أخباركم – أخبارنا
تقرير فلسطين السياسي
في وقتٍ تتزاحم فيه المبادرات الدولية والصفقات السياسية فوق ركام غزة المحاصرة، يبرز مشهدٌ موازٍ على الأرض يكشف فجوةً واسعة بين الخطط المعلَنة والواقع الميداني المتحوّل. فبينما يعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن تشكيل “مجلس السلام” وتتحرك إدارته لإطلاق المرحلة الثانية من خطتها في غزة ، تواصل الطائرات الاسرائيلية هدم المنازل، وتتوسع الجرافات في رسم خطوط جديدة على الخرائط، فيما تُبنى مخيمات خيام هائلة لاستيعاب عشرات الآلاف من النازحين الذين يزداد عددهم كل يوم.
وفي الخلفية، تدور حركة دبلوماسية كثيفة: الوسطاء يتواصلون مع حماس سرًا حول ترتيبات نزع السلاح، وواشنطن تتحدث عن برامج عفو محتملة، ودول عدة تبحث إرسال قوات استقرار دولية وسط تردد وهواجس أمنية. وفي المقابل، تنفجر خلافات الفصائل الفلسطينية حول تشكيلة لجنة إدارة غزة، التي يفترض أن تتولى السلطة المدنية خلال المرحلة الانتقالية، بينما تُمارس ضغوط لإبعاد أسماء مثيرة للجدل قد تهدد بإفشال التوافق الهشّ.
وعلى الأرض، تكشف صور الأقمار الصناعية—بحسب “هآرتس”—عن توسّع مستمر لسيطرة جيش الاحتلال إلى أكثر من نصف مساحة القطاع، وهدم منهجي لمئات المباني حتى خلال وقف إطلاق النار، في انسجام واضح مع مخطط هندسة واقع دائم لا يعترف لا بالخطط الأميركية ولا بوعود السلام. هكذا تتقاطع التصريحات الضخمة مع واقعٍ شديد التعقيد، حيث تُرسم الملامح المقبلة لغزة بين غرف المفاوضات ومواقع الدمار، وبين مشاريع دولية لا تزال معلّقة على خيط من الشك، وأرضٍ تُعاد صياغتها بالقوة يوماً بعد يوم.
فقد أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، عبر منصة “تروث سوشيال”، عن تشكيل ما أسماه “مجلس السلام”، مؤكدًا أن أسماء أعضائه ستُنشر قريبًا، ومعتبرًا المجلس “الأعظم والأكثر مكانة” في تاريخ الهيئات المشابهة. ويأتي هذا الإعلان بالتزامن مع تحركات أميركية متسارعة على خط غزة، تشمل إطلاق المرحلة الثانية من الخطة الأميركية لإنهاء الحرب، والانتقال من وقف إطلاق النار إلى مسار نزع السلاح وإعادة الإعمار وإنشاء إدارة تكنوقراطية انتقالية.
وكان المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف قد أعلن، الأربعاء، بدء المرحلة الثانية من الخطة، موضحًا أن الإدارة الانتقالية ستحمل اسم “اللجنة الوطنية لإدارة غزة”، وأنها ستكون مسؤولة عن الحكم المدني ونزع السلاح الكامل، خصوصًا الأسلحة الثقيلة والصواريخ والقذائف. وقال ويتكوف إن الولايات المتحدة تتوقع من حماس الالتزام الكامل، محذرًا من “عواقب خطيرة” إذا لم تلتزم الحركة بتسليم جثة آخر أسير إسرائيلي.
وزعم ويتكوف أن المرحلة الأولى من الخطة حققت “إنجازات كبيرة”، بينها تقديم مساعدات إنسانية واسعة، والحفاظ على وقف إطلاق النار، والإفراج عن جميع الرهائن الأحياء، واستعادة رفات 27 من أصل 28 رهينة قُتلوا سابقًا. وتؤكد واشنطن أن المرحلة الثانية ستتم عبر محادثات موازية: الأولى مع حماس بشأن نزع السلاح، والثانية مع إسرائيل بشأن برنامج عفو محتمل لعناصر الحركة في حال قبولهم التخلي عن أسلحتهم.
وكشف دبلوماسي أوروبي أن إعلانًا جديدًا حول “مجلس السلام” سيصدر الأسبوع المقبل في منتدى دافوس، في حين أكد مسؤول أميركي أن دعوات رسمية وُجّهت بالفعل إلى أعضاء محتملين اختارهم ترامب. وبحسب موقع “أكسيوس”، فقد أجرت واشنطن والوسطاء اتصالات خلف الكواليس مع حماس خلال الأسابيع الأخيرة بشأن آليات نزع السلاح، وأن إدارة ترامب تخطط لتطبيق ذلك على مراحل، تبدأ بتدمير الأنفاق ومصانع السلاح وتجميع الأسلحة الثقيلة في مواقع آمنة بعيدًا عن الاستخدام العسكري. كما تشمل الخطة إنشاء قوة شرطة فلسطينية تعمل تحت سلطة الحكومة التكنوقراطية وتمسك حصريًا بملف الأمن الداخلي.
ويقول مسؤولون أميركيون إن الحركة أعطت “إشارات إيجابية” بشأن مسار نزع السلاح، وإن واشنطن تطمح لنشر قوات استقرار دولية في مناطق غزة التي لا تزال تحت السيطرة الإسرائيلية، بما يتيح انسحابًا تدريجيًا لجيش الاحتلال. وتشير التسريبات إلى أن عدة دول أبدت استعدادًا للمشاركة، على أن يُعلن ذلك خلال أسبوعين، فيما ترددت دول أخرى بسبب خشيتها من الانخراط في صدام محتمل مع حماس وفصائل مسلحة أخرى. وتبرز تركيا بين الدول الراغبة، لكن إسرائيل تعارض مشاركتها بشدة. وتعتقد إدارة ترامب أن إشراك أنقرة ضروري “لأن لها تأثيرًا مباشرًا على حماس”، وأن واشنطن ستسعى لإعادة ترميم العلاقة التركية – الإسرائيلية المتوترة منذ بداية الحرب.
وفي السياق الداخلي الفلسطيني، تواصلت المشاورات في القاهرة بشأن تشكيل اللجنة الوطنية الانتقالية لإدارة غزة. وكشفت مصادر مطلعة أن الفصائل تمارس ضغوطًا كبيرة لاستبعاد اللواء المتقاعد سامي نسمان من تولي الملف الأمني داخل اللجنة، بسبب قضايا أمنية وأحكام غيابية صادرة بحقه في غزة. ووفق المصادر، فإن الإبقاء على نسمان قد يؤدي إلى “تفجير” التشكيلة ويهدد فرص نجاحها. كما تضغط فصائل أخرى لاستبعاد رامي حلّس من ملف الأوقاف، وتؤكد على ضرورة عقد الاجتماع الأول للجنة تحت رعاية مصرية، وليس في السفارة الأميركية بالقاهرة كما اقترح الوسطاء. وتشير المعطيات إلى أن سفر أعضاء اللجنة من غزة تأخر بسبب إجراءات التنسيق، وقد يُعقد الاجتماع الأول فور وصولهم.
وأعلنت الفصائل والقوى الفلسطينية في القاهرة دعمها تشكيل اللجنة الانتقالية وضرورة توفير الظروف لعملها الفوري في إدارة الشؤون الحياتية والخدمات بالتعاون مع مجلس السلام واللجنة التنفيذية الدولية، فيما أعلنت الرئاسة الفلسطينية دعمها الكامل للخطوة، معتبرة أنها تأتي في إطار تثبيت وقف إطلاق النار والتمهيد للمرحلة الثانية من خطة ترامب.
وفي موازاة الجهد السياسي، تكشف التقارير الإسرائيلية واقعًا ميدانيًا مغايرًا. فقد نشرت صحيفة “هآرتس” تحليلًا مفصلًا مبنيًا على صور أقمار صناعية حديثة، يظهر استمرار جيش الاحتلال في هدم مئات المباني وتغيير شكل مناطق واسعة من قطاع غزة، رغم مرور ثلاثة أشهر على وقف إطلاق النار. وتقدّر الصحيفة أن الاحتلال يسيطر فعليًا على نحو 54% من مساحة القطاع، وأن انتشاره على طول “الخط الأصفر” لم يعد مؤقتًا، بل بات جزءًا من خطة طويلة الأمد لتشكيل منطقة عازلة واسعة ومحصنة. وتُظهر الصور توسع عمليات التجريف في جباليا والشجاعية، واستمرار هدم مبانٍ حتى في مناطق يفترض أنها خارج سيطرة الاحتلال.
وتشير صور شركة “بلانت لابس” إلى إنشاء 13 موقعًا عسكريًا جديدًا منذ بدء وقف إطلاق النار، خصوصًا في محيط جباليا، حيث أُقيمت نقاط مرتفعة بعد عمليات تجريف واسعة، ما يوحي باستعدادات أمنية ممتدة. وتؤكد المعطيات وجود تناقض واضح بين المسار الذي تعلنه إسرائيل لـ”الخط الأصفر” وبين الواقع على الأرض، إذ تتقدم قواتها مئات الأمتار غرب حدود المسار المعلن في الشجاعية ومناطق أخرى. وتبدو عمليات التوسع منهجية ومتواصلة، وليست خطوة تكتيكية أو محدودة بزمن.
وترصد الصور كذلك اتساع نطاق تجمعات الخيام التي أنشأتها حماس في وسط القطاع وجنوبه لاستيعاب مئات الآلاف من النازحين. وتدّعي “هآرتس” أن لهذه التجمعات أبعادًا سياسية وإدارية، وأن الحركة تسعى عبرها لإظهار قدرتها على إدارة الشأن المدني رغم الظروف الصعبة.
وبينما تعلن واشنطن المرحلة الثانية، يوضح التقرير أن الواقع الميداني لم يشهد تغييرات حقيقية على الأرض، وأن الفجوة بين الخطاب الدولي والوقائع لا تزال كبيرة. فوقف إطلاق النار لم يجمّد الوضع، بل سمح لكل طرف بإعادة ترتيب أوراقه: إسرائيل عبر تكريس واقع أمني وجغرافي جديد، وحماس عبر تنظيم المشهد المدني والسياسي داخل مناطق خارج السيطرة الإسرائيلية.
في المحصلة، تتقاطع المبادرات الأميركية مع تحولات ميدانية معقدة، فيما تتداخل حسابات الفصائل الفلسطينية مع ضغوط إقليمية ودولية. وبين مسار “مجلس السلام” ومسار هدم البيوت وتوسيع الخطوط العسكرية، يبقى مستقبل غزة معلّقًا على تفاهمات لم تتبلور بعد، وعلى قدرة الأطراف على إدارة مرحلة انتقالية محفوفة بالتناقضات والمخاطر.توحًا على احتمالات متعددة في انتظار مسار سياسي لم تتضح معالمه بعد.



