الإثنين, أغسطس 10, 2026
27.4 C
Beirut

القاهرة تعيد رسم إدارة غزة: سباق مع الوقت بين الفصائل والسلطة وسط تصعيد إسرائيلي ومأساة إنسانية متفاقمة….اقتراب الإعلان عن لجنة إدارة غزة والإعلام الحكومي يؤكد جاهزيته لتسلّيم مؤسسات القطاع…مصطفى يطلب رفع الجاهزية لتنفيذ خطة إعادة إعمار شمال الضفة…اليونيسف: 100 طفل قتلوا منذ وقف إطلاق النار في غزة

نشرت في

أخباركم – أخبارنا
تقرير فلسطين السياسي

تتحرّك الرمال السياسية في المنطقة بسرعة غير مسبوقة، فيما تزداد خطوط التماس بين الفصائل والوسطاء والإسرائيليين تعقيدًا وتشابكًا. فالقاهرة تفتح أبوابها لوفود الفصائل الفلسطينية في ماراثون مشاورات شائك حول مستقبل إدارة غزة، بينما تبدو الساعات المقبلة حاسمة في تحديد مصير لجنة إدارة القطاع وعلاقتها بمجلس السلام وخطة الهدنة طويلة الأمد. وفي قلب هذه الحوارات، يطفو التوتر المتبادل بين السلطة وحركة حماس إلى السطح من جديد: الأولى تتمسّك بمرجعية حكومية تقود اللجنة، والثانية تعلن جهوزيتها لتسليم المؤسسات دون أن تُمنح دورًا رسميًا في الحكم، وسط اعتراضات إسرائيلية على أسماء مرشّحة تزيد المشهد ارتباكًا.

في الخلفية، تواصل الحكومة في غزة إدارة ما تبقّى من بنية تحتية متهالكة بمنطق الطوارئ، فيما تضغط الفصائل والوسطاء لتحديد شكل السلطة المقبلة قبل انهيار الخدمات أو انفجار الوضع الأمني. وفي موازاة ذلك، تمضي الحكومة الاسرائيلية في مسار مختلف تمامًا، بإقرارها مشروع قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين شنقًا، في تصعيد يُفتح على احتمالات خطيرة، ويؤسس لمرحلة جديدة من التنكيل القانوني والسياسي.

وبالتوازي مع صخب السياسة، يرتفع صوت المأساة الإنسانية مجددًا. فالأطفال في غزة يسقطون يوميًا رغم “وقف إطلاق النار”، وفق تحذيرات اليونيسف التي تتحدث عن قتلى جراء الغارات والبرد والجوع والعجز عن الإجلاء الطبي، وعن مخيّمات تمزّقها الرياح، وأجساد صغيرة ترتجف بلا حماية. ومع كل يوم يمر، يتقلّص هامش النجاة، ويتحوّل ما يسمّيه العالم هدنة إلى أزمة بلا سقف.

إذا، تتكثّف الحركة السياسية في القاهرة منذ مساء أمس مع وصول وفود الفصائل الفلسطينية، في سياق حراك ترعاه مصر لبحث مستقبل إدارة قطاع غزة وترتيبات المرحلة المقبلة ضمن اتفاق وقف إطلاق النار. وتؤكد مصادر فلسطينية مطلعة أن الاجتماعات، التي تشارك فيها ثمانية فصائل، تهدف إلى بلورة تصور نهائي بشأن لجنة إدارة غزة، وصلاحياتها، وعلاقتها بمجلس السلام الذي نصت عليه الخطة الأميركية إلى جانب ملف القوة الدولية.
وانطلقت امس لقاءات ثنائية تمهيدًا لاجتماع موسع يعقد اليوم الأربعاء بحضور رفيع من المخابرات المصرية، وسط مشاورات متواصلة بين القاهرة والوسيط القطري والضامن الأميركي والجانب التركي، في محاولة لصياغة مقاربة مشتركة تضمن توافقًا فلسطينيًا وغطاءً إقليميًا ودوليًا.

وتشير المصادر إلى أن الملف الأكثر حساسية يتمثل في طبيعة دور السلطة الفلسطينية وحدود إشرافها على عمل اللجنة، إضافة إلى اعتراضات إسرائيلية على بعض الأسماء المرشحة، ما يزيد من صعوبة الوصول إلى صيغة توافقية سريعة. وتوضح المصادر أن إسرائيل تضع “فيتو” على أسماء محددة، بينها رئيس شبكة المنظمات الأهلية أمجد الشوا، بينما تصر السلطة على تسمية وزير الصحة ماجد أبو رمضان لرئاسة اللجنة، وهو ما لم يحسم بعد. ورغم أن حركة حماس أعلنت استعدادها الكامل لتسليم مؤسسات الحكم في القطاع دون مشاركة مباشرة في الإدارة الجديدة، فإن حركة فتح تبدي حذرًا واضحًا تجاه مخرجات الاجتماعات، وتشعر بوجود تهميش لدور السلطة والرئيس.

وتضيف المصادر أن فتح لن تشارك رسميًا في اجتماع الفصائل، لكنها قد تجري لقاءات منفصلة مع الجانب المصري. كما أن الحركة ترى أن الحديث عن جاهزية حماس لتسليم الحكم لا يترافق مع إجراءات عملية كافية، رغم إعلان الأخيرة أنها أتمت تجهيز الملفات والهياكل الإدارية لتسهيل نقل الصلاحيات فور التوصل إلى اتفاق شامل. وتكرر فتح موقفها بأن أي لجنة لإدارة غزة يجب أن تكون مرتبطة بالحكومة الفلسطينية بشكل واضح وأن يمثلها شخص من السلطة لضمان الإشراف السياسي والإداري، وهو ما يجري النقاش حوله مع المصريين ومع المرشح لمنصب منسق مجلس السلام نيكولاي ملادينوف.

وتفيد المصادر بأن الفصائل المشاركة في اجتماعات القاهرة توافق مبدئيًا على أن تكون اللجنة تابعة للحكومة الفلسطينية وأن تضم شخصيات من غزة فقط تحظى بقبول وطني عام. وتؤكد المصادر أن الفصائل تنتظر أن تعلن مصر غدًا أو بعد غد عن أسماء المرشحين وهيكل اللجنة وطبيعة علاقتها بمجلس السلام، بالتزامن مع استمرار المشاورات مع السلطة والإدارة الأميركية والفصائل لضمان عدم بقاء أي فجوة سياسية أو إدارية قد تؤدي إلى فراغ في إدارة القطاع.

وفي السياق الداخلي، يؤكد إسماعيل الثوابتة، مدير المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، وجود استعداد تام لدى المؤسسات الحكومية لتسليم كافة المهام لأي جسم إداري يتم التوافق عليه، ضمن أسس قانونية تحافظ على المصلحة العامة. ويوضح أن الوزارات تعمل حاليًا وفق نظام الحد الأدنى من التشغيل، وبآليات طوارئ تركز على الخدمات الإنسانية الأساسية في ظل العدوان المستمر، واستهداف البنية التحتية، وغياب الموارد المالية. ويوضح أن الحكومة في غزة تدير المرحلة الراهنة عبر إعادة ترتيب الأولويات وتكامل العمل بين الوزارات، للحفاظ على الحد الأدنى من الخدمات الحيوية ومنع الانهيار الإداري. ويشير إلى أن الجهاز الحكومي يضم نحو 50 ألف موظف من المدنيين والعسكريين، تتركز غالبيتهم في وزارتي الصحة والتعليم، ثم الداخلية، وأن جميع الوزارات تمتلك هياكل واضحة تسمح بنقل الصلاحيات بشكل منظم فور التوصل إلى اتفاق.

ويؤكد الثوابتة أن استمرار عمل الحكومة الحالية ليس هدفه فرض واقع سياسي، بل الحفاظ على الخدمات الأساسية ومنع معاناة إضافية للسكان، وأن الحكومة ستكون جاهزة لأي ترتيبات وطنية تنهي الانقسام وتعيد توحيد المؤسسات.

وتزامن وصول وفد حركة حماس إلى القاهرة، برئاسة خليل الحية، مع بدء وصول وفود بقية الفصائل. ومن المقرر أن تبحث الحركة مع المخابرات المصرية تنفيذ المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار وفتح معبر رفح في الاتجاهين، إضافة إلى تسريع تشكيل اللجنة الإدارية واستكمال انسحاب قوات الاحتلال من القطاع. كما يجري وفد الحركة لقاءات مع قادة الفصائل لبحث التطورات السياسية والميدانية، في ظل ضغط دولي متزايد لبلورة ترتيبات سياسية جديدة تتجاوز المرحلة الحالية.

وفي الضفة الغربية، أصدر رئيس الوزراء محمد مصطفى توجيهات للجنة الوزارية للأعمال الطارئة في شمال الضفة برفع مستوى الجاهزية وتنسيق الجهود مع الشركاء الدوليين لتأمين الموارد اللازمة لبدء التحضير لإعادة الإعمار. واستمع المجلس إلى تفاصيل الخطة المعدة بالتعاون مع المؤسسات المختصة، وأشار في بيانه إلى أن الاحتلال يتحمل المسؤولية الكاملة عن وفاة الأطفال في غزة بسبب البرد القارس والعجز عن توفير المسكن والدفء، مطالبًا بضغط دولي لرفع الحصار والسماح بإدخال المساعدات ومواد البناء والكرفانات.

واستعرض مجلس الوزراء جهود غرفة العمليات الحكومية في غزة التي تمكنت من توفير خيام محلية الصنع، ونقل مئات العائلات إلى مناطق أكثر أمانًا، وإصلاح شبكات المياه، وتعزيز الموارد المائية، وإزالة الركام من الطرق الحيوية رغم القيود الإسرائيلية.

وجدد المجلس دعوته للدول العربية والإسلامية للتصدي لإجراءات الاحتلال في القدس، ووقف مخطط E1 الاستيطاني، محذرًا من تداعياته الخطيرة المتمثلة في تهجير القرى البدوية وهدم المنازل وقطع التواصل الجغرافي الفلسطيني. كما أدان قطع الاحتلال الكهرباء والمياه عن مباني الأونروا في القدس واعتبره تصعيدًا يستهدف الوجود القانوني للوكالة وخدماتها.

وتناول المجلس ملف الازدحامات على المعابر، وأصدر توجيهات لجهات الاختصاص للعمل كخلية أزمة لتأمين عودة آمنة للمعتمرين والمسافرين، داعيًا المجتمع الدولي للضغط على الاحتلال لتسهيل الحركة وفتح المعابر على مدار الساعة. وفي سياق آخر، رفع المجلس توصيات بتعيين رئيس لسلطة جودة البيئة ووكيل لوزارة الأوقاف عبر آليات تنافسية، وصادق على خطط تعزيز الدفاع القانوني عن الأراضي في المناطق المصنفة (ج) ووقف مشروع التسوية الإسرائيلي، إضافة إلى إقرار زيادة كميات من الأدوية لصالح وزارة الصحة.

وفي تطور خطير، كشفت هيئة البث الإسرائيلية الرسمية عن النسخة النهائية لمشروع قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين شنقًا، الذي بادر إليه وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير وصادق عليه الكنيست بالقراءة الأولى. وينص القانون على تنفيذ الإعدام خلال 90 يومًا من صدور الحكم، بحضور مدير السجن وممثلين قضائيين، وتكليف سجان مجهول الهوية محصن قانونيًا بتنفيذ العملية. كما يفرض احتجاز الأسرى المحكومين بالإعدام في منشآت معزولة وحرمانهم من الزيارات المباشرة، ويسمح بإجراء لقاءات مع المحامين عبر الاتصال المرئي فقط. ويتيح المشروع إصدار حكم الإعدام دون طلب من النيابة وبأغلبية عادية من القضاة، ويفرض تطبيقه بشكل إلزامي في الضفة الغربية مع السماح بالطعن في الإدانة فقط لا العقوبة، ما يعني إمكانية تطبيقه على آلاف الأسرى.

ويقول بن غفير إن المشروع لا يمنح أي سلطة تقديرية للمستشار القانوني للحكومة، ويتيح تنفيذ الإعدام رغم اعتراضه، في خطوة ينظر إليها حقوقيون على أنها تمثل فصلًا جديدًا من التصعيد المنهجي ضد الأسرى الفلسطينيين.

إنسانياً، قالت منظمة اليونيسف إن أكثر من مئة طفل قتلوا في غزة منذ وقف إطلاق النار في تشرين الأول الماضي، بمعدل طفل واحد يوميًا. وأوضح المتحدث جيمس إلدر أن الأطفال سقطوا بفعل الغارات الجوية والطائرات المسيرة وقذائف الدبابات والذخيرة الحية، إضافة إلى ستة أطفال ماتوا بسبب انخفاض حرارة أجسادهم خلال الشتاء، مؤكدًا أن الرياح العاتية تمزق الخيام على شاطئ غزة، وأن الحياة في القطاع ما تزال “خانقة” رغم تراجع وتيرة القصف. وأشار إلى تحسن نسبي في الرعاية الصحية الأولية عبر فتح أولى العيادات في شمال القطاع وتوسيع خدمات التحصين، لكنه أكد أن عمليات الإجلاء الطبي لا تزال متوقفة وأن الأطفال المصابين بإصابات خطيرة يواجهون خطر فقدان البصر أو الموت. كما حذر من الحظر الإسرائيلي المفروض على المنظمات الدولية الشهر المقبل، ما سيعني تعطيلًا واسعًا للمساعدات المنقذة للحياة، مشددًا على ضرورة السماح للصحفيين الدوليين بالدخول لكشف الواقع على الأرض.

وأكد إلدر أن الدمار في غزة ما يزال مذهلًا في حجمه واتساعه، وأن الأضرار النفسية على الأطفال تزداد عمقًا يومًا بعد يوم. ورغم وقف إطلاق النار، فإن الأطفال ما يزالون يُدفنون تحت الأنقاض، ما يتطلب تحويل الانخفاض النسبي في مستوى العنف إلى أمان فعلي.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

بين أنقرة وأربيل وطهران: هل كان تحالف كردستان إيران بداية لإعادة توزيع الأدوار الكردية؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد في 22 فبراير/شباط 2026 أعلنت خمسة أحزاب كردية إيرانية...

التحالف التركي–السعودي–الباكستاني وإعادة تشكيل القضية الكردية: هل كان إقليم كردستان يستعد ليكون في قلب المعادلة؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد كانت هناك إشارات مبكرة إلى أن المنطقة تتجه نحو...

أنفاق الحزب في كسروان وجبيل والمختارة .. الرواية والدليل؟

أخباركم - أخبارنا/ فاطمة حوحو لم تكن عبارة شارل جبور عن أنفاق حزب الله في...

محمد نجيب الله وأفغانستان بين مشروع الدولة الحديثة وسقوط الجمهورية: من الإصلاحات إلى رعب طالبان

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد البدايات: طبيب من كابول يصعد إلى قيادة دولة ممزقة وُلد...

More like this

سورية.. كم كانت متطوّرة.. قراءة في تاريخ الحياة الحزبية والديمقراطية في سورية

أخباركم - أخبارنا بقلم: نجم الدين الخريطالأمين العام للحزب الشيوعي السوري الموحد وعضو الكتلة...

ست سنوات على انفجار مرفأ بيروت .. القرار الظني يقترب… فهل تقترب العدالة من أصحاب النفوذ والسلاح؟

أخباركم- أخبارنا/ مسعود محمد بيروت تستعيد لحظة الموت… واللبنانيون لا يصدقون الوعود في الرابع من آب...

3 آب 2014: حين أُبيحت سنجار باسم الدين وعادت أسواق العبيد في زمن القانون الدولي

بقلم: مسعود محمد في الثالث من آب/أغسطس 2014، لم يشن تنظيم داعش هجوماً عسكرياً عادياً...