أخباركم – اخبارنا
تقرير لبنان السياسي
على ضفّتَي السياسة والدبلوماسية في لبنان يتجاور النقيضان: هدوءٌ خارجيّ تشهده حركة الموفدين التي خفّ ضجيجها بعد أسبوع مكتظّ، مقابل استنفار إسرائيلي لا يهدأ، يواصل قصفه وتوتير الحدود، فيما تحاول الدولة التقاط أنفاسها تحضيراً لاجتماعات مفصلية قد ترسم ملامح المرحلة المقبلة. وبينما تنشغل بعبدا بوضع اللمسات الأخيرة على اجتماعات “الميكانيزم” مع الفريق المفاوض، يأتي الصوت المصري ليمنح بيروت جرعة دعم متقدّمة، مؤكداً احترام سيادتها وحصريّة السلاح بيد مؤسساتها الشرعية، ومرحباً بإحراز خطوة أولى في طريق حصر السلاح جنوب الليطاني.
في الموازاة، تستعيد بكركي نبض المشاورات عبر لقاء البطريرك الراعي بالسفير الفرنسي هيرفيه ماغرو، فيما يسجّل المشهد الداخلي مفارقة لافتة مع اتصال رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع برئيس الجمهورية جوزاف عون، مهنئاً بمرور عام على انتخابه ومشيداً بخطابه السيادي ومسار تصويب دور الدولة وقرارها.
غير أنّ وهج السياسة لا يحجب صدمة أهالي ضحايا انفجار المرفأ، الذين قفزوا إلى الواجهة مجدداً رافضين تعيين غراسيا القزي مديراً عاماً للجمارك، معتبرين القرار “إهانة لدماء أبنائهم” في ظل غياب القرار الاتهامي وتعطيل التحقيق. موقفٌ أيّده وزير العدل عادل نصار الذي سجّل تحفّظه على التعيين تحت سقف معيار “عدم الملاءمة” في موقع حسّاس لا يزال موضع مساءلة.
ومع استمرار الحركة الدبلوماسية السعودية ولقاء الموفد الأمير يزيد بن فرحان مع النائب وضاح الصادق، تبرز على الجبهة المالية محاولة لالتقاط الثقة مجدداً عبر قروض طويلة الأمد ومشاريع للطاقة والبنى التحتية بدعم من البنك الدولي… مشهد متشابك، تتقاطع فيه الحسابات السياسية مع آلام الناس ومحاولات الدولة للنهوض وسط ركام الأزمات.
إذا، تتراجع الحركة الدبلوماسية في لبنان بعد أسبوع من النشاط المكثّف الذي شهدته الساحة السياسية، حيث توالى وصول الموفدين الأجانب وسفراء اللجنة الخماسية إلى بيروت لإعادة تنشيط الملفات العالقة ودفع المبادرات المطروحة قدماً، لا سيما تلك المتصلة بمؤتمر دعم الجيش وبعض القطاعات الحيوية التي تشكّل ركيزة أساسية في محاولة إعادة إنهاض الدولة. وقد برزت في هذا الإطار زيارتان لافتتان للسفير الأميركي ميشال عيسى إلى مؤسستي الكهرباء والمرفأ، عكستا اهتماماً أميركياً واضحاً بهذين القطاعين وحرصاً على تأمين الدعم عند الحاجة، في ظل المعاناة المستمرة التي يرزح تحتهما اللبنانيون نتيجة ضعف البنى التحتية وتآكل قدرة المؤسسات على القيام بمهامها الأساسية.
وعلى الرغم من هذا الهدوء النسبي على مستوى الزيارات الدبلوماسية، بقيت الساحة الجنوبية مفتوحة على تصعيد إسرائيلي متواصل، إذ لم تهدأ إسرائيل عن تنفيذ غاراتها باتجاه الأراضي اللبنانية، ما أدى إلى سقوط مزيد من القتلى والجرحى، وفرض حالة استنفار مستمرة داخل لبنان واستنفار مقابل في المنطقة الحدودية. ويأتي ذلك في لحظة دقيقة تشهد فيها البلاد تحضيراً لاجتماع لجنة “الميكانيزم”، حيث عرض رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون مع رئيس الوفد اللبناني المفاوض السفير السابق سيمون كرم تفاصيل التحضيرات الجارية للاجتماع والملفات التي سيجري بحثها، في محاولة لتثبيت مقاربة واضحة بشأن ضبط الحدود وتنظيم تطبيق القرارات الدولية، وخصوصاً القرار 1701.
وفي موازاة هذا الحراك، برز موقف مصري داعم للبنان، إذ أجرى وزير الخارجية والهجرة وشؤون المصريين في الخارج بدر عبد العاطي اتصالاً هاتفياً برئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، تناول خلاله التطورات السياسية والأمنية. وأكد الوزير المصري، بحسب ما نقل المتحدث الرسمي للخارجية المصرية السفير تميم خلاف، تمسّك مصر بدعم لبنان واحترام سيادته ووحدة أراضيه وبسط سلطة الدولة على كامل إقليمه. كما أشاد بالخطوة التي أعلن لبنان إنجازها على صعيد المرحلة الأولى من خطة حصر السلاح بيد الدولة جنوب نهر الليطاني، معتبراً أنها إشارة واضحة إلى التزام السلطة اللبنانية استعادة سيادتها وترسيخ مؤسساتها الشرعية. وشدد عبد العاطي على ضرورة تنفيذ القرار 1701 بشكل كامل ومن دون انتقائية، بما يشمل الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية ووقف الانتهاكات المتكررة للسيادة.
ويوازي الاهتمام المصري استمرار المتابعة الفرنسية، حيث زار السفير الفرنسي هيرفيه ماغرو الصرح البطريركي والتقى البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي في إطار متابعة باريس للملف اللبناني ومحاولاتها المساهمة في التهدئة وتعزيز الاستقرار الداخلي. وفي السياق السياسي الداخلي، برز اتصال رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع برئيس الجمهورية جوزاف عون، مهنئاً إياه بمرور سنة على انتخابه. وأكد جعجع خلال الاتصال أن هذه السنة شكّلت بداية فعلية لمسار استعادة الدولة ووضعها على السكة الصحيحة، ولا سيما بما يتعلق بحصرية السلاح بيد الدولة وعودة قرار الحرب والسلم إلى صلاحياتها الدستورية، وربط ذلك بخطاب القسم والأهداف المعلنة في بداية العهد. كما تطرّق الطرفان إلى ضرورة تحييد لبنان عن النزاعات الإقليمية والحفاظ على استقراره، وناقشا جوانب من الملفات الداخلية وفي مقدمها الانتخابات النيابية ووجوب إجرائها في موعدها وتمكين المغتربين من المشاركة الكاملة في الاقتراع.
وفي منحى آخر من المشهد الداخلي، أثار تعيين غراسيا القزي مديراً عاماً للجمارك اللبنانية موجة اعتراض واسعة، لا سيما من جهة أهالي ضحايا انفجار مرفأ بيروت الذين رأوا في هذا القرار استفزازاً صارخاً لمشاعرهم وتجاهلاً لدماء أبنائهم، بينما لا يزال التحقيق القضائي معلّقاً بفعل التدخلات السياسية والضغوط التي تعيق مسار العدالة. وقد أصدر الأهالي بياناً شديد اللهجة اعتبروا فيه أن تعيين شخص موضع ادعاء قضائي في موقع حساس كهذا يشكل ضرباً لمبدأ العدالة ومحاولة واضحة لحماية المشتبه بهم أو المتورطين على حساب حقوق الضحايا. وسألوا كيف يمكن مكافأة شخص يواجه مساءلة قضائية بمنصب رفيع، فيما التحقيق في أكبر تفجير غير نووي في التاريخ المعاصر لا يزال غارقاً في التعطيل. وطالب الأهالي بالتراجع الفوري عن هذا التعيين واحترام القضاء وترك الملف يأخذ مجراه الصحيح إلى حين صدور القرار الاتهامي ومحاسبة كل من يثبت تورّطه، مهما كان موقعه.
هذا الاعتراض لقي صدى داخل المؤسسات الرسمية، حيث أعلن وزير العدل عادل نصار تحفظه العلني على تعيين غراسيا القزي، موضحاً أن موقفه لا يرتبط بحكم مسبق على مجريات التحقيق، بل يستند إلى قاعدة “عدم الملاءمة” في تولي شخص مدعى عليه مركزاً حساساً في الإدارة. وأكد أن تعيين أي فرد في موقع مرتبط مباشرة بملف قضائي كبير يجب أن يتم بقدر عالٍ من المسؤولية والشفافية احتراماً لمبدأ العدالة.
وبعيداً عن التجاذبات السياسية والقضائية، تواصلت الحركة الدبلوماسية السعودية في بيروت، إذ التقى الموفد السعودي الأمير يزيد بن فرحان بالنائب وضاح الصادق وبحث معه في الأوضاع العامة، في إطار استمرار الدور السعودي الداعم للاستقرار وتشجيع الحوار الداخلي.
أما على المستوى المالي والاقتصادي، فبرزت زيارة وفد البنك الدولي إلى وزارة المالية واجتماعه بالوزير ياسين جابر، الذي أوضح أن الدولة تعمل على تغطية العجز في الموازنة من خلال قروض طويلة الأمد، إضافة إلى مشاريع تتعلق بالمياه والزراعة وغيرها من القطاعات الحيوية. وأشار إلى أن المنحة التي قدمها البنك الدولي ستساهم في دعم وزارة الطاقة ومؤسسة كهرباء لبنان ضمن الخطة التي تشمل تنفيذ قرض بقيمة 250 مليون دولار يخصص جزء منه لإنشاء محطة للطاقة الشمسية، ما يشكل خطوة ضرورية في اتجاه تنويع مصادر الطاقة وتخفيف الضغط على شبكة الكهرباء. وفي السياق ذاته، أكد وزير الطاقة جو الصدي أن الثقة تعود تدريجياً إلى قطاع الكهرباء مع بدء تنفيذ هذه المشاريع، موجهاً الشكر للبنك الدولي على الدعم المقدم للبنان.
وهكذا، يتداخل المشهد اللبناني بين تهدئة دبلوماسية يقابلها تصعيد أمني، ومواقف خارجية داعمة تقابلها تجاذبات داخلية حادة، في الوقت الذي تحاول فيه الحكومة ترميم الثقة تدريجياً عبر خطوات مالية وإدارية، فيما تبقى جراح المرفأ مفتوحة، وصوت أهالي الضحايا أعلى من محاولات طيّ الملف تحت أي ذريعة.



