أخباركم – أخبارنا
كتبت فاطمة حوحو
لا يمكن حصر برنامج “يلا ندبك” الذي يبث عبر شاشةMTV اللبنانية يوم الأحد في إطار الترفيه العابر أو المسابقات الموسمية، إنه في جوهره عملية استرداد للمجال العام، وإعادة بناء للهوية الوطنية عبر لغة الجسد. ففي ظل الأزمات الوجودية التي تعصف بلبنان، تبرز الدبكة هنا ليس كفولكلور جامد، بل كأداة سوسيولوجية فاعلة لترميم التصدعات الاجتماعية.

من منظور اجتماعي، تتجلى الدبكة كأرقى تجسيد لمفهوم التضامن العضوي. في البرنامج نرى فسيفساء جغرافية لبنانية متنوعة، لكنها بمجرد وقوفها في الحلقة، تخضع لقانون واحد وإيقاع موحد. إن تلاحم الأكتاف هو ترجمة بصرية لإلغاء المسافات بين الطوائف والمناطق، ومحاولة واعية لإيجاد إيقاع وطني يتجاوز ضجيج الصراعات السياسية، محولاً المشاهد من متلقٍ للأخبار المحبطة إلى شريك في طاقة جماعية تعيد الاعتبار لكلمة “نحن”.
فنياً، نجح البرنامج في فك الحصار عن الدبكة وإخراجها من رفوف المتاحف. فقد استطاع المزج بذكاء بين الحركات التقليدية الضاربة في الجذور الريفية، وبين “الكوريغرافيا” الحديثة المدعومة بتقنيات إضاءة وأزياء مبتكرة. هذا التطور حوّل الدبكة إلى لغة بصرية تنافس الاستعراضات العالمية، مما منح الشباب اللبناني فخراً بموروثهم، وأكد أن الهوية اللبنانية ليست قالباً جامدا، بل كائن حي يتنفس ويتجدد.

عنوان البرنامج “يلا ندبك” هو في حقيقته دعوة للنهوض وفرح لمقاومة اليأس. ففي بلد أرهقته الحروب، تصبح ضربة القدم القوية على خشبة المسرح رسالة رمزية تعلن: “نحن هنا.. وجذورنا أعمق من الريح”. إنها استعارة حية لأسطورة طائر الفنيق الذي يخرج من رماده راقصًا ومتحديًا، محولاً الأرض اللبنانية إلى مسرح للمنافسة الشريفة ودرساً بليغًا في السياسة بمفهومها الراقي: كيف نختلف في الأداء والمنشأ، ونلتقي في النهاية على ذات اللحن وبذات اليد التي تقبض على يد الآخر.
في “يلا ندبك” تسقط القواعد التقليدية لبرامج الإقصاء. ورغم وجود لجنة تحكيم وتصويت، إلا أن المشاهد يدرك أن النتيجة الرقمية هي آخر ما يهم. فالغاية هنا هي الجذب لا الاستبعاد، والمنافسة مجرد محرك درامي لاستعراض إبداع كل منطقة، حيث تأتي فرق من بيروت والجبل والجنوب والشمال والبقاع حاملةً هويتها المحلية كهدية للوطن الكبير. إن مشهد الفرق وهي تبارك لبعضها في الكواليس يؤكد أن الروح الوطنية هي التي تقود الحلقة، لا الرغبة في الكسب المادي.

بهذا يمكننا القول إن كسب لبنان الرهان بقدرته على صناعة الجمال من رحم المعاناة. الفائز الحقيقي هو التراث الذي انبعثت فيه الحياة، والمستقبل الذي يكتبه الشباب بأقدام واثقة. في هذا البرنامج، الحالة الجماعية هي البطل، ولا وجود لخاسر ما دام الجميع متمسكًا بيد الآخر، وما دام الإيقاع نابضًا في قلب بيروت وكل الجهات.
تحية إكبار لكل من ساهم في هذا العمل.. من لجنة التحكيم الثلاثية المبدعة: الأساتذة نادرة عساف وعمر كركلا وربيع نحاس، وصولاً إلى حضور كارلا حداد وطوني بارود المتألقين، وإلى كل جنود الخفاء من إخراج وإعداد وتقنيات. لقد أثبتم أن الدبكة ليست مجرد رقصة، بل هي ميثاق وحدة يجمع القلوب قبل الأكتاف، وأن ضربة أقدامكم هي الرد الأقوى على الانكسار.استمروا.. فبكم ينهض الفنيق، وبكم يظل لبنان هو الرهان الرابح دائما.




