الأربعاء, فبراير 18, 2026
14.1 C
Beirut

حكومة نواف سلام: عام على “العبور نحو الدولة” بين التحديات السياسية والانسجام التنفيذي

نشرت في

أخباركم – أخبارنا / عايدة الأحمدية

مع اقتراب مرور عام على تشكيل حكومة الرئيس نواف سلام، يقف لبنان أمام تجربة حكومية مغايرة لما ساد لسنوات. فمنذ نيلها الثقة في شهر شباط 2025، انطلقت هذه الحكومة في مهمة شاقة لانتشال البلاد من الأزمات المتراكمة، مستفيدة من مناخ العهد الرئاسي الجديد برئاسة العماد جوزاف عون.

منذ انطلاقتها، قدّمت الحكومة نفسها بوصفها حكومة نهج هادئ وإدارة تقنية، ساعية إلى كسر نمط الاشتباك السياسي الذي عطّل الحكومات السابقة، وإلى إعادة الاعتبار لمفهوم العمل المؤسساتي.

شكّلت العلاقة بين رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية أحد عناصر الاستقرار في السنة الأولى. فالتفاهم بين السراي وبعبدا، وإن لم يصل إلى مستوى الشراكة السياسية الكاملة، إلا أنه جنّب البلاد صراعات رئاسية-حكومية كانت كفيلة بتفجير الحكومة.
العهد الجديد، الذي رفع شعار استعادة هيبة الدولة والمؤسسات، وجد في الحكومة شريكًا غير صدامي، يفضّل التدرّج والتراكم. هذا التلاقي انعكس تنسيقًا في الملفات الإدارية والأمنية، ولو بقي محكومًا باعتبارات داخلية وإقليمية حدّت من إمكان الانتقال إلى خطوات سيادية أوسع.

لعل السمة الأبرز التي طبعت هذا العام هي “الانسجام التنفيذي” بين أعضاء الحكومة. بالرغم من التباعد السياسي الذي يصبغ الخلفيات التي جاء منها بعض الوزراء، إلا أن قاعة مجلس الوزراء تحولت إلى غرفة عمليات تقنية بامتياز.
لقد تم تغليب “لغة الأرقام” على “المناكفة السياسية”، حيث اعتمد الفريق الحكومي معايير الجدوى الاقتصادية والاجتماعية في إقرار المشاريع. وظهر هذا الانسجام بوضوح في ملفات أساسية كالتكامل بين وزارتي المالية والاقتصاد، والتعاون بين الطاقة والاتصالات.

  • كسر العزلة وإعادة ترميم الثقة

اعتمدت الحكومة سياسة إعادة ترميم الثقة، من دون وعود كبرى. فالحضور اللبناني في المحافل الدولية عاد بشكل تدريجي، لكن من موقع الحذر، بانتظار ترجمة الإصلاحات الداخلية إلى خطوات ملموسة. غير أن الدعم الخارجي بقي مشروطًا بملفين أساسيين: الإصلاح المالي الجدي، ومعالجة مسألة السيادة والقرار الأمني، ما حدّ من إمكان تحقيق اختراقات نوعية.
وفي هذا الاطار سجّلت الحكومة تقدّمًا محدودًا ولكن ملموسًا في كسر العزلة التي رافقت لبنان لسنوات. فقد عادت العلاقات العربية، ولا سيما الخليجية، إلى حدّها الأدنى المقبول، على قاعدة تأكيد الالتزام باتفاق الطائف وبمرجعيات الدولة، والابتعاد عن سياسة الرسائل المتناقضة. كما شكّل التركيز على القرار 1701 وتعزيز دعم الجيش اللبناني عنوانًا ثابتًا في التحرك الدبلوماسي، في محاولة لإعادة تثبيت صورة الدولة كمرجعية وحيدة للاستقرار.
ونجحت الدبلوماسية اللبنانية في حشد دعم دولي لتعزيز قدرات الجيش اللبناني كضمانة وحيدة للاستقرار الحدودي، مما أعطى إشارة للخارج بأن الدولة عادت لتمسك بزمام المبادرة.

  • حصر السلاح التحدي الاكبر

يبقى ملف حصر السلاح وانتشار الجيش اللبناني في صدارة معايير الحكم على أداء الحكومة، وفي هذا الإطار سجّلت حكومة نواف سلام تقدّمًا نوعيًا، من خلال اعتماد مقاربة هادئة وتدريجية بعيدة عن الصدام المباشر. فقد نجحت الحكومة في نقل هذا الملف من مستوى الشعار السياسي إلى مسار تنفيذي فعلي، مدعوم بغطاء سياسي واضح للمؤسسة العسكرية وبانفتاح متزايد على الدعم الدولي. عمليًا، عزّز الجيش اللبناني حضوره الميداني، معلنًا دخول خطة حصر السلاح مرحلة متقدّمة بعد إنجاز المرحلة الأولى جنوب نهر الليطاني بشكل فعّال، شملت تثبيت السيطرة الميدانية، معالجة الذخائر غير المنفجرة والأنفاق، واتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع الجماعات المسلحة من إعادة بناء قدراتها. ويكتسب هذا التقدّم دلالة سياسية إضافية في ضوء تغييب مصطلح «المقاومة» عن بيانات الجيش، واستبداله بتوصيف «الجماعات المسلحة»، في سابقة تعكس تحوّلًا في المقاربة الرسمية للملف الأمني، بالتوازي مع كونها المرة الأولى التي يفرض فيها الجيش سيطرة كاملة على جنوب الليطاني منذ سنوات
. ومع التحضير لإطلاق خطة حصر السلاح شمال الليطاني فور تقديمها من قيادة الجيش في شباط، يتجاوز هذا المسار البعد الأمني ليطال جوهر العقد السياسي الداخلي، ما يجعل من التدرّج الذي اعتمدته الحكومة خطوة محسوبة نحو استعادة الدولة لدورها، وإن بقيت مرهونة باستكمالها سياسيًا وتنفيذيًا في المرحلة المقبلة.

  • الانسجام المالي بين القرار والتنفيذ

في الملف المالي والمصرفي، تميّزت حكومة نواف سلام بوضوح في ربط القرارات السياسية بالقدرة التنفيذية. فقد أقدمت على خطوات حاسمة، أبرزها إقرار مسودة قانون توزيع الخسائر، ما مثّل اعترافًا رسميًا بحجم الفجوة المالية وتحديد المسؤوليات بين الدولة والمصارف ومصرف لبنان. هذا الإطار التشريعي لم يقتصر على الخطاب، بل ترافق مع تنفيذ فعلي تحت قيادة حاكم مصرف لبنان، الذي أطلق إجراءات عملية لاسترداد الأموال وضبط اختلالات القطاع المصرفي. ويُعد هذا الانسجام بين القرار السياسي والتنفيذ المصرفي خطوة مهمة في تاريخ الأداء الحكومي اللبناني، حيث تضافرت الخطط مع الآليات التنفيذية لتعزيز المصداقية المالية وفتح مسار تفاوضي مستدام مع صندوق النقد الدولي، بعد سنوات من الجمود والمراوحة

  • سلام: فرض هيبة الدولة السبيل الوحيد لاستعادة السيادة والثقة

رغم النجاحات المتحققة في السنة الأولى للحكومة، على صعيد الإدارة المالية والسياسية والحضور الخارجي، يشدّد سلام على أنّ “فرض هيبة الدولة هو السبيل الوحيد لإعادة بناء الثقة بين لبنان ومحيطه العربي والدولي، وتصحيح صورة لبنان لا يكون إلا باستعادة الدولة سيادتها على أراضيها أمنياً وسياسياً”. ويضيف: “حكومتي ملتزمة ببيانها الوزاري، وحريصة على استكمال إنجازاتها والمحافظة عليها، ليتعافى لبنان ويعود إلى سابق عهده آمناً، سالماً، ناعماً، برغد العيش”.

انطلاقًا من هذه الرؤية، تُعدّ السنة الثانية من عمر الحكومة سنة مفصلية، حيث تضع حكومة الرئيس نواف سلام لبنان أمام مفترق طرق حاسم. لقد نجحت، إلى حد كبير، في تحويل نمط الحكم من ساحة اشتباك سياسي عقيم إلى غرفة عمليات تنفيذية، أثبتت فيها “الانسجام التقني” قدرته على إدارة الأزمات المالية والإدارية وكسر جزء من العزلة الدولية. إلا أن الاختبار الحقيقي لم يأتِ بعد.

فالعبور الناجح من “إدارة الانهيار” إلى “بناء الدولة” يتطلب أكثر من الانسجام الداخلي والعلاقة الهادئة .
المعادلة الصعبة التي تواجهها الحكومة في عامها الثاني هي تحويل الإنجازات الجزئية، خاصة في ملف حصر السلاح والاستعدادات شمال الليطاني، إلى واقع سيادي كامل وغير قابل للتراجع. إن التدرج والهدوء اللذين اعتمدهما رئيس الحكومة كانا ضروريين لاجتياز المرحلة الأولى، لكنهما لن يكفيا وحديهما لاجتياز المرحلة الأصعب، مرحلة الحسم.

كلام الرئيس سلام واضح: “فرض هيبة الدولة هو السبيل الوحيد”. والسؤال الذي ينتظر إجابة في العام الثاني هو: هل تمتلك الحكومة، بدعم الإرادة السياسية الجامعة، القوة والجرأة لتحويل هذا الشعار إلى واقع ملموس في كل بقعة من الأراضي اللبنانية؟

لبنان اليوم أمام خيارين: إما أن تتحول السنة الثانية إلى ساحة لاستكمال استعادة الدور الوحيد للدولة ومؤسساتها، عبر قرارات شجاعة تترجم الانسجام التنفيذي إلى سيادة فعلية. وإما أن يتحول النهج الهادئ نفسه إلى غطاء لإدارة فراغ سيادي دائم، حيث تبقى الدولة مسؤولة عن الإدارة، لكنها عاجزة عن الحكم.

الفرصة لا تزال سانحة، لكن الزمن ليس في صالح لبنان. العام الأول كان عام إثبات الجدوى، والعام الثاني يجب أن يكون عام إثبات الإرادة، فلبنان لم يعد يحتمل دولة تُدار بلا سيادة، ولا حكومة تُقاس فقط بقدرتها على الصمود، بل بقدرتها على الحسم.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

أنا لبنان

أخباركم - أخبارنا/ حسين قاسمأنا لبنان،حين ينسى اسمه على عتبة مرفئه،ويتلعثم صوته قبل أن...

نيجيرفان بارزاني… رصانة القيادة الكردية في لحظة إعادة تموضع أمريكي!

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد لم يكن لقاء رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني...

في 14 شباط: لماذا نقرأ سمير قصير من جديد؟

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد 14 شباط ليس تاريخ اغتيال سمير قصير. هو تاريخ...

More like this

نيجيرفان بارزاني… رصانة القيادة الكردية في لحظة إعادة تموضع أمريكي!

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد لم يكن لقاء رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني...

أهمية مؤتمر ميونخ للأمن ودلالات مشاركة أكراد سوريا والعراق

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد يُعد مؤتمر ميونخ للأمن من أبرز المنصّات الدولية...