أخباركم – أخبارنا
تتوالى التحذيرات والانتقادات الأوروبية إزاء مساعي ونوايا الرئيس الأميركي دونالد ترامب للحصول على جزيرة غرينلاند القطبية التابعة للدنمارك، وسط مخاوف من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية واسعة.
وفي هذا السياق، حذّر وزير المالية الفرنسي رولان ليسكور وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت من أن أي تحرك للاستيلاء على غرينلاند سيُعد «تجاوزاً للخطوط الحمراء»، وقد يهدد العلاقات الاقتصادية بين أوروبا والولايات المتحدة، بحسب ما نقلته صحيفة «فاينانشال تايمز». وأكد ليسكور أن «غرينلاند جزء من دولة ذات سيادة، وهي جزء من الاتحاد الأوروبي، ولا ينبغي العبث بذلك».
وعند سؤاله عمّا إذا كان على الاتحاد الأوروبي الرد بعقوبات اقتصادية في حال أقدم ترامب على غزو الجزيرة، قال ليسكور: «لا أعرف، إذا حدث ذلك سنكون في عالم جديد تماماً، وسيتعين علينا التصرف وفقاً لذلك».
ورغم تصاعد الجدل مؤخراً، فإن اهتمام ترامب بغرينلاند ليس جديداً، إذ تعود جذوره إلى ولايته الرئاسية الأولى. فقد كشف مستشار الأمن القومي السابق جون بولتون أن ترامب استدعاه آنذاك لمناقشة فكرة شراء غرينلاند، مشيراً إلى أن المقترح جاء من رجل الأعمال الأميركي رونالد لودر، وريث إمبراطورية التجميل «إستي لودر».
وأوضح بولتون أن فريقاً في البيت الأبيض بدأ لاحقاً دراسة سبل تعزيز النفوذ الأميركي في الجزيرة الشاسعة الخاضعة لسيطرة الدنمارك، معتبراً أن إحياء ترامب لهذه الفكرة خلال ولايته الثانية يعكس أسلوبه في تبني مقترحات يسمعها من محيطه وتحويلها إلى قناعات راسخة.
وتتقاطع هذه الطموحات السياسية مع مصالح تجارية، إذ تشير تقارير إلى أن لودر ومجموعات استثمارية مرتبطة به نفذوا مشاريع في غرينلاند، شملت الاستحواذ على حصص في شركات محلية، ومشاريع لتصدير المياه، فضلاً عن خطط لإنتاج الطاقة الكهرومائية وتشغيل مصانع للألمنيوم. كما ذُكر أن لودر جزء من ائتلاف يسعى للوصول إلى معادن أوكرانيا، وهو ما عزز التكهنات حول خلفيات اقتصادية أوسع.
وفي شباط/فبراير الماضي، دافع لودر علناً عن طرح ترامب بشأن غرينلاند، واصفاً الفكرة بأنها «استراتيجية» وليست «سخيفة»، مشيراً إلى ما تختزنه الجزيرة من معادن نادرة أساسية للتكنولوجيا الحديثة والأسلحة المتقدمة، إضافة إلى الأهمية الجيوسياسية للطرق البحرية الجديدة التي قد تفتحها ظاهرة ذوبان الجليد.
تاريخياً، تكتسب غرينلاند أهمية استراتيجية منذ الحرب العالمية الثانية، حين تحركت الولايات المتحدة لضمان السيطرة عليها خشية استغلالها من قبل ألمانيا النازية. وبعد سقوط الدنمارك بيد هتلر عام 1940، وقّع السفير الدنماركي في واشنطن اتفاقية مع الولايات المتحدة عام 1941 سمحت للأميركيين بإنشاء قواعد عسكرية في الجزيرة.
وخلال الحرب الباردة، تعزز الوجود الأميركي بشكل كبير، ولا سيما مع بناء قاعدة ثول الجوية، التي لعبت دوراً محورياً في منظومة الردع الأميركية. ورغم تقليص هذا الوجود لاحقاً، لا تزال اتفاقية عام 1951 بين واشنطن وكوبنهاغن سارية المفعول، مع تعديلات أُدخلت عام 2004 للاعتراف بالحكم الذاتي لغرينلاند.
وفي ظل هذا التاريخ المعقد، يرى الأوروبيون أن أي محاولة أميركية للسيطرة على غرينلاند ستفتح فصلاً جديداً من التوتر عبر الأطلسي، وتضعد بتغيير قواعد العلاقة بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين.



