أخباركم – اخبارنا
تقرير لبنان السياسي
وسط زحمة دبلوماسية غير مسبوقة، تحولت بيروت اليوم إلى نقطة ارتكاز للجهود الإقليمية والدولية، إذ تلاقت جولات الخماسية مع موفدين سعوديين وفرنسيين وأميركيين، وزيارات لرؤساء حكومات ودبلوماسيين عرب وأوروبيين، في سياق مساعٍ مضاعفة لدعم الجيش اللبناني وتعزيز قدرات مؤسسات الدولة.
في موازاة ذلك، تتواصل التحضيرات للمؤتمر الدولي في باريس المقرر في 5 آذار، بعد اجتماع تحضيري في الدوحة، فيما تتصدر قضية حصر السلاح ومخزوناته شمال الليطاني المشهد الداخلي، وسط موقف داعم للرئيس عون من أحزاب عدة وتهديدات من آخرين بفوضى محتملة.
وعلى خط موازٍ، تعكف وزارة الخارجية على تحضيرات شاملة لإجراء انتخابات المغتربين، بعد إتمام عملية التسجيل بنجاح، في خطوة تعكس حرص الدولة على مشاركة اللبنانيين في الخارج، بينما تتواصل الاجتماعات الثنائية والمتعددة الأطراف لتعزيز التعاون الاقتصادي والاجتماعي والأمني، كما ظهر في توقيع 21 اتفاقية ومذكرة تفاهم بين لبنان والأردن تغطي الطاقة، الصناعة، النقل، التعليم، الصحة، السياحة، والخدمات الاجتماعية.
وفيما تتصاعد الاحتجاجات والاضرابات داخل القطاع العام، تتواصل الجهود لمعالجة مطالب العاملين والجامعيين، بالتوازي مع تحركات مصرف لبنان والقضاء الفرنسي لاسترجاع الأموال المنهوبة، ما يؤكد أن البلاد تخوض معركة مزدوجة: تعزيز الدولة ومؤسساتها داخليًا، وضمان الدعم الدولي والإقليمي للخروج من أزمات مركبة على أكثر من جبهة. بيروت اليوم تبدو مركزًا للسياسة والديبلوماسية والاقتصاد، ملتقى لكل الملفات الكبرى، في لحظة فارقة تحمل فيها كل حركة دبلوماسية أبعادًا محلية وإقليمية ودولية متشابكة.
فقد تقدمت الجهود الدبلوماسية الدولية بشكل أسرع من المخاوف اللبنانية بشأن دعم الجيش، إذ تم تحديد موعد مؤتمر دعم الجيش اللبناني في 5 آذار في باريس، بعد جولة حثيثة للخماسية الدولية بمشاركة الموفدين السعودي الأمير يزيد بن فرحان والفرنسي جان إيف لودريان، واتصالات لتأمين أوسع مشاركة ممكنة، على أن يسبق المؤتمر اجتماع تحضيري في الدوحة منتصف الشهر المقبل.
اجتمع الرئيس جوزيف عون في قصر بعبدا مع مستشار وزير الخارجية السعودي الأمير يزيد بن فرحان، والموفد الفرنسي الوزير السابق جان إيف لودريان، والسفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى، وسفراء السعودية ومصر وقطر وفرنسا، بالإضافة إلى مساعد وزير الدولة لشؤون الخارجية القطري، لبحث التحضيرات لمؤتمر دعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي. وأكد المجتمعون على إجراء الاتصالات اللازمة لتأمين مشاركة دولية واسعة، بينما أشارت المتحدثة باسم رئاسة الجمهورية نجاة شرف الدين إلى أن المؤتمر سيفتتحه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.
وبعد اللقاء، عقد اجتماع لسفراء اللجنة الخماسية في قصر الصنوبر، تلاه لقاء مع قائد الجيش العماد رودولف هيكل، حضره الموفدان بن فرحان ولودريان، وناقش المشاركون تحويل الاجتماع الثلاثي بين واشنطن وباريس والرياض إلى خماسي بإضافة قطر ومصر، وهو ما تحقق بالفعل. وأقيمت مأدبة إفطار بين السفراء والموفدين لتوحيد الجهود لدعم الجيش والقوى الأمنية، بينما اتفق أعضاء الثلاثية على عقد اجتماع تحضيري في الدوحة منتصف الشهر المقبل.
من جهته، زار الأمير يزيد بن فرحان الرئيس نواف سلام في منزله، واستقبل النائبين فؤاد مخزومي وأشرف ريفي، وتم خلال اللقاءات التأكيد على أهمية الحفاظ على استقرار لبنان وأمنه، ودعم جهود تعزيز مؤسسات الدولة واحترام سيادتها. كما استقبل الرئيس سلام الموفد الفرنسي لودريان واطلع على التحضيرات لمؤتمر دعم الجيش، مؤكداً فرنسا دعمها لمشروع قانون الانتظام المالي واستعادة الودائع.
الرئيس نبيه بري استقبل بدوره لودريان ممثلاً عن الخماسية الدولية، وناقش اللقاء تطورات الأوضاع في لبنان والمنطقة، مؤكداً التزام لبنان بالقرار 1701 واتفاق تشرين الثاني 2024، ومطالباً بوقف انتهاكات إسرائيل للسيادة اللبنانية واحتلالها أجزاء من الجنوب.
وفي الملف الداخلي، أكد رئيس حزب الكتائب سامي الجميّل بعد لقاءه رئيس الجمهورية أن المقابلة مع عون مهمة لتوضيح الموقف الرسمي من السلاح خارج إطار الدولة، وأن ما يطرحه الرئيس لمصلحة لبنان، مشيراً إلى أن حصر السلاح في شمال الليطاني يشكل اختباراً للدولة، مع استمرار الجيش في ضبط المخازن، وكشف عن استيلاء الجيش على مخزن سلاح في البقاع خلال الأيام الماضية.
وعلى صعيد الانتخابات، عممت وزارة الخارجية والمغتربين على رؤساء البعثات والقنصليات اللبنانية في الخارج ضرورة التحضير لإجراء انتخابات النواب لغير المقيمين، وفق القانون 44/2017، مع التركيز على تسجيل اللبنانيين، وتنقيح اللوائح الانتخابية الأولية قبل الأول من شباط 2026، وإعداد الكلفة التقديرية للعملية الانتخابية والموارد البشرية المطلوبة، مع التنسيق مع وزارة الداخلية لتأمين المستلزمات الأساسية.
وفي زيارة رسمية، وصل رئيس وزراء الأردن جعفر حسان إلى بيروت واستقبله الرئيس سلام في المطار، وتوجها إلى السراي الحكومي لعقد اجتماع اللجنة العليا المشتركة اللبنانية-الأردنية، حيث أكد سلام أن العلاقة بين البلدين ثابتة وتقوم على الثقة المتراكمة لضمان الاستقرار الإقليمي، فيما شدد حسان على دعم الأردن للبنان في تأمين احتياجاته من الكهرباء والغاز الطبيعي، وتطوير التعاون المؤسسي بين البلدين، بما ينعكس إيجاباً على مصالح الشعبين.
عقد الاجتماع الثنائي بين سلام وحسان، أعقبه اجتماع اللجنة العليا بحضور الوزراء من الجانبين، حيث تم توقيع 21 اتفاقية ومذكرة تفاهم شملت مجالات متعددة: التعاون الصناعي، البرامج التنفيذية للتدريب المهني والتعليم، حماية المستهلك، تبادل الخبرات الضريبية، التحول الرقمي وتكنولوجيا المعلومات، النقل والطرق والجسور، التعاون الشبابي، الإدارة المحلية، الحماية المدنية والدفاع المدني، التنمية الاجتماعية، السياحة، الإعلام، الضمان الاجتماعي، مجالات العمل، الكهرباء والغاز والطاقة المتجددة، حماية البيئة، التعاون الاستثماري، والخدمة المدنية. كما تم توقيع محضر الدورة الثامنة للجنة العليا.
سياسياً، انسحب النائبان زياد الحواط وفادي كرم من جلسة لجنة الدفاع والداخلية النيابية احتجاجاً على ما اعتبرته “مراوغة” في مناقشة مشروع قانون انتخاب المغتربين، مؤكدين وجود مخالفة في النظام الداخلي ومحاولة حرمان اللبنانيين في الخارج من المشاركة في الانتخابات.
اقتصادياً، استمر الإضراب في القطاع العام، حيث استقبل الرئيس سلام وفود رابطة الأساتذة المتعاقدين ورابطة العاملين في الجامعة اللبنانية لمناقشة ملفات التفرغ وزيادة المستحقات، وقررت بعض الجهات التريث في الإضراب في انتظار جلسات مجلس الوزراء المقبلة.
مالياً، عقد حاكم مصرف لبنان لقاءات مع قاضية التحقيق الفرنسية كليمانس أوليفييه في باريس، لتنسيق التحقيقات المتعلقة بالتحايل على أموال المصرف، حيث تبين وجود أفعال متعمدة ومنسقة للاستيلاء على أموال المصرف، شملت أفراداً وشركات في أوروبا وملاذات ضريبية، ما أتاح للمصرف تطوير استراتيجيته القانونية لتعزيز استرجاع الأموال المنهوبة، مع تحديد سلسلة إضافية من جلسات العمل مع القضاء الفرنسي.
تواكب هذه التطورات جهود دعم الجيش والقوى الأمنية، في وقت تتواصل المساعي الدولية لحصر السلاح بيد الدولة، وتأكيد الحكومة التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، وإعداد الانتخابات للناخبين في الخارج، وتعزيز التعاون الثنائي مع الأردن في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والخدمية. وتعكس هذه التحركات حرص لبنان على استعادة سيادته، وتحصين مؤسساته، والالتزام بالاتفاقيات الدولية، مع العمل على تخفيف التوتر الداخلي وتحقيق استقرار اقتصادي وأمني في ظل تحديات إقليمية مستمرة، بما فيها تصعيد الوضع في فلسطين وغزة وضرورة إدخال المساعدات الإنسانية، إلى جانب متابعة الملف المالي وملاحقة الأموال المنهوبة دولياً، ما يؤكد تكامل الجهود بين الداخل والخارج لدعم الدولة ومؤسساتها.



