أخباركم – أخبارنا
تقرير لبنان الميداني/ ريما يوسف
في غزة، وفي خيمةٍ مهترئة تتشقّق أطرافها مع كل هبّة ريح في قطاع غزة، يجلس الشاب رائد معروف عند بابها، يحدّق في البعيد بعينين أثقلهما الفقد. لم يكن يتخيّل أن تتحوّل حياته، في لحظة واحدة، من معيلٍ لأسرة كبيرة إلى جريحٍ عاجز يطارد بصيص أمل وسط حربٍ تبتلع الإنسان قبل المكان.
ويقول بصوتٍ تختلط فيه الحسرة بالصبر، مسترجعًا لحظة إصابته في يناير 2024 شمال غزة، عندما أطلقت طائرة استطلاع إسرائيلية صاروخًا عليه بينما كان يبحث عن الحطب في منطقة صُنّفت آنذاك “آمنة”. كان يسعى لتأمين لقمة العيش لأسرته المكوّنة من 12 فردًا، قبل أن يفقد ساقيه وذراعه على مراحل، وتُسلب منه القدرة على العمل والحركة والحياة التي عرفها.
يقول رائد إنه كان يعيش برضا رغم الفقر والدمار، يعمل ببيع الخضار ليحفظ كرامته وكرامة عائلته. لكن الإصابة جعلته وأسرته بلا معيل، وبلا طعام كافٍ، وبلا قدرة على متابعة العلاج، ليجد نفسه محاصرًا بالألم والجوع والعجز في خيمة لا تقي بردًا ولا تعبًا.
يقضي رائد أيامه على باب خيمته، يراقب إخوته ويفكر كيف كان يوفّر لهم كل شيء، وكيف صار عاجزًا عن أبسط احتياجاتهم. ورغم كل ما خسره، لا يزال يحمل حلمًا صغيرًا يصرّ على التمسك به: الحصول على أطراف صناعية تعيده للوقوف، ليعود إلى العمل وإعالة عائلته وانتشالها من براثن الجوع والحرمان.
قصة رائد واحدة من آلاف القصص التي تكشف جرح غزة المفتوح، حيث يحارب الإنسان بصاروخ الاحتلال وبصمت العالم معًا.
وفي يوم دام، أدّت غارتان إسرائيليتان على دير البلح إلى استشهاد سبعة أشخاص، بينهم القيادي في كتائب القسام محمد الحولي “أبو فؤاد”، إضافة إلى طفلة وسيدة أربعينية. وأفاد الدفاع المدني في غزة بانتشال جثامين خمسة شهداء من منزل عائلة الحولي في معسكر دير البلح، فيما أسفر قصف آخر عن استشهاد شخصين من عائلتي الجرو وأبو عبيد. وتصف مصادر محلية محمد الحولي بأنه من القادة التاريخيين في كتائب القسام ومسؤول “حماة الثغور” في القطاع، ما يرفع من دلالات الاستهداف وأبعاده العسكرية والأمنية.
حركة حماس حمّلت الاحتلال المسؤولية المباشرة عن هذا التصعيد، معتبرة استهداف منزل الحولي والاعتداءات المتكررة في مناطق مختلفة من القطاع خرقًا فاضحًا لاتفاق وقف إطلاق النار. وأكدت الحركة أن الاحتلال يسعى إلى تعطيل الاتفاق تمهيدًا لاستئناف العدوان، في وقت يتواصل فيه استهداف المدنيين والبنية التحتية ويمتد تأثيره الإنساني إلى كل تفاصيل الحياة اليومية. وأضافت الحركة أن استمرار القصف يعكس استخفاف رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو بالاتفاق، رغم رعاية الولايات المتحدة له وضمانات الوسطاء، ودعت إلى إلزام الاحتلال ببنود الاتفاق من دون تأخير.
في موازاة ذلك، كشف المكتب الإعلامي الحكومي في غزة حجم الخروقات التي نفذتها قوات الاحتلال خلال المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار. ووفق تقرير رسمي، رصدت الجهات المختصة 1244 خرقًا خلال 95 يومًا، منذ 10 تشرين الأول/أكتوبر 2025 وحتى 15 كانون الثاني/يناير 2026. وتشمل هذه الخروقات 402 حالة إطلاق نار مباشر على المدنيين، و66 عملية توغّل داخل أحياء سكنية، و581 جريمة قصف واستهداف لمواطنين ومنازلهم، و195 جريمة نسف وتدمير لمبانٍ ومؤسسات مدنية. ووفق التقرير، خلّفت هذه الاعتداءات استشهاد 449 مواطنًا ممن وصلوا إلى المستشفيات، وإصابة 1246 آخرين، إلى جانب تنفيذ 50 حالة اعتقال غير قانوني.
على الصعيد الإنساني، يصف المكتب الإعلامي الوضع بأنه “إبادة جماعية بطيئة”، في ظل امتناع الاحتلال عن الالتزام بالحد الأدنى من المساعدات المتفق عليها. وبحسب الأرقام، لم يدخل غزة سوى 24,611 شاحنة مساعدات من أصل 57,000 شاحنة يفترض إدخالها خلال المرحلة الأولى، أي بنسبة التزام لم تتجاوز 43%، بمتوسط يومي بلغ 259 شاحنة بدلًا من 600 مقررة. وأسهم هذا النقص في تفاقم العجز في الغذاء والمياه والدواء والوقود، بينما تدخل مساعدات محدودة ذات قيمة غذائية منخفضة، ويُحظر إدخال المواد الأساسية والغنية، في سياسة وصفها البيان بـ”هندسة التجويع والتعطيش الممنهجة”. أما الوقود، فدخل منه 601 شاحنة فقط من أصل 4,750 شاحنة، بمتوسط 6 شاحنات يوميًا بدلًا من 50، ما يضع المستشفيات والمخابز ومحطات المياه والصرف الصحي على حافة الشلل.
وفي ظل هذا العجز الحاد، تتفاقم أزمة الإيواء نتيجة استمرار إغلاق المعابر ومنع إدخال الكرفانات ومواد البناء. ووفق بيانات حكومية، أدى ذلك إلى انهيار أكثر من 50 منزلًا ومبنى متضررًا سابقًا، وسقوط ضحايا نتيجة موجات البرد القاسية داخل الخيام، بينما خرجت أكثر من 127 ألف خيمة عن الخدمة، متسببة بأزمات خانقة لأكثر من 1.5 مليون نازح يعيشون ظروفًا أقرب إلى الكارثة الإنسانية المفتوحة.
بالتوازي مع التصعيد على غزة، برزت حادثة غير مألوفة داخل صفوف الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية، حيث كشفت إذاعة الاحتلال عن “حادثة خطيرة” في البلدة القديمة من نابلس كادت تتحول إلى استهداف قوة إسرائيلية بطائرة مُسيّرة انتحارية عن طريق الخطأ. ووفق التفاصيل، فإن خمسة جنود من وحدة “دوفدفان – المستعربين” تم التعرف عليهم خطأ على أنهم مسلحون فلسطينيون، فأُطلقت عليهم نيران من قوة إسرائيلية أخرى تعمل في المنطقة. وتفاقمت خطورة الموقف بعدما رصدت المُسيّرة العاملة في الموقع الجنود على سطح مبنى، فأبلغت القوة بأنهم “هدف معادٍ”، ما دفعها إلى فتح النار بكثافة. وأكد أحد الجنود للإذاعة أنه ظن للحظات أن الجميع سيُقتل.
محاولات التنبيه عبر شبكة الاتصال بأن الجنود على السطح ينتمون للوحدة نفسها لم تصل بشكل واضح إلى القوة الأخرى، فيما كانت هناك نية لاستخدام مُسيّرة انتحارية ضد المجموعة التي اعتُقد أنها فلسطينية مسلحة. غير أن الشكوك حول هويتهم الحقيقية دفعت إلى وقف الهجوم في اللحظة الأخيرة، لينجو أفراد الوحدة دون إصابات، رغم أن الحادث كشف تعقيدات التنسيق العسكري الإسرائيلي وتداخل العمليات في مناطق مكتظة ومتوترة كمدينة نابلس.
على مستوى التقييمات الرسمية، يشدد المكتب الإعلامي الحكومي في غزة على أن استمرار الخروقات والاعتداءات يعكس نية واضحة للالتفاف على وقف إطلاق النار، محمّلًا الاحتلال المسؤولية الكاملة عن تدهور الوضع الإنساني وارتفاع أعداد الشهداء. ويرى المكتب أن غياب الضغط الدولي الجاد على إسرائيل يسمح باستمرار الانتهاكات، ويعمّق الكارثة الإنسانية ويُطيل أمد معاناة السكان الذين يعيشون ظروفًا غير إنسانية.
أما حركة حماس، فتربط بين الخروقات المتكررة واستهداف القادة الميدانيين وبين مسار سياسي تسعى إسرائيل لفرضه بالقوة، معتبرة أن الاحتلال يراهن على فرض معادلات جديدة من خلال الضربات المتواصلة. وتؤكد الحركة أن استمرار العدوان يعكس محاولة لتعطيل المرحلة الثانية من الاتفاق، التي تتضمن بنودًا إنسانية وأمنية حساسة.



