أخباركم – أخبارنا
بيان صادر عن الأمين العام للحزب الاشتراكي الكردستاني (PSK)
بيرام بوزييل
شكّلت المجزرة التي تعرّض لها الكرد في مدينة حلب مطلع كانون الثاني/يناير حدثًا مفصليًا في مسار الصراع السوري، ليس فقط بسبب حجم العنف المستخدم، بل لما حملته من دلالات سياسية وأخلاقية عميقة ستترك آثارًا طويلة الأمد في الوعي الجمعي الكردي، وفي مسار تشكّل سوريا المقبلة.
فبعد عقود من المجازر التي استهدفت الكرد في روبوسكي وشنكال وكوباني، جاءت جريمة حلب لتُحدث شرخًا جديدًا في الذاكرة والوجدان. لم يكن استخدام القوة المفرطة ضد حيّي الشيخ مقصود والأشرفية وحده هو الصادم، بل توثيق الوحشية وعرضها علنًا، بما في ذلك مشاهد إلقاء جثث مقاتلات كرديات من المباني، في رسالة ترهيب لا يمكن محوها من الذاكرة الوطنية الكردية.
إن تزامن هذه المجزرة مع تفاهمات سياسية غير معلنة أبرمتها السلطة الحاكمة في دمشق مع إسرائيل في باريس بتاريخ 6 كانون الثاني/يناير، يضفي عليها بعدًا سياسيًا خطيرًا. فوفق معطيات متداولة، جرى التغاضي عن هذه الجريمة مقابل تنازلات سيادية في جنوب سوريا، ما يجعل دماء الكرد جزءًا من صفقة إقليمية صامتة.
تركيا، من جهتها، لم تُخفِ دعمها للسلطة القائمة في دمشق، حيث عبّر مسؤولوها السياسيون والعسكريون عن تأييد واضح للعمليات التي استهدفت الكرد في حلب. إن هذا الدعم العلني لقوى متطرفة، توصف بأنها امتداد لفصائل جهادية، يضع أنقرة في موقع الشريك السياسي والأخلاقي في هذه الجرائم.
الأكثر إثارة للقلق هو صمت الولايات المتحدة والقوى الدولية المؤثرة. هذا الصمت، الذي لا يمكن فصله عن منطق المصالح، يكشف مجددًا هشاشة الخطاب الحقوقي الدولي، ويؤكد أن المبادئ غالبًا ما تُضحّى بها حين تتعارض مع الحسابات الجيوسياسية.
سوريا إلى أين؟
ما جرى في حلب ليس حادثًا معزولًا، بل ينسجم مع نمط سلوك السلطة الحالية في دمشق، التي سبق أن ارتكبت مجازر بحق العلويين، وقمعت الدروز في السويداء، قبل أن تتجه اليوم نحو الكرد باعتبارهم الحلقة الأضعف. وبعد تحييد إسرائيل وكسب ضوء أخضر أميركي ضمني، بدأت محاولات توسيع العمليات غرب الفرات، في مسعى لفرض أمر واقع بالقوة.
إن أي حكم لا يشمل العلويين والدروز والمسيحيين والكرد والسنّة المعتدلين، ولا يضمن حقوقهم السياسية والقومية والدينية، لا يمكنه تحقيق الاستقرار أو بناء دولة قابلة للحياة. كما أن تركيز السلطة بيد جماعة أيديولوجية متطرفة سيقود حتمًا إلى إعادة إنتاج العنف والانقسام.
مسؤوليات قوات سوريا الديمقراطية والقوى الكردية
بعد مجزرة حلب، بات واضحًا أن السلطة في دمشق غير موثوقة، وأن أي حديث عن “دمج السلاح” أو ترتيبات أمنية لا معنى له من دون اتفاق سياسي شامل يحدّد شكل الدولة ونظام الحكم ويضمن الحقوق القومية للكرد وسائر المكوّنات. إن الفيدرالية الديمقراطية تبقى الإطار الواقعي الوحيد القادر على تأمين حياة آمنة ومتساوية لجميع الشعوب في سوريا.
وفي هذا السياق، لا بد من التذكير بأن المؤتمر الكردي الجامع الذي عُقد في القامشلي بتاريخ 26 نيسان/أبريل 2025، وأفرز وفدًا كرديًا موحدًا، يشكّل مرجعية سياسية شرعية. غير أن غياب دور هذا الوفد خلال مجزرة حلب يفرض اليوم ضرورة تفعيله فورًا، وتحميله مسؤولية الدفاع عن القضية الكردية بوصفها قضية سياسية وحقوقية، لا ملفًا أمنيًا ثانويًا.
إن الحزب الاشتراكي الكردستاني يؤكد أن دماء الضحايا في حلب لن تُنسى، وأن العدالة، مهما تأخرت، ستبقى مطلبًا لا يسقط بالتقادم. كما يجدد دعوته إلى المجتمع الدولي لتحمّل مسؤولياته الأخلاقية والقانونية، ووقف سياسة الصمت التي تشجّع على استمرار الجرائم بحق الشعب الكردي وبقية شعوب سوريا.



