أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد
أثارت حادثة مقتل الفتاة الكردية جيان خلال معارك حلب موجة واسعة من الصدمة والغضب، بعد توثيق مقاطع تُظهر التمثيل بجثمانها ورميه من أعلى أحد المباني، في مشهد اعتُبر انتهاكًا جسيمًا لكرامة الإنسان وخرقًا صريحًا لقواعد القانون الدولي الإنساني.
والحادثة وقعت في سياق الاشتباكات الدائرة في المدينة، ما دفع منظمات حقوق الإنسان وناشطين سوريين وكرد إلى المطالبة بمحاسبة المسؤولين دون استثناء.
في أعقاب هذه الجريمة، شهد المشهد السياسي السوري تطورًا لافتًا، تمثّل بصدور مرسوم تشريعي عن الرئيس السوري أحمد الشرع، وُصف بالتاريخي، تضمّن الاعتراف باللغة الكردية كلغة معترف بها ضمن الإطار اللغوي الرسمي للدولة، وإقرار تدريسها في المناطق ذات الغالبية الكردية، إضافة إلى الاعتراف بالأعياد الكردية كعطل رسمية، وتجريم الخطاب الطائفي والفتنوي وكل أشكال التحريض على الكراهية.
أوساط كردية وحقوقية ربطت بين هذا المرسوم وبين تضحيات معركة حلب، معتبرة أن دم جيان شكّل عامل ضغط مفصلي أسهم في فرض هذا التحول، في ما وُصف بأنه انتصار سياسي ومعنوي ورسالة واضحة بأن الجريمة لم تمرّ بلا أثر، رغم التأكيد على أن العدالة تظل ناقصة ما لم يُحاسَب الجناة.
وفي تقييم قانوني-سياسي للمرسوم، رأى الكاتب السياسي الدكتور صلاح حدو أن المرسوم يشكّل مكسبًا ينبغي التقاطه والبناء عليه، داعيًا إلى تدقيق لغته قانونيًا، وتثبيته لاحقًا كمادة دستورية أو فوق دستورية، مؤكدًا أن جوهر النضال هو تحقيق نصر سياسي مستدام لا الاكتفاء بردود فعل آنية، مع ترك الشأن العسكري للمؤسسات المختصة ضمن الرؤية الكردية الموحدة.
سياسيًا، شدد القيادي الكردي صالح مسلم في تصريحات للحدث على أن الحقوق الكردية يجب أن تُنصّ بوضوح في الدستور السوري، معتبرًا أن المرسوم الرئاسي خطوة إيجابية لكنها غير كافية، ومؤكدًا في الوقت نفسه أن معظم العشائر العربية شرق الفرات تدعم قوات سوريا الديمقراطية.
ميدانيًا، أعلن القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي سحب القوات من شرقي حلب، واصفًا الخطوة بأنها إبداء لحسن النية في مسار الدمج والالتزام بتنفيذ بنود اتفاق العاشر من آذار، في مؤشر على تداخل المسارات العسكرية والسياسية في مرحلة توصف بالحساسة.
أجمعت ردود الفعل الكردية السورية التي نُشرت صباح اليوم حول قرار الرئيس السوري أحمد الشرع على الترحيب الحذر بالمرسوم بوصفه تحولًا سياسيًا وثقافيًا غير مسبوق في التعاطي الرسمي مع القضية الكردية، ولا سيما في ما يتعلق بالاعتراف باللغة الكردية والأعياد وتجريم خطاب الكراهية، مع التأكيد في الوقت نفسه على أن المرسوم لا يرقى إلى مستوى الحل النهائي ما لم يُثبَّت دستوريًا ويُرفق بآليات تنفيذ واضحة وضمانات قانونية ملزمة. قوات سوريا الديمقراطية، عبر تصريحات منسوبة إلى قائدها العام مظلوم عبدي، اعتبرت الخطوة مؤشرًا إيجابيًا على إمكانية فتح مسار تفاهم سياسي أوسع، لكنها شددت على أن حسن النية يجب أن يكون متبادلًا ومقرونًا بإجراءات عملية على الأرض. في المقابل، ركّزت المنظمات الحقوقية والافتتاحيات الإعلامية الكردية على ضرورة فصل الحقوق القومية عن منطق التسويات الظرفية أو التضحيات العسكرية، معتبرة أن العدالة لا تكتمل من دون محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الأخيرة، وأن المرسوم ينبغي التعامل معه كمكسب أولي يجب البناء عليه وتحصينه قانونيًا، لا الاكتفاء بالاحتفاء الرمزي به.
بين جريمة هزّت الضمير العام، ومرسوم فتح بابًا جديدًا للنقاش حول الحقوق والعدالة، تبقى حلب عنوانًا لمرحلة مفصلية، حيث يلتقي مطلب المحاسبة مع رهانات التحول السياسي، وسط تأكيد متزايد على أن الكرامة الإنسانية والحقوق الدستورية لا يمكن أن تكونا محل مساومة أو تاجيل



