أخباركم – أخبارنا
تقرير فلسطين السياسي
لا شيء في المشهد الفلسطيني اليوم يسير بمعزل عن الآخر؛ فالتطورات تتشابك كخيوط معقّدة تمتد من غزة المحاصرة حتى العواصم الدولية، مرورًا بالقدس ورام الله والقاهرة وفيينا وأبو ظبي. بين خطط إسرائيلية لاحتلال كامل قطاع غزة، وحراك فلسطيني متعثّر نحو وحدة وطنية طال انتظارها، واستثمارات عربية في شركات أمنية إسرائيلية، وحراك قانوني دولي يطارد جنود الاحتلال خارج حدودهم، يقف الفلسطينيون أمام لوحة سياسية متغيّرة تضجّ بالتناقضات.
ففي الوقت الذي تضع فيه المؤسسة الأمنية الإسرائيلية خطتها العسكرية على الطاولة—خطة تتجاوز المعادلات التقليدية وتلوّح بسيطرة كاملة على غزة إذا فشلت التسوية – تخرج حركة حماس بدعوة غير مسبوقة للسلطة الفلسطينية للالتحام في “لحظة تاريخية” قد تعيد تشكيل المشهد الداخلي، فيما القاهرة تستعد لاستضافة جولة جديدة من المحادثات حول ترتيبات ما بعد الحرب.
وبينما ينشغل الفلسطينيون بخطر الاجتياح وما يرافقه من انهيارات إنسانية، يتكشف بُعد آخر للتطبيع يتمثل في شراء شركة إماراتية ضخمة جزءًا من شركة أمنية إسرائيلية تعمل في قلب الصناعات العسكرية والتقنيات المستخدمة ضد الفلسطينيين أنفسهم. وعلى الجبهة القانونية، لا يبقى الفلسطينيون صامتين؛ إذ تتقدّم مؤسسة “هند رجب” بدعوى دولية ضد جندي إسرائيلي في النمسا بتهم الإبادة وجرائم الحرب.
وفي الداخل، يحاول رئيس الوزراء الفلسطيني تثبيت مسار آخر، بإطلاق أكبر محطة للطاقة الشمسية في فلسطين، في محاولة لإيجاد بارقة تنمية وسط عاصفة الجغرافيا والسياسة والدم.
هكذا يبدو المشهد: تصعيد، تطبيع، وحدة معلّقة، وملاحقات قانونية… وفلسطين بين كل ذلك تبحث عن مستقبل ممكن.
فقد كشفت مصادر إسرائيلية مساء امس الإثنين أن الحكومة الإسرائيلية وضعت فعليًا على طاولة المستوى السياسي خطة عسكرية واسعة تهدف إلى السيطرة الكاملة على قطاع غزة خارج ما يُعرف بالخط الأصفر، في حال فشل المسار السياسي المتوقع ضمن المرحلة الثانية من الخطة الأميركية الخاصة بغزة. وتفيد التقديرات بأن البيت الأبيض يستعد لإعلان الخطوط العريضة للانتقال إلى هذه المرحلة، بعد تأجيلات مرتبطة بتطورات سياسية في فنزويلا والأحداث الأخيرة في إيران.
تعتمد المرحلة الأميركية الثانية على مسارين سياسيين أساسيين: تشكيل “مجلس سلام” خاص بغزة، والإعلان عن حكومة تكنوقراط تتسلم إدارة القطاع. وتشير المصادر إلى أن الرئيس المعيّن للمجلس، نيكولاي ملادينوف، زار إسرائيل مؤخرًا والتقى رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، في خطوة تُقرأ على أنها محاولة لتسريع إنشاء إطار مدني بديل عن حكم حركة حماس لإدارة الشؤون اليومية في غزة، لكن مسؤولين إسرائيليين يعتبرون أن أي إطار مدني لن يصمد ما لم يُحسم ملف السلاح والسيطرة الأمنية، وهو شرط ترى تل أبيب أنه أساس أي ترتيبات سياسية مستقبلية.
أما العنصر الثالث في الخطة، وهو إنشاء قوة استقرار دولية، فيواجه تعثرًا كبيرًا، إذ ترى إسرائيل أن دخول قوة كهذه إلى غزة قبل تغيير جذري في الواقع الميداني أمر شبه مستحيل. دول مثل أذربيجان وإندونيسيا كانت قد أبدت استعدادًا مبدئيًا للمشاركة، لكنها تراجعت، بينما ترفض دول محورية مثل الأردن ومصر الانخراط في مهمة عسكرية قد تضعها في مواجهة مباشرة مع فصائل المقاومة، خاصة أن المشاركة قد تكون مقبولة في سياق حفظ النظام فقط وليس القتال.
وترتبط التقديرات الإسرائيلية بما جرى خلال اللقاء الأخير بين نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترامب في فلوريدا، حيث حصل نتنياهو، وفق المصادر، على هامش مناورة واسع يتيح له التحرك عسكريًا ضمن تقديرات إسرائيل الخاصة. وترى أوساط القرار الإسرائيلي أن المطلوب ليس مجرد ضغط سياسي، بل سيطرة فعلية على الأرض إذا لم تستجب حماس للمهلة التي تتضمنها الخطة لنزع السلاح، والتي تُقدّر بشهرين. وتعتقد إسرائيل أن حماس لن تقبل التخلي عن سلاحها، بما في ذلك السلاح الخفيف، ما يجعل سيناريو نزع السلاح بالتراضي غير واقعي ويمهد لعملية عسكرية واسعة.
تؤكد المصادر أن الخطة المطروحة ليست عملية محدودة، بل تحركًا عسكريًا شاملاً يستهدف احتلال كامل المناطق خارج الخط الأصفر، وتستند هذه الرؤية إلى معطى تعتبره إسرائيل ضاغطًا وهو عدم وجود أسرى أحياء في غزة، ما يسمح للجيش بالتحرك بوتيرة أكبر دون قيود عملياتية سبق أن فرضتها ملفات الأسرى في جولات سابقة. ووفق السيناريو الإسرائيلي، فإن القوة الدولية لن تُنشر إلا بعد أن ينفذ الجيش مهمته الأصعب في تفكيك البنية العسكرية والتنظيمية لحماس، على أن تتولى لاحقًا إدارة الشؤون المدنية بدل بقاء الاحتلال في حكم عسكري مباشر للقطاع.
في المقابل، دعت حركة حماس السلطة الفلسطينية إلى “الاستجابة للحظة التاريخية” والتقدم نحو وحدة وطنية شاملة. وقال الناطق باسم الحركة حازم قاسم إن حماس قدّمت مواقف إيجابية ومتقدمة، وإن أي محاولة للاستفادة من الكارثة التي يمر بها أهل غزة ستكون خطأ استراتيجيًا. وشدد على أن حكومة اليمين الإسرائيلية تستهدف كل المكوّنات الفلسطينية، ما يفرض الإسراع في توحيد الموقف الوطني. وتأتي تصريحات الحركة في وقت تستعد القاهرة لاستضافة اجتماع جديد للفصائل، بهدف بحث ترتيبات تسليم الحكم في غزة وبداية عمل لجنة إدارة القطاع التي يُفترض أن تضم شخصيات مستقلة ضمن هيئة تكنوقراط وفق المبادرة المصرية. ووصل وفد من حماس إلى القاهرة، كما وصل وفد رسمي من السلطة الفلسطينية، فيما تشير مصادر إلى أن حركة فتح لا تشارك عادة في هذه الاجتماعات لعدم رغبتها في الظهور بمظهر الجلوس مع حماس على طاولة واحدة لبحث ملف سلاح المقاومة وتفاصيل الحكم.
وعلى الصعيد الداخلي الفلسطيني، افتتح رئيس الوزراء محمد مصطفى محطة “المزارعين للطاقة الشمسية” بقدرة إنتاجية تبلغ 24 ميغاواط في محافظة طوباس، لتكون أكبر محطة من نوعها في فلسطين. واعتبر مصطفى أن المشروع خطوة استراتيجية لتعزيز الأمن الطاقي الوطني والانتقال التدريجي إلى مصادر الطاقة المتجددة، بما يتسق مع البرنامج الحكومي للتنمية ودعم صمود المزارعين وخفض تكاليف الإنتاج الزراعي. وأشار رئيس سلطة الطاقة إلى أن قدرت مشاريع الطاقة الشمسية المربوطة على شبكة كهرباء المحافظة بلغت 35 ميغاواط، أي نحو 23% من الاستهلاك، مع توقعات بارتفاع هذه النسبة مع منح 18 رخصة جديدة لمشاريع إضافية بقدرة 50 ميغاواط، بما قد يمكّن طوباس مستقبلاً من الاعتماد شبه الكامل على الطاقة الشمسية عند استكمال مشاريع تخزين الطاقة.
وفي سياق إقليمي مرتبط بالتطبيع، كشفت القناة 12 الإسرائيلية أن شركة “إيدج” الإماراتية للصناعات الدفاعية والأمنية صادقت على الاستحواذ على 30% من أسهم شركة “عين ثالثة” الأمنية الإسرائيلية، في صفقة تبلغ قيمتها 10 ملايين دولار، بانتظار المصادقة النهائية من الجانب الإسرائيلي. وتُعد “عين ثالثة” من الشركات المتخصصة في تطوير الأنظمة الإلكتروا–بصرية وتقنيات المراقبة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، وتستخدم هذه التقنيات في الأمن العسكري والمدني، بما في ذلك الأنظمة المستخدمة ضد الفلسطينيين. وتقدّر القيمة السوقية للشركة بنحو 138 مليون شيكل بعد ارتفاع سهمها أكثر من 42% خلال العام الماضي. وتأتي الصفقة في سياق توسّع التعاون الأمني والاقتصادي بين الإمارات وإسرائيل منذ اتفاقيات التطبيع عام 2020، والتي فتحت الباب أمام شراكات واسعة في الصناعات الأمنية والتكنولوجيا المتقدمة والأنظمة السيبرانية.
وفي موازاة التطورات السياسية والعسكرية والإقليمية، برز حراك قانوني لافت تمثل في رفع مؤسسة “هند رجب” دعوى جنائية في النمسا ضد الجندي الإسرائيلي يوناتان أكريف، المتهم بالمشاركة في جرائم حرب وأعمال إبادة خلال العدوان على غزة. وتقول المؤسسة إن وجود الجندي على الأراضي النمساوية يُلزم السلطات بفتح تحقيق، بموجب التزاماتها القانونية الدولية. وتستند الدعوى إلى تحقيقات وثّقت خدمة أكريف في الكتيبة 8717 “آلون” التي ارتبط اسمها بعمليات تدمير ممنهج للبنية التحتية المدنية في غزة، وتشير الأدلة إلى مشاركته في عمليات ميدانية رئيسية وتورطه في تدمير مبنى مدني بشكل متعمّد، إضافة إلى نشره مقاطع فيديو توثق عمليات الهدم.
وتطالب الدعوى بفتح تحقيق يركز على الطابع المنهجي للعمليات وليس على واقعة فردية، في إطار الاشتباه بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية والمساهمة في الإبادة الجماعية عبر فرض ظروف معيشية قسرية على السكان المدنيين. وتؤكد المؤسسة أن النمسا طرف في اتفاقيات جنيف ونظام روما الأساسي، وأن القضية ليست جدلًا سياسيًا بل التزامًا قانونيًا. وأوضح رئيس المؤسسة دياب أبو جهجة أن الهدف من التحرك هو تضييق الفجوة بين الالتزامات القانونية والتردد السياسي الأوروبي، وجعل عام 2026 عامًا للعدالة وملاحقة مرتكبي الجرائم في غزة. وتشير المؤسسة إلى أن هذه الخطوة تأتي ضمن استراتيجية أوسع تقوم على مبدأ الولاية القضائية العالمية، بحيث تُلاحق المشتبه بهم أينما وجدوا.
بهذه المسارات المتوازية — الخطة العسكرية الإسرائيلية، الدعوة إلى الوحدة الوطنية، المشاريع التنموية الداخلية، التوسع التطبيعي، والملاحقة القانونية الدولية — يبدو المشهد الفلسطيني قائمًا على تداخل معقد بين التحركات الميدانية والسياسية والقانونية، في لحظة شديدة السيولة قد تعيد رسم مستقبل غزة والملف الفلسطيني برمّته.



