أخباركم – اخبارنا
تقرير فلسطين الميداني/ ريما يوسف
في غزة، كان محمود تامر محمود أبو دان، ذو الأربعة عشر عامًا، يجد راحته في عالم بسيط وواضح: بيت العائلة في حيّ الرمال الشمالي، الطريق إلى مدرسة البطريركية اللاتينية، ومركز «نور الحياة» للتربية الخاصة حيث تعلّم أن يتقدّم بثقة رغم إعاقته الذهنية وعدم قدرته على الكلام. هناك، اكتشف ما لم يمنحه له العالم من قبل: حقه في اللعب، في التعلم، وفي أن يكون طفلًا عاديًا. ركض يومًا على مضمار الألعاب الأولمبية الفلسطينية لذوي الإعاقة، وفاز بالمركز الأول. كان صمته في تلك اللحظة أبلغ من الهتاف.
لكن الحرب الإسرائيلية على غزة بدّدت هذا العالم. مع اشتداد القصف، نزحت عائلته إلى خيمة مؤقتة في خان يونس في 9 تشرين الأول/أكتوبر 2024. المكان كان صادمًا وصاخبًا بالنسبة لفتى يحتاج إلى الروتين والهدوء ليشعر بالأمان.
في غفلة من اللحظات، جلس محمود على باب الخيمة مع شقيقاته، فيما كان والداه خارجها. دقائق قليلة كانت كافية لاختفائه. لا هاتف، لا قدرة على الكلام، ولا معرفة بالطرق. ومنذ ذلك اليوم بدأت رحلة بحث طويلة: بلاغات في المخيم، اتصالات بالصليب الأحمر، زيارات إلى مجمع ناصر الطبي، ونشر صور عبر النشطاء. لكن لا أثر.
قصة محمود ليست حادثًا فرديًا، بل صورة لضعف منظومات الحماية لذوي الإعاقة أثناء الحرب. طفل غير ناطق يُترك لمواجهة الفوضى وحده، وأسرة تعيش انتظارًا لا نهاية له.
يبقى السؤال: كيف يضيع طفل في هذه الحرب بلا حماية، وبلا جواب؟
من جهة ثانية، توفيت رضيعة فلسطينية في خان يونس جنوبي قطاع غزة، اليوم السبت، نتيجة البرد القارس الذي يضرب المخيمات المكتظة بالنازحين في ظل غياب شبه كامل لمستلزمات الإيواء والتدفئة. وأكدت المصادر الطبية أن الطفلة عائشة عايش الأغا (27 يومًا) فارقت الحياة بعد ليلة شديدة البرودة، عجزت فيها أسرتها عن توفير أي وسيلة لحمايتها، في وقت يعيش فيه مئات آلاف النازحين داخل خيام مهترئة لا تصدّ الرياح ولا الأمطار.
المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أوضح أن موجة البرد الشديدة باتت تهدد حياة النازحين، محذرًا من وقوع وفيات جديدة بين الأطفال حديثي الولادة وكبار السن، مع استمرار منع الاحتلال إدخال المساعدات الأساسية ووسائل التدفئة والخيام المقاومة للعوامل المناخية. وبحسب البيان الرسمي، ارتفع عدد ضحايا البرد إلى 18 طفلًا منذ بدء الإبادة الجماعية على القطاع.
من جهته، حذّر مدير عام وزارة الصحة في غزة منير البرش من تدهور الوضع الإنساني بصورة أكبر، لافتًا إلى أن المنظومة الصحية المتهالكة عاجزة عن توفير مقومات الحماية للأطفال والمرضى في ظل نقص الأدوية والمستلزمات، وانعدام القدرة على التدفئة داخل المراكز الطبية نفسها. وكشف البرش أن أكثر من 24 مواطنًا ارتقوا مؤخرًا جراء انهيار منازلهم المتصدعة بسبب القصف، في مؤشر خطير على حجم الدمار وانهيار البنية التحتية.
وفي السياق ذاته، تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي تنفيذ خروقات واسعة لاتفاق وقف إطلاق النار في يومه التاسع والتسعين. فقد أدّت اعتداءات الاحتلال خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية إلى استشهاد مواطنين اثنين في بيت لاهيا، وإصابات متعددة في خان يونس. وفجر السبت شنّ الطيران الحربي غارتين شرقي مدينة غزة، تزامنًا مع إطلاق نار مكثّف من مروحيات الاحتلال على طول الحدود الشرقية.
كما نفّذ الطيران غارة جوية شرقي مخيم البريج وسط القطاع، في حين فتحت الآليات الإسرائيلية نيرانها شمال رفح وشرق خان يونس، واستهدفت مواقع في حي التفاح شرق مدينة غزة. وتسببت هذه الهجمات بإصابة فتاة تبلغ من العمر 15 عامًا داخل مدرسة حلاوة شمال القطاع، إضافة إلى إصابة مواطن آخر بشظايا قنبلة أطلقتها طائرة مسيّرة قرب دوار بني سهيلا بخان يونس.
التقرير الإحصائي اليومي الصادر عن وزارة الصحة بغزة أفاد بأن المستشفيات استقبلت خلال الساعات الأخيرة 14 شهيدًا، بينهم 12 ضحية جديدة، إضافة إلى انتشال جثمانين من تحت الأنقاض، و18 إصابة متفاوتة. ومنذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في 11 أكتوبر، ارتفع عدد الشهداء إلى 463 شهيدًا، فيما وصل عدد الجرحى إلى 1269، إضافة إلى 712 جثمانًا تم انتشالها في فترات مختلفة.
أما منذ بداية العدوان في 7 أكتوبر 2023، فقد بلغ عدد الشهداء 71,455 شهيدًا، وعدد المصابين 181,347 مصابًا، وهي حصيلة غير نهائية بسبب صعوبة الوصول إلى مئات المواقع المدمرة.
المكتب الإعلامي الحكومي كشف أن قوات الاحتلال ارتكبت 1244 خرقًا لاتفاق وقف إطلاق النار خلال المرحلة الأولى منه. وتضمنت هذه الخروقات 402 حالة إطلاق نار مباشر على المدنيين، و66 عملية توغل داخل الأحياء السكنية، و581 قصفًا واستهدافًا لمواطنين ومنازلهم، إضافة إلى 195 عملية تفجير لمبانٍ ومؤسسات مدنية. وأسفرت هذه الانتهاكات عن استشهاد 449 مواطنًا ممن وصلت جثامينهم إلى المستشفيات، وإصابة 1246 آخرين، إلى جانب 50 حالة اعتقال غير قانوني.
وفي ظل هذه المعطيات، تحذّر الجهات الحكومية من أن استمرار منع دخول مواد البناء وتعطيل إعادة الإعمار، رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار، يزيد من خطورة الانهيارات والانكشاف المناخي، ما يضاعف قتلى البرد والانهيارات في المخيمات والمناطق المتضررة.
ويبقى الوضع الإنساني في غزة مفتوحًا على مزيد من التدهور، وسط انعدام الحماية الدولية وغياب الحد الأدنى من مقومات الحياة، فيما تتحوّل موجة البرد القارس إلى تهديد قاتل للأطفال النازحين الذين يفترشون الأرض ويلتحفون الخطر.



