أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد
ليست إيران اليوم ساحة صراع بين نظامٍ ومعارضة تقليدية، بل مسرحًا لمواجهة أعمق: مواجهة بين شعبٍ يسعى إلى استعادة حقه في الحكم، وسلطاتٍ وأنماط حكمٍ متعاقبة أثبتت فشلها، مهما اختلفت عناوينها. فكما ترفض غالبية الإيرانيين ديكتاتورية الحرس الثوري وولاية الفقيه، فإنهم يرفضون في الوقت نفسه إعادة تدوير الماضي تحت اسم جديد: عودة الشاه بصيغة وراثية محدثة.
المزاج الشعبي الإيراني، وخصوصًا لدى الأجيال الشابة والنخب الثقافية والطبقات الوسطى، بات أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. الشعار الذي يتردد في الشارع، وإن بصيغ مختلفة، واحد في جوهره: لا نريد حكم العسكر ولا حكم الوراثة، بل حكم الشعب المتنور القادر على الإصلاح من الداخل. وهذا الموقف لا ينبع من فراغ، بل من تجربة تاريخية قاسية مع نظامين سلطويين، أحدهما ملكي والآخر ديني–عسكري، اشتركا في قمع السياسة وتهميش المجتمع واحتكار القرار.
في هذا السياق، يبرز اسم رضا بهلوي، نجل آخر شاه لإيران، محمد رضا بهلوي، بوصفه أحد أكثر الأسماء تداولًا في الخارج كبديل محتمل. وُلد بهلوي عام 1960، وكان وليًّا للعهد قبل سقوط النظام الملكي عام 1979، ثم غادر إيران مع عائلته بعد الثورة ليستقر في الولايات المتحدة، حيث عاش معظم حياته في المنفى. تلقّى تعليمه في الخارج ودرس العلوم السياسية، وبدأ منذ تسعينيات القرن الماضي بالظهور كشخصية معارضة للنظام، مقدّمًا نفسه مدافعًا عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، ولاحقًا داعيًا إلى نظام علماني يترك شكل الحكم لاستفتاء شعبي.
غير أن هذا الطرح، على الرغم من حضوره الإعلامي، يواجه رفضًا واسعًا داخل إيران. فبالنسبة لكثير من الإيرانيين، لا تمثل عودة رضا بهلوي سوى إعادة إنتاج رمزية للنظام السابق الذي ارتبط في الذاكرة الجماعية بالقمع الأمني، وغياب الحريات، والتبعية السياسية للغرب، والتفاوت الطبقي الحاد. ويُضاف إلى ذلك رفضٌ متجذّر لمبدأ التوريث السياسي، إذ إن جيلًا خرج إلى الشوارع ضد سلطة غير منتخبة، لن يقبل باستبدالها بزعامة تقوم على النسب العائلي، مهما بدّلت خطابها.
يزداد هذا الرفض حدّة بسبب ارتباط نشاط رضا بهلوي السياسي بالخارج. فمعظم تحركاته تتم عبر الظهور في وسائل إعلام غربية، والمشاركة في مؤتمرات دولية، والتواصل مع مسؤولين أميركيين وأوروبيين. وفي نظر شريحة واسعة من الإيرانيين، فإن أي مشروع تغيير يُشتبه بأنه مدفوع أو مُسوَّق من الخارج يفقد تلقائيًا شرعيته الوطنية، خصوصًا في بلد خبر طويلًا كلفة التدخلات الخارجية.
إلى جانب ذلك، يلاحظ منتقدوه غياب مشروع سياسي متكامل لديه، إذ يتركّز خطابه على العموميات والشعارات من دون تقديم برنامج اقتصادي أو اجتماعي واضح لمرحلة ما بعد سقوط النظام. والإيرانيون، بعد سنوات من الاحتجاجات والقمع وسقوط الضحايا، لا يبحثون عن رمز أو واجهة، بل عن رؤية قابلة للتنفيذ تؤسس لدولة مؤسسات وقانون.
وفي المقابل، لا يعني رفض رضا بهلوي القبول بالأمر الواقع. فالغالبية الساحقة من الإيرانيين ترى في نظام ولاية الفقيه والحرس الثوري ديكتاتورية مكتملة الأركان، مسؤولة عن تدمير الاقتصاد، وخنق الحريات، وزج البلاد في صراعات إقليمية مكلفة. لكن إسقاط هذا النظام، في نظر كثيرين، ليس نهاية المعركة بل بدايتها، إذ إن غياب قيادة وطنية منظمة وجامعة يجعل أي انتفاضة عرضة للاختطاف أو الانحراف.
من هنا، تبدو المعركة طويلة النفس، وتحتاج إلى أكثر من غضب الشارع. إنها معركة بناء بديل وطني مستقل، لا يستنسخ ماضي الاستبداد ولا يستقوي بالخارج. وفي هذا السياق، يبرز القلق من أن يلجأ النظام إلى تصعيد خارجي أو مغامرة عسكرية محسوبة للهروب من مأزقه الداخلي، عبر أزمات بلا حرب شاملة، ورسائل أمنية تهدف إلى شدّ العصب الداخلي وتبرير القمع.
في الخلاصة، ما يريده الإيرانيون اليوم ليس تغيير الواجهة، بل تغيير القاعدة. لا ديكتاتورية الحرس الثوري، ولا إمبراطورية الشاه السابقة، بل دولة مدنية ديمقراطية مستقلة، يكون فيها القرار وطنيًا، والسلطة نابعة من الشعب لا مفروضة عليه. إنها معركة شاقة وطويلة، لكن تاريخ الشعوب يعلّمنا أن الإصرار على الحرية، مهما طال الزمن، يبقى أقوى من كل محاولات الالتفاف عليه.



