أخباركم – أخبارنا / د. وفيق ريحان
غزّة تلفظ أنفاسها الأخيرة…
ألا من ناصرٍ ينقذها؟
تتوالى المجازر، وجرائم الإبادة، والاستنزاف البشري، والنزوح الدامي، والموت المريب. ويوماً بعد يوم، ترتفع أصوات الاستغاثة من كل ناحية: من خيمة، ومن تحت أنقاض أبنية مهدّمة، لوضع حدّ لهذا الطغيان العنصري، لكن دون فائدة. فالأهداف الباطنية لم تكتمل صورتها بعد، بل إن دولاً عظمى بدأت تتشاور حول كيفية غزوها، واقتسامها، وتطويعها، واستعبادها، ونهب ثرواتها.
فتحول المجرم إلى ضحية، وأصبحت الضحايا في قفص الاتهام، وسوف تتم محاكمتها في محاكم ميدانية وعسكرية بديلة، بعيداً عن محاكم العدل الدولية، أو محكمة الجنايات الدولية، أو وفق شريعة حقوق الإنسان، أو القانون الدولي الإنساني، أو المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، أو اتفاقيات جنيف الأربع وسواها، لأنها سقطت جميعها في محرقة غزّة، وأكلتها نيران الحقد الإبراهيمي على كل الأعراق الأخرى التي لا ترقى، في عيون الصهاينة، إلى مستوى الإنسان.
لقد بدأ التاريخ يرسم معالم نظام عالمي جديد، وقوده أبناء الأوطان الفقيرة بأنظمتها المهترئة، وطغيان الأنظمة العميلة لأسيادها الأقوياء، حيث حلّت شريعة الغاب مكان الشرائع الدولية، التي لم تعد تُشبع رغبات الدول والأنظمة المتعطّشة للدماء، وللهيمنة، وللاستيلاء على ثروات الشعوب وتدجينها، كي تدور في فلك مصالحها المتجددة، خارج أطر الزمان والمكان والتاريخ والجغرافيا.
هذا الواقع ينسحب على مساحة الكرة الأرضية في عالم الحداثة والتكنولوجيا المدمّرة لأحلام الشعوب الفقيرة في إرساء أسس العدالة الدولية التي تحمي مصالحها ومستقبل أجيالها، لتجد نفسها على قارعة الصراع الدولي بين الوحوش الكاسرة والإمبراطوريات المتجددة.
إن كرة النار الملتهبة في غزّة سوف تمتد نيرانها لتشعل العالم بأكمله، بعد استغاثة أطفالها ونسائها وشيوخها دون أية استجابة دولية أو إقليمية، باستثناء الحديث عن تقاسم المغانم بعد انتهاء المحرقة.
لن تغفر الإنسانية جرائم الصهاينة وأحلافهم الوضيعة والمتآمرة، ولو بعد إقامة الصلاة على الأرواح البريئة في مدافن العزّة المعهودة، والكرامة المسلوبة، والدماء المسفوكة على أرض الوطن السليب.
ولن تكون نهاية غزّة نهاية لشرائع الإنسانية أو حقوق الإنسان، ما دامت الشعوب تنتفض في كل أرجاء العالم ضد همجية الصهاينة وحلفائهم، حتى في البلدان التي تشترك أنظمتها في عملية اغتيال القيم السماوية والإنسانية والعقائدية.
ذلك أن مصالح الشعوب تفترق عن مصالح أنظمتها عندما تتعارض مع حقوق البشرية، ولأن العالم الجديد لن يتمكن من أسر كل شعوب العالم في سجن المصالح الضيقة لبعض طغاة العصر، ولأن حرية الشعوب هي السلاح الأقوى في مواجهة شريعة الغاب، شريعة هولاكو وهتلر وكل الطغاة على مرّ التاريخ.
انتظروا…
وصلّوا من أجل غزّة،
لتنتصر،
ولتنتصر معها كل شعوب العالم على جلّاديها المختبئين خلف الديمقراطيات الزائفة، والشعارات الكاذبة والخبيثة، والساعية إلى تدمير هيكل القيم والعقائد التي حفظت استمرار البشرية من جيل إلى جيل.



