتظر الإنجاز في ما بين النهرين، كانت خلاصة تفاهم أفضت إليه اتصالات سبقت الجلسة. وقد انطوى هذا التفاهم على خطوات متدرجة بدأت ببيان قيادة الجيش، تلاه موقف الرئاستين الأولى والثانية، ثم بيان الحكومة مجتمعة، فيما أصرّ الرئيس نواف سلام على الانضمام طوعًا إليهم بموقف مؤازر.
ويفيد المصدر نفسه بأن من أبرز بنود التفاهم إغفال تحديد مهلة زمنية تُلزم الجيش بتنفيذ مهمة المرحلة الثانية لحصر السلاح، ما أظهر موقفًا وطنيًا موحدًا، أصرّ البعض على أن يكون في موقع الشذوذ عنه.
ويمضي المصدر في تشريح البيان، فيقول إن واقعًا سابقًا ترسّخ، استنزف كل أوراق القوة لدى لبنان من دون الحصول على شيء، ما كان يؤدي إلى تأجيج الخلافات والتناقضات الداخلية تحت عنوان تلافي الضغوط الخارجية. لذلك، يضيف المصدر عينه، فإن ما جرى في الجلسة الأخيرة للحكومة يُعدّ بمثابة ابتداع مخارج يمكن وضعها في إطار المصالح الوطنية، تضمن الحؤول دون دفع الوضع الداخلي نحو تصعيد محتمل تحت وطأة الضغوط الخارجية، فيما أثبتت التجربة أن لبنان لم يحصل في السابق على أي مكاسب تُذكر.
وبالإجمال، وعلى عكس الموقف المتشنج الذي اتخذه الحزب غداة قرارات جلسة الحكومة المنعقدة في 5 آب الماضي، بدا الحزب أكثر ارتياحًا وأقل قلقًا، رغم علمه أن ثمة من يعتبر ما حصل أقرب إلى «ربط نزاع» منه إلى حل نهائي. لكنه، في المحصلة، يرى أن الحكومة التي أجرت انعطافة عن مسار تصعيدي كانت قد اتخذته في جلسة 5 أيلول، أكملت في جلستها الأخيرة تلك الانعطافة.
وبالعموم، لا يزال الحزب يقدّر أنه إذا كان قد أُخرج من جنوب الليطاني، فإنه ما زال يعتبر أن هذه البقعة لم «تتحرر» بالكامل ولم تعد إلى كنف الشرعية ما دام الاحتلال موجودًا في التلال الخمس الحاكمة، ومطلق اليد في الاغارات والاغتيالات، وفي منع السكان من العودة إلى بلدات الحافة الأمامية، التي يتجاوز تعداد سكانها مئة ألف مواطن، طال التهجير نحو 85 في المئة منهم.



