أخباركم – أخبارنا
تقرير سوريا
التحديات الأمنية والميدانية ما زالت تفرض نفسها في عدد من المناطق السورية، لا سيما في مدينة حلب وشمال شرقي البلاد. ففي وقت تؤكد دمشق انفتاحها على شراكات عربية، خصوصاً مع مصر ولبنان، تتواصل العمليات الأمنية والعسكرية ضد خلايا مسلحة، وسط روايات متباينة حول طبيعة ما يجري وانعكاساته الإنسانية والسياسية.
انفتاح اقتصادي عربي: دمشق تراهن على القاهرة
أكد الرئيس السوري أحمد الشرع أن التكامل بين سوريا ومصر يشكّل “ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة أمنياً واقتصادياً واستراتيجياً”، مشدداً على أن العلاقة بين البلدين “ليست ترفاً سياسياً بل واجباً قومياً”.
وجاءت تصريحات الشرع خلال لقائه وفد اتحاد الغرف التجارية المصرية في دمشق، حيث قال إن سوريا تجاوزت “مراحل صعبة خلال السنوات الماضية”، وأصبحت مهيأة لإعادة الإعمار اعتماداً على خبرات أبنائها، رغم الدمار الواسع الذي خلّفته الحرب على مدى خمسة عشر عاماً.
ووجّه الرئيس السوري شكره للشعب المصري على استضافة اللاجئين السوريين، واصفاً مصر بأنها “من أكثر البلدان التي شعر فيها السوريون بالراحة والأمان”.
سياسة اقتصادية جديدة: تقليص دور الدولة وفتح الباب للاستثمار
وأوضح الشرع أن سياسة الحكومة الحالية ترتكز على “استقرار الوضع الأمني والتنمية الاقتصادية”، من خلال توسيع دور القطاع الخاص وتقليص تدخل الدولة في الاقتصاد، بما يهيئ بيئة جاذبة للمستثمرين.
ودعا الشركات المصرية إلى أن تكون في مقدمة المشاركين بعملية إعادة الإعمار، مشيراً إلى فرص تعاون واسعة في مجالات البنية التحتية والطاقة المتجددة، ولا سيما الطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر، إضافة إلى الزراعة والصناعة النسيجية، مستعيداً نماذج شراكات سابقة بين تجار حلب وشركات مصرية.
تكامل اقتصادي في مواجهة الأطماع الإقليمية
وقال الشرع إن “المصالح الاقتصادية المتشابكة تشكّل غطاءً سياسياً يحمي المنطقة من الأطماع والتوسعات”، داعياً إلى بناء منظومة تكامل اقتصادي تشمل سوريا ومصر والعراق، وتمتد إلى الأسواق الخليجية، خصوصاً في مجال الأمن الغذائي.
واعتبر أن فائض الإنتاج في كل بلد يمكن أن يشكّل رافعة للآخر، في وقت تتجه فيه شركات خليجية للاستثمار الزراعي خارج المنطقة بتكاليف مرتفعة.
مسار لبناني – سوري: ملف السجناء يعود إلى الواجهة
بالتوازي مع الانفتاح العربي، شهدت العلاقات اللبنانية – السورية حراكاً لافتاً بعد زيارة وفد قضائي سوري إلى بيروت، أعادت تحريك ملف الموقوفين والمحكومين السوريين في السجون اللبنانية، بعد أشهر من الجمود.
وبحسب مصادر قضائية لبنانية، تم التوصل إلى تفاهمات أولية لوضع آلية تنفيذية تدريجية، تبدأ بملف المحكومين السوريين، البالغ عددهم نحو 400 شخص، على أن تُستكمل خلال مهلة لا تتجاوز شهراً.
وتشير المصادر إلى أن الأجواء كانت “إيجابية ومنتجة”، وأن مسودة اتفاقية باتت شبه جاهزة للتوقيع، وسط مواكبة سياسية داخلية وخارجية، واحتمال زيارة مرتقبة للرئيس اللبناني جوزيف عون إلى دمشق.
المحكومون أولاً… والموقوفون عقدة قانونية
اتفق الجانبان على إعطاء الأولوية للمحكومين، مع نقاش حول مدة الأحكام وآلية احتسابها، في حين بقي ملف الموقوفين غير المحكومين الأكثر تعقيداً، بسبب غياب الأحكام القضائية النهائية.
وطرحت خلال الاجتماعات خيارات قانونية، من بينها تشريع خاص من البرلمان اللبناني أو قرارات حكومية لتسريع الإجراءات، وسط تأكيد لبناني على وجود عقبات قانونية، مقابل إصرار سوري على شمولهم بأي تسوية شاملة.
“فايننشال تايمز»: السجناء السوريين في لبنان اختبار للعهد دمشق
هذا وسلّطت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية الضوء على ملف السجناء السوريين في لبنان، معتبرةً أنه يشكّل أحد أكثر الملفات حساسية في مسار العلاقات اللبنانية – السورية بعد وصول الرئيس أحمد الشرع إلى السلطة، لما يحمله من أبعاد سياسية وقضائية وحقوقية معقّدة.
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين لبنانيين أن دمشق تضغط بقوة لإعادة مئات السجناء السوريين، بمن فيهم مقاتلون سابقون في فصائل معارضة، بينهم عناصر من “جبهة النصرة” التي أسسها الشرع عام 2011 قبل أن تتحول لاحقاً إلى “هيئة تحرير الشام”.
وأشار التقرير إلى أن هذا الملف يضع بيروت أمام معضلة مزدوجة: فمن جهة، تسعى السلطات اللبنانية إلى تخفيف الاكتظاظ في سجونها، حيث يشكّل السوريون نحو 30% من عدد السجناء، ومن جهة أخرى، لا تزال الذاكرة الأمنية اللبنانية مثقلة بأحداث عام 2014، حين قُتل جنود لبنانيون وخُطف آخرون خلال مواجهات مع مجموعات مسلحة في شمال البلاد.
روايتان متقابلتان: الماضي الدموي مقابل «عدم نسيان الضحايا»
ونقلت الصحيفة عن مسؤول لبناني قوله: “لم يعد أحد في العالم اليوم يصنّف الشرع ورفاقه إرهابيين، لكن من الصعب علينا نسيان الماضي، لأن تلك الجماعات قتلت جنوداً ومدنيين لبنانيين، واليوم يُطلب منا الإفراج عنهم ببساطة”.
في المقابل، عرضت فايننشال تايمز الرواية السورية، حيث عبّر مسؤولون في دمشق عن شعورهم بـ”الظلم”، معتبرين أن حزب الله قتل من السوريين أكثر مما قُتل لبنانيون في سوريا، ومع ذلك – بحسب قولهم – لم تطالب دمشق بمحاكمته داخل لبنان.
انتقادات حقوقية: تعذيب واحتجاز طويل بلا محاكمة
وتوقّف التقرير مطولاً عند أوضاع السجون اللبنانية، ولا سيما سجن رومية، ناقلاً شهادات لسجناء ومحامين تحدثوا عن تعذيب، وانتزاع اعترافات بالقوة، واحتجاز احتياطي لسنوات دون محاكمة.
كما استندت الصحيفة إلى تقارير منظمات حقوقية، بينها منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، انتقدت استمرار محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية في لبنان في قضايا “الإرهاب”، ووصفت ذلك بأنه انتهاك لمعايير المحاكمة العادلة.
ونقلت الصحيفة عن المحامي اللبناني محمد صبلوح قوله إن “ما يجري ليس حالات فردية، بل ممارسات ممنهجة”، في حين أقر نائب رئيس الحكومة اللبنانية طارق متري بوجود “نقائص خطيرة” في النظام القضائي والسجني، مؤكداً أن الوضع “غير طبيعي”.
إصلاحات محدودة وانتظار طويل
وبحسب فايننشال تايمز، أفرجت السلطات اللبنانية منذ أيلول الماضي عن 109 معتقلين سوريين، بينهم 22 سجيناً سياسياً، في إطار محاولات تخفيف الضغط الداخلي والدولي.
غير أن التقرير أشار إلى أن التعديلات اللبنانية الأخيرة على مقترح إعادة السجناء إلى سوريا، ولا سيما اشتراط عدم إعادة محاكمتهم من دون موافقة بيروت، أثارت غضب دمشق، وأدت إلى تجميد التفاهم مؤقتاً، ما أبقى مئات السجناء “رهائن الانتظار”.
ونقلت الصحيفة عن أحد السجناء السوريين قوله:
“اعتُقلنا لأننا دعمنا الثورة السورية، واليوم أصبح الثوار في السلطة، فلماذا ما زلنا هنا؟”.
حلب تحت الضغط: استنفار أمني وتحركات عسكرية
ميدانياً، أعلنت هيئة العمليات في الجيش السوري امس رفع درجة الجاهزية في ريف حلب الشرقي، بعد رصد تحركات عسكرية لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) في منطقة دير حافر، شملت استقدام مجموعات مسلحة وعتاداً متوسطاً وثقيلاً.
وأكدت الهيئة أن طبيعة هذه التحركات “غير واضحة حتى الآن”، لكنها شددت على الاستعداد “لكل السيناريوهات”، حفاظاً على أمن المنطقة.
وكان الجيش السوري قد اتهم “قسد” بإطلاق طائرات مسيّرة من مناطق تمركزها في دير حافر، استهدفت أحياء في مدينة حلب، من بينها محيط مبنى المحافظة.
ضبط أسلحة وتفكيك متفجرات في الشيخ مقصود
من جهتها، أعلنت وزارة الداخلية السورية ضبط مستودعات كبيرة للأسلحة في حي الشيخ مقصود بحلب، قالت إنها تعود لمليشيا “قسد”، وتضم ألغاماً وعبوات ناسفة وصواريخ وطائرات مسيّرة انتحارية.
كما أفادت بتفكيك عربة مفخخة ومواد متفجرة داخل منازل مدنيين، مؤكدة نقل المضبوطات إلى جهات مختصة، دون تسجيل إصابات.
روايات متعارضة: انتهاكات أم إجراءات أمنية؟
في المقابل، تحدث المرصد السوري لحقوق الإنسان عن “اعتقالات واسعة” طالت مدنيين في حي الشيخ مقصود، متهماً القوات الحكومية بارتكاب انتهاكات ذات طابع عنصري، تشمل الإهانات والتوقيفات التعسفية.
ونشرت منصة المرصد مقاطع مصورة تظهر مدنيين محتجزين، فيما لم تصدر السلطات السورية تعليقاً مباشراً على هذه الاتهامات، مكتفية بالتأكيد على أن العمليات الجارية “أمنية وضرورية” لضمان الاستقرار ومنع عودة التهديدات المسلحة.
احتجاجات القامشلي وانقسام إعلامي
على صعيد آخر، هاجم محتجون موالون لـ”قسد” مقر الأمم المتحدة في القامشلي، احتجاجاً على ما وصفوه “صمت المجتمع الدولي” إزاء ما جرى في حلب، ما أدى إلى أضرار مادية بالمبنى.
وفي السياق ذاته، أعلن صحفيون سوريون من المكون الكردي انسحابهم من “رابطة الصحفيين السوريين”، احتجاجاً على بيان اعتبروه “إقصائياً وغير حيادي”، ما كشف عن أزمة ثقة داخل الأوساط الإعلامية السورية.
عودة تدريجية للحياة في الأشرفية
في مؤشر على استعادة الهدوء، أعلنت إدارة منطقة عفرين انطلاق أولى قوافل عودة الأهالي إلى حي الأشرفية بحلب، بعد انتهاء العمليات الأمنية.
وأكدت محافظة حلب أن نحو 140 ألف شخص كانوا قد نزحوا من أحياء الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد، وأن العودة تتم تدريجياً بالتوازي مع إعادة تأهيل الخدمات ودخول المؤسسات الحكومية.
تعكس التطورات الأخيرة في سوريا مشهداً مركباً: حكومة تسعى لتثبيت شرعيتها عبر الانفتاح العربي والإصلاح الاقتصادي، في مقابل تحديات أمنية وميدانية لا تزال قابلة للاشتعال، وروايات متناقضة حول كلفتها الإنسانية. وبينما تراهن دمشق على التكامل الإقليمي كمدخل للاستقرار، يبقى نجاح هذا المسار مرتبطاً بقدرتها على ضبط الأمن، وإدارة الملفات الحساسة – من حلب إلى السجون اللبنانية – بطريقة توازن بين متطلبات الدولة وحقوق المجتمع.



