الأربعاء, فبراير 18, 2026
13.5 C
Beirut

من تمرد البازار في طهران إلى حسابات الحرب في تل أبيب: لحظة تصدّع إقليمي

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

تحرّك البازار الإيراني لا يمكن قراءته كحدث اقتصادي معزول أو كحالة احتجاج مطلبية ظرفية، بل يجب فهمه ضمن سياق تاريخي وسياسي عميق يمسّ جوهر النظام نفسه. فالبازار، منذ ما قبل الثورة الإسلامية عام 1979، شكّل أحد الأعمدة البنيوية للسلطة، وكان دائمًا في علاقة عضوية مع المؤسسة الدينية. هذا التحالف بين “التاجر” و“الفقيه” هو الذي وفّر الغطاء الاجتماعي والمالي لقيام نظام ولاية الفقيه واستمراره، وهو ما جعل البازار يُقدَّم طويلًا بوصفه “ضمير الاقتصاد الإسلامي” وقاعدته الصلبة.

من هنا، فإن تحرّك البازار اليوم، للمرة الأولى بهذا الوضوح وفي توقيت يتزامن مع احتجاجات شعبية واسعة، لا يعني فقط اعتراضًا على الضرائب أو تدهور العملة أو أثر العقوبات، بل يشير إلى شرخ في العلاقة التأسيسية بين السوق والسلطة الدينية. فالتجار الذين اعتادوا العمل تحت مظلة النظام، والاستفادة من شبكات الحماية والامتيازات، باتوا يشعرون بأن النظام لم يعد ضامنًا للاستقرار، بل تحوّل إلى مصدر دائم للفوضى والخسارة وانعدام اليقين.

الأخطر في هذا التحول أنه يصوّب مباشرة على فكرة ولاية الفقيه، لا عبر خطاب أيديولوجي صريح، بل عبر سلوك عملي. فهذه الفكرة قامت، ضمنيًا، على معادلة مفادها أن الفقيه يؤمّن الاستقرار والعدالة مقابل الطاعة السياسية. وحين ينهار الاستقرار الاقتصادي، ويُهدَّد رأس المال التقليدي، فإن جوهر هذه المعادلة يسقط. هنا لا يعود السؤال: هل النظام ديني أم لا؟ بل: هل هذا النظام قادر أصلًا على إدارة الدولة وحماية المجتمع؟

هل نحن أمام تحوّل في النظام؟
الإجابة: نعم ولا.

لسنا بعد أمام انهيار أو انتقال فوري للسلطة، لكننا أمام تحوّل في طبيعة الحكم. فالنظام الذي كان يستند إلى شبكة تحالفات اجتماعية (البازار، المؤسسة الدينية، شرائح من الطبقة الوسطى) يتحوّل تدريجيًا إلى نظام يعتمد بشكل شبه كامل على الأجهزة الأمنية والعسكرية. وهذا الانتقال من “نظام شرعية” إلى “نظام قوة” هو أخطر ما يمكن أن يواجهه أي حكم، لأنه يضيّق قاعدة الدعم ويوسّع دائرة الخصوم، ويجعل كل أزمة لاحقة أكثر قابلية للانفجار.

تحرّك البازار يوجّه أيضًا رسالة واضحة إلى داخل النظام نفسه: الأزمة لم تعد محصورة في “الأطراف” أو في فئة الشباب أو في الأقليات، بل وصلت إلى مركز الثقل الاقتصادي والاجتماعي. وهذا ما يفتح الباب أمام انقسامات أعمق داخل النخبة الحاكمة، بين من يرى ضرورة تقديم تنازلات لاحتواء الغضب، ومن يصرّ على الحسم الأمني مهما كان الثمن.

في هذا المناخ الداخلي المأزوم، لا يمكن فصل ما يجري في إيران عن السلوك الإقليمي المحيط بها، ولا عن النقاش الدائر في إسرائيل حول خيار المواجهة المباشرة معها. من هنا يبرز سؤال موازٍ: هل يمكن أن يلجأ بنيامين نتنياهو إلى ضرب إيران، ليس فقط بدافع استراتيجي، بل أيضًا لتقديم نفسه مجددًا أمام الداخل الإسرائيلي بوصفه “البطل” القادر على حماية إسرائيل والفوز في الانتخابات المقبلة؟

نتنياهو بنى مسيرته السياسية، إلى حدّ بعيد، على توظيف الملف الأمني، وعلى رأسه “التهديد الإيراني”، في لحظات الانقسام الداخلي واهتزاز الثقة وملفات الفساد. لكن تحويل إيران إلى ساحة استعراض انتخابي ليس أمرًا بسيطًا. فإيران ليست غزة، ولا حتى لبنان. أي ضربة مباشرة لها قد تفتح أبواب مواجهة إقليمية واسعة، متعددة الجبهات، ذات كلفة بشرية واقتصادية وسياسية هائلة، وقد تحوّل “الزعيم الحازم” إلى مقامر بمصير دولته.

العامل الأميركي يبقى القيد الأهم في هذا السياق. فمن دون غطاء واضح من واشنطن، يصعب على أي رئيس حكومة إسرائيلي خوض مواجهة كبرى مع إيران. الولايات المتحدة، مهما بلغت درجة دعمها لإسرائيل، لا تنظر بعين الارتياح إلى حرب شاملة قد تبدو مدفوعة بحسابات انتخابية داخلية أكثر منها ضرورة أمنية استراتيجية.

الأرجح، إذًا، أن نشهد استمرار اللعب على حافة الهاوية: تصعيد محسوب، عمليات سرية، ضربات محدودة، وحرب ظلّ طويلة، تواكبها لغة تهديد عالية السقف. هذا النمط يسمح لنتنياهو بتغذية صورته داخليًا، من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة قد لا يمكن السيطرة على تداعياتها.

في المحصلة، ما يجري من تمرد في البازار الإيراني، وما يُناقش من تصعيد محتمل ضد إيران، ليسا حدثين منفصلين. كلاهما يعكسان لحظة تصدّع إقليمي تتآكل فيها شرعيات داخلية، وتتصاعد فيها رهانات خطرة في الخارج. وحين تضعف الأنظمة في الداخل، وتضيق خياراتها، يصبح الإقليم كله أكثر عرضة لقرارات حادّة، قد لا تُتخذ دائمًا على أساس المصلحة العامة، بقدر ما تُتخذ تحت ضغط البقاء في السلطة.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

أنا لبنان

أخباركم - أخبارنا/ حسين قاسمأنا لبنان،حين ينسى اسمه على عتبة مرفئه،ويتلعثم صوته قبل أن...

نيجيرفان بارزاني… رصانة القيادة الكردية في لحظة إعادة تموضع أمريكي!

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد لم يكن لقاء رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني...

في 14 شباط: لماذا نقرأ سمير قصير من جديد؟

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد 14 شباط ليس تاريخ اغتيال سمير قصير. هو تاريخ...

More like this

نيجيرفان بارزاني… رصانة القيادة الكردية في لحظة إعادة تموضع أمريكي!

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد لم يكن لقاء رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني...

أهمية مؤتمر ميونخ للأمن ودلالات مشاركة أكراد سوريا والعراق

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد يُعد مؤتمر ميونخ للأمن من أبرز المنصّات الدولية...