أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد
يلعب الشباب الكرد في إيران اليوم دورًا محوريًا في موجات الاحتجاج المتصاعدة، حيث يحضرون في الصفوف الأولى للمواجهة، ويحوّلون الغضب الاجتماعي إلى فعل سياسي مباشر. هذا الحراك لا يتحرك بمعزل عن التاريخ، بل يستند إلى ذاكرة نضالية واضحة، تظهر في الشعارات والهتافات التي تستحضر رموزًا كردية شكّلت وعي أجيال متعاقبة.
ويتجلى دور الشباب الكردي في المشاركة الفاعلة في الحراك السياسي والثقافي والاجتماعي، بوصفهم القوة الأكثر حضورًا وحركية في مواجهة واقع القمع والتهميش. هذا الدور لا يقتصر على الاحتجاجات الشعبية في الشارع، بل يمتد إلى أشكال متعددة من الفعل السياسي، تعكس وعيًا متراكمًا بطبيعة الصراع وحدوده.
وقد برز حضورهم بوضوح خلال انتفاضة «المرأة، الحياة، الحرية»، حيث كان الشباب الكرد في طليعة المتظاهرين، من المدن الكبرى إلى بلدات كردستان إيران، مساهمين في تحويل الاحتجاج من مطلب محلي إلى حركة وطنية ذات أبعاد سياسية وحقوقية واسعة. إلى جانب ذلك، اختار قسم من هؤلاء الشباب الانضمام إلى المنظمات الكردية المسلحة (البيشمركة)، تعبيرًا عن رفضهم للقمع السياسي المستمر، والتمييز في الحقوق، وغياب تكافؤ الفرص في مجالات العمل والتعليم، في ظل انسداد الأفق السياسي السلمي.
وتأتي هذه الخيارات المختلفة في سياق تاريخ طويل من الصراع والمواجهات العنيفة بين الحركة الكردية والسلطات الإيرانية منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979، حيث واجهت المناطق الكردية سياسات أمنية مشددة، وحملات عسكرية متكررة، ومحاولات مستمرة لإضعاف البنية السياسية والاجتماعية الكردية. ورغم ذلك، حافظت الأجيال الشابة على زخم المطالبة بالحقوق القومية، معتبرة أن القضية الكردية لم تُحسم، وأن محاولات إخضاعها بالقوة لم تنجح في إنهائها.
وفي كل انتفاضة، يتكرر اسما عبد الرحمن قاسملو وفؤاد مصطفى سلطاني بوصفهما مرجعيتين رمزيتين للحركة الكردية في إيران.
قاسملو، الأمين العام للحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، اغتيل في 13 تموز/يوليو 1989 في فيينا أثناء مشاركته في اجتماع تفاوضي مع ممثلين عن النظام الإيراني، حيث أُطلق عليه الرصاص داخل غرفة المفاوضات. اغتياله مثّل ضربة لمسار الحل السياسي ورسّخ صورته كرمز للحوار الذي جرى استهدافه عمدًا.
أما فؤاد مصطفى سلطاني، أحد المؤسسين الرئيسيين لحزب كوملة، فقد استُشهد في آب/أغسطس 1979 خلال مواجهات مسلحة مع قوات الحرس الثوري الإيراني في منطقة مريوان، في سياق الحملة العسكرية التي شنّها النظام الإيراني بعد الثورة ضد القوى الكردية.
استحضار هاتين الشخصيتين في احتجاجات اليوم ليس حنينًا إلى الماضي، بل رسالة سياسية واضحة من جيل شاب يؤكد استمرارية النضال، ويربط بين تضحيات الماضي وأسئلة الحاضر. فالشباب الكردي، وهو يواجه القمع، يطالب بوحدة الموقف وتجاوز الانقسامات، ويعيد التذكير بأن الشرعية تُبنى بالفعل والتضحية، لا بالشعارات.
بهذا المعنى، تمثل حركة الشباب الكرد في إيران اليوم مسارًا ممتدًا من المقاومة السياسية والاجتماعية، تتقاطع فيه الذاكرة مع الواقع، والاحتجاج مع التاريخ، في مواجهة سلطة لم تنجح، حتى الآن، في كسر إرادة الشارع أو محو رموزه.



