أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد
عندما يُعاد طرح اسم نوري المالكي في العراق، فذلك لا يمكن قراءته كحدث سياسي عادي أو كخيار انتخابي تقليدي. ترشيح المالكي، في هذا التوقيت تحديدًا، هو مؤشر قلق قبل أن يكون مؤشر قوة، ورسالة واضحة بأن شيعة العراق يقفون اليوم في قلب صراع إقليمي ودولي يتجاوز قدرتهم على الاحتمال من دون مظلة سياسية صلبة.
في لحظات الاضطراب الكبرى، لا تبحث الجماعات السياسية عن الوجوه الجديدة، بل تعود إلى “المجرَّبين”، لا حبًا بالتاريخ، بل خوفًا من المجهول. وهنا تحديدًا يمكن فهم إعادة تعويم المالكي بوصفه محاولة للبحث عن شخصية قادرة على لعب دور شبيه بدور نبيه بري في لبنان: رجل إدارة توازنات، لا رجل مواجهات مفتوحة.
الصراع الإيراني–الأميركي يضع شيعة العراق في موقع بالغ الحساسية. فهم ليسوا طرفًا خارجيًا في النزاع، بل ساحة محتملة له. ومع تراجع قدرة الدولة العراقية على فرض سيادة كاملة، ومع هشاشة التوازنات الداخلية، يصبح السؤال المركزي: من يحفظ دور الشيعة في الدولة من دون دفعهم إلى مواجهة مباشرة مع أحد الطرفين؟
الإجابة التي يقدّمها “الإطار التنسيقي” تبدو واضحة: نوري المالكي.
بيان الإطار التنسيقي الأخير، الصادر عقب اجتماعه الدوري رقم 258، عكس هذا التوجّه بوضوح. أجواء إيجابية، نقاشات مسؤولة، تطورات مهمة، مؤشرات متقدمة… كلها عبارات مألوفة في البيانات السياسية، لكنها في هذا السياق تحمل دلالة واحدة: هناك قرار غير معلن بتغليب خيار “الضبط” على خيار “المغامرة”.
المالكي، بما له وما عليه، يُنظر إليه كأحد آخر السياسيين الشيعة القادرين على مخاطبة طهران وواشنطن في آن واحد، من دون أن يبدو تابعًا بالكامل لأي منهما. وهو، على غرار نبيه بري، لا يُطرح كرمز ثوري أو إصلاحي، بل كضامن توازن، يعرف متى يتقدم ومتى يتراجع، ومتى يُجمّد الصراع بدل تفجيره.
شيعة العراق اليوم لا يبحثون عن انتصار كامل، بل عن تجنّب خسارة كبرى. لا يبحثون عن توسيع النفوذ، بل عن منع تآكله. وفي هكذا لحظات، يصبح “الإنقاذ” هو العنوان، حتى لو جاء على حساب الطموحات التغييرية.
من هنا، يمكن القول إن ترشيح المالكي ليس تعبيرًا عن قوة فائضة، بل عن إدراك عميق لخطورة المرحلة. هو خيار الواقعية القاسية، لا خيار الحلم السياسي. خيار الحفاظ على الدور، لا إعادة صياغته.
تمامًا كما كان نبيه بري، ولا يزال، حاجة لبنانية شيعية في زمن العواصف، يُراد لنوري المالكي أن يكون “برّي العراق”: صمّام أمان في زمن الاشتباك الكبير، وحارس موقع في وسط معركة لا يملك أحد ترف الانجرار الكامل إليها



