أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد
لم تعد إيران اليوم ذلك الفاعل الإقليمي الواثق الذي يدير نفوذه الخارجي من موقع فائض القوة. فخلف الخطاب السياسي الصلب، تتراكم في الداخل الإيراني أزمات عميقة، اقتصادية واجتماعية وسياسية، تجعل من الصعب فصل ما يجري داخل البلاد عمّا يحدث في الإقليم. إن قراءة الدور الإيراني اليوم، ولا سيما في لبنان، لا يمكن أن تكون دقيقة ما لم تبدأ من الشارع الإيراني نفسه.
إيران: دولة تحت ضغط مستمر
تعيش إيران منذ سنوات حالة إنهاك داخلي متصاعد. العقوبات الدولية لم تعد مجرد عبء اقتصادي، بل تحولت إلى عامل بنيوي يضرب الحياة اليومية للإيرانيين: تضخم مرتفع، تراجع حاد في قيمة العملة، بطالة متزايدة، وانكماش في الطبقة الوسطى التي شكّلت تاريخيًا صمام أمان اجتماعي للنظام.
لكن الأخطر من الأرقام هو ما يجري في الشارع. الاحتجاجات لم تعد حدثًا استثنائيًا، بل صارت ظاهرة دورية، تتخذ أشكالًا متعددة: احتجاجات عمالية، تحركات طلابية، تظاهرات نسوية، وانتفاضات مطلبية في الأطراف المهمشة. هذه التحركات، حتى حين تُقمع، لا تختفي، بل تعود بأشكال أخرى، ما يشير إلى أزمة ثقة عميقة بين الدولة وشرائح واسعة من المجتمع.
أمام هذا الواقع، بات همّ السلطة الإيرانية الأول هو ضبط الداخل، لا توسيع النفوذ الخارجي. وهذا التحول في الأولويات لا يُعلن رسميًا، لكنه ينعكس عمليًا في السياسات والقرارات.
من تصدير النفوذ إلى إدارة الخسائر
لطالما اعتمدت إيران على شبكة تحالفات إقليمية كجزء من استراتيجيتها الدفاعية والهجومية في آن واحد. غير أن هذه الشبكة، التي كانت تُموَّل وتُدار في زمن الوفرة النسبية، باتت اليوم عبئًا ماليًا وسياسيًا في زمن الشحّ.
في هذا السياق، يبرز حزب الله كنموذج دالّ. فمع تصاعد الضغوط الداخلية في إيران، يُلاحظ تراجع نسبي في مستوى الدعم المالي والسياسي المباشر الذي كان يُقدَّم للحزب. هذا التراجع لا يعني نهاية العلاقة، لكنه يشير إلى انتقال من مرحلة التوسع إلى مرحلة ترشيد النفوذ.
إيران اليوم لا تبحث عن مغامرات جديدة، بل عن الحفاظ على الحد الأدنى من حضورها الإقليمي بأقل كلفة ممكنة، حتى لو كان ذلك على حساب قدرة حلفائها على المناورة.
حزب الله بين الإقليم والدولة اللبنانية
يُنظر إلى حزب الله، في جزء كبير من التحليل السياسي، بوصفه فاعلًا إقليميًا مرتبطًا بالاستراتيجية الإيرانية. هذا الارتباط جعل دوره يتجاوز الإطار اللبناني، ليصبح جزءًا من صراعات ومحاور لا يملك لبنان ترف تحمّل كلفتها.
في المقابل، يعاني لبنان من ضعف تاريخي في مؤسسات الدولة، وانهيار اقتصادي غير مسبوق، وعجز عن فرض سيادة كاملة أو إنتاج قرار وطني جامع. وفي مثل هذا السياق، يصبح أي دور إقليمي خارج إطار الدولة عبئًا إضافيًا على مجتمع منهك أصلًا.
ومع تراجع القدرة الإيرانية على الدعم غير المحدود، يجد حزب الله نفسه أمام معادلة أكثر تعقيدًا: أدوار إقليمية ثابتة، مقابل موارد أقل، وبيئة لبنانية أكثر هشاشة.
لحظة إعادة التفكير
ما يجري اليوم يطرح سؤالًا جوهريًا: هل ما زالت المعادلات القديمة صالحة؟
إيران، المنهمكة في أزماتها الداخلية، لم تعد قادرة على إدارة الإقليم كما في السابق. وحزب الله، المرتبط بهذه المعادلة، يواجه واقعًا لبنانيًا لا يحتمل مزيدًا من الانخراط الخارجي.
إن ضعف المركز الإيراني لا يعني بالضرورة انهيار نفوذه، لكنه يعني تغيّر قواعد اللعبة. وفي لبنان، حيث الدولة ضعيفة والمجتمع مثقل بالأزمات، يصبح ثمن أي رهان إقليمي أعلى من أي وقت مضى.
في النهاية، لا يمكن لأي مشروع إقليمي أن يستمر طويلًا إذا كان الداخل الذي يغذّيه مأزومًا، ولا يمكن لأي فاعل محلي أن يبقى بمنأى عن التحولات الكبرى في المركز الذي يستند إليه. ما نشهده اليوم ليس لحظة سقوط، بل لحظة إعادة تشكيل… والسؤال المفتوح هو: من يملك القدرة على قراءة هذه اللحظة قبل أن تتحول إلى أزمة أكبر؟



