أخباركم – أخبارنا
تقرير فلسطين السياسي
في لحظة تتداخل فيها الجغرافيا بالسياسة، وتختلط فيها حسابات القوة بمآسي البشر، يتكشّف مشهدٌ فلسطيني شديد التعقيد: مجلس سلام دولي يُعلن من واشنطن، مشاريع استيطانية تُدفع قدمًا في القدس والضفة، اتهامات بالإبادة الجماعية، انهيار إنساني غير مسبوق في غزة، وحياة طفل رضيع تُسلب لأن خيمة لا تستطيع صدّ الهواء البارد. كلها أحداث تتحرك بالتوازي، كأنها طبقات أزمة واحدة تتسع بلا توقف.
فبينما يكشف البيت الأبيض عن مجلس تنفيذي متعدد الجنسيات من سياسيين ودبلوماسيين وأقطاب مال عالميين، بينهم شخصيات إسرائيلية نافذة، ويحدد صلاحياته في إدارة المرحلة التالية من اتفاق غزة، تردّ أوروبا بدعوة صريحة لوقف المشروع الاستيطاني الأخطر شرق القدس (E1)، معتبرة أن التوسع الاستيطاني يقوّض أي أفق لحلّ سياسي مستقبلي. وفي المقابل، تصعّد حركة حماس خطابها عبر وصف تصريحات وزير الحرب الإسرائيلي عن “تدمير غزة” بأنها اعتراف بجرائم إبادة، فيما تتواصل الخروقات الميدانية لاتفاق وقف النار منذ أكثر من ثلاثة أشهر.
على الأرض، لا تبدو غزة جزءًا من أي معادلة سياسية مستقرة. الأنقاض التي تفوق 60 مليون طن، كما تصفها الأمم المتحدة، تجعل مشهد الحياة أقرب إلى خريطة مدمّرة بالكامل. شركات الطيران العالمية تعيد حساباتها، و”لوفتهانزا” تمدد تعليق رحلاتها الليلية إلى تل أبيب وسط مخاوف من تصعيد إقليمي.
إذا، أعلن البيت الأبيض، بعد الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق غزة، عن تشكيلة “مجلس السلام” الذي سيُناط به الإشراف على تنفيذ الرؤية الأميركية للمرحلة اللاحقة في القطاع، بما يشمل إعادة الإعمار، وإعادة بناء المؤسسات، وضبط الأمن، وتجهيز البنية الإدارية للمرحلة الانتقالية. وجاء الكشف عن الأسماء بعد أسابيع من المشاورات المكثفة بين واشنطن وحلفائها الإقليميين والدوليين، في ظل ظروف سياسية وأمنية معقدة، ووسط قلق دولي من بطء تنفيذ الاتفاق وتزايد الانتهاكات الميدانية.
وضم المجلس التنفيذي مجموعة واسعة من الشخصيات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية، من بينها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، والمبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، وصهر الرئيس الأميركي جاريد كوشنر، ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، إلى جانب رئيس شركة “أبولو جلوبال مانجمنت” مارك روان، ورئيس البنك الدولي أجاي بانجا، ونائب مستشار الأمن القومي الأميركي روبرت جابرييل. كما شملت التشكيلة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، والمسؤول القطري علي الذوادي، ورئيس جهاز الاستخبارات العامة المصرية اللواء حسن رشاد، والوزيرة الإماراتية ريم الهاشمي، إضافة إلى رجل الأعمال الإسرائيلي ياكير غاباي، ونائبة رئيس الوزراء الهولندي السابقة سيغريد كاغ. ووفق المعلومات التي نشرتها “العربية”، يبرز في هذه التشكيلة اسمان من أصحاب الثروات الكبيرة: مارك روان ويـاكير غاباي، أحدهما أميركي من أصل يهودي والآخر إسرائيلي، ما أثار نقاشًا حول طبيعة الدور الاقتصادي المتوقع لهذا المجلس في عملية إعادة إعمار غزة.
ويعد مارك روان من أبرز أقطاب الاستثمار العالمي، إذ أسهم في تحويل “أبولو” إلى واحدة من أكبر شركات الاستثمار البديل في العالم بأصول تتجاوز 785 مليار دولار وفق بيانات 2025. ورغم نفوذه الاقتصادي والسياسي، يُعرف بابتعاده عن الإعلام. وتُقدّر ثروته بنحو 8.2 مليار دولار بحسب قائمة فوربس لعام 2026. أما ياكير غاباي، فهو من الشخصيات الأكثر تأثيرًا في قطاع العقارات الأوروبي، عبر امتلاكه 15% من شركة Aroundtown SA التي تدير محفظة عقارية تقارب 30 مليار دولار. وينحدر من عائلة إسرائيلية شغلت مناصب بارزة في وزارة العدل والخدمة المدنية. وتقدر ثروته بنحو 4.1 مليار دولار وفق تصنيف فوربس بداية 2026.
وبالتوازي مع إعلان المجلس، أكد البيت الأبيض تشكيل “اللجنة الوطنية لإدارة غزة”، التي ستتولى إدارة شؤون القطاع خلال الفترة الانتقالية، برئاسة الدكتور علي شعث الذي سيكلّف بإعادة الخدمات العامة وبناء المؤسسات المدنية. كما أُعلن عن تسمية نيكولاي ملادينوف ممثلًا ساميًا لمجلس السلام في غزة، للإشراف على التنسيق بين المجلس والحكومة المدنية، ومتابعة ملفات الحوكمة والتنمية وإعادة الإعمار. وتعمل واشنطن على إنشاء قوة دولية لتحقيق الاستقرار، بقيادة اللواء جاسبر جيفرز، تتولى الحفاظ على الأمن، وتنفيذ الانسحاب، وضمان وصول المساعدات ومواد إعادة الإعمار.
هذه التطورات السياسية جاءت في وقت تصاعد فيه الجدل حول التصريحات الأخيرة لوزير الحرب الإسرائيلي، التي تفاخر فيها بـ“تدمير غزة”، وهو ما ردت عليه حركة حماس بوصفه “اعترافًا صريحًا بارتكاب جرائم إبادة جماعية”. وقال المتحدث باسم الحركة حازم قاسم إن ما جرى في القطاع من تدمير واسع وعمليات تهجير وقتل للمدنيين “جريمة مكتملة الأركان” تستوجب المساءلة الدولية، وأضاف أن الاعتراف العلني بالدمار يعكس “استهتاراً غير مسبوق” بالقانون الدولي. ورغم أن تصريحات قاسم تأتي ضمن الخطاب السياسي التقليدي للحركة، فإنها وجدت صدى في وسائل إعلام غربية نشرت تقارير موثقة عن حجم الدمار الهائل في القطاع.
وفي المقابل، دعا الاتحاد الأوروبي الحكومة الإسرائيلية إلى التراجع عن مشروع (E1) الاستيطاني الذي يشمل التخطيط لبناء أكثر من 3400 وحدة استيطانية شرق القدس، إضافة إلى شق طريق “السيادة” الذي سيؤدي إلى إغلاق المنطقة أمام الفلسطينيين ويمهّد لتقسيم الضفة الغربية. وأعرب الاتحاد في بيان رسمي عن “القلق العميق” من توسع الأنشطة الاستيطانية، بما في ذلك مشروعا “عطروت” و”نحلات شمعون” في القدس، اللذان يستهدفان آلاف الدونمات ويمهدان لهدم عشرات المنازل الفلسطينية. واعتبر الاتحاد أن الاستيطان عقبة أساسية أمام السلام، ويقوّض فرص إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة، ويشجع على المزيد من عنف المستوطنين.
وفي سياق آخر، حذّر المدير التنفيذي لمكتب الأمم المتحدة لخدمات المشاريع خورخي موريرا دا سيلفا من أن إزالة الأنقاض في غزة قد تستغرق أكثر من سبع سنوات، مشيرًا إلى أن حجم الركام تجاوز 60 مليون طن، بمعدل 30 طنًا لكل فرد. ووصف الوضع الإنساني في القطاع بأنه “لا يُصدق”، موضحًا أن المنازل والمدارس والعيادات وشبكات المياه والكهرباء دُمرت بشكل شبه كامل. وأضاف أن السكان يعيشون حالة من “الإنهاك واليأس”، وأن استمرار الشتاء القاسي يزيد من المعاناة في ظل نقص الوقود والمأوى. وأكد أن الأطفال الذين انقطعت دراستهم ثلاث سنوات “معرضون لخطر أن يصبحوا جيلاً ضائعاً”.
إلى جانب ذلك، أعلنت مجموعة “لوفتهانزا” الألمانية تمديد تعليق رحلاتها الليلية من وإلى تل أبيب حتى 31 يناير الجاري، وسط مخاوف من توترات أمنية متصاعدة واحتمال ضربة أميركية لإيران. وأوضحت الشركة أنها حولت معظم الرحلات إلى ساعات النهار حفاظًا على سلامة الطواقم، وألغت رحلات أخرى لتجنب المبيت داخل إسرائيل. وتشمل هذه الإجراءات شركات الطيران التابعة لها، مثل الخطوط السويسرية والنمساوية ويورووينغز وبروكسل إيرلاينز. وأشارت المجموعة إلى أنها تتابع التطورات الأمنية وستواصل تقييم الوضع لاحقًا، بينما جرى إبلاغ الموظفين بضرورة الاستعداد لعمليات إجلاء محتملة في حال تفاقم التوترات.
وفي غزة، تواصل الأزمة الإنسانية إظهار وجهها الأكثر قسوة. فقد توفيت رضيعة تبلغ من العمر 27 يومًا في خان يونس نتيجة البرد القارس، لترتفع حصيلة وفيات الأطفال بسبب البرد خلال الشتاء الحالي إلى ثمانية. وتأتي هذه الحالات في ظل افتقار مئات الآلاف من النازحين لوسائل التدفئة، واستمرار شحّ المساعدات، وانعدام الخيام العازلة، وفشل محاولات إدخال الوقود بشكل كافٍ لتشغيل مراكز الإيواء. وتبدو مأساة الرضيعة “عائشة الأغا” ملخصًا واضحًا للفجوة بين الجهود الدبلوماسية التي تُعقد في غرف مغلقة، والواقع الميداني الذي يعيش فيه المدنيون بلا سقف يحميهم ولا دواء يقيهم ولا غذاء يكفيهم.
ومع تداخل المسارات السياسية والدبلوماسية والإنسانية، تبدو غزة عالقة بين خرائط الدول الكبرى وتوازنات القوى الإقليمية، بينما الواقع على الأرض لا يزال يشهد انهيارًا للبنى الأساسية ومخاطر صحية واجتماعية تتفاقم يومًا بعد يوم. في المقابل، لا تزال المبادرات الدولية تسعى إلى تثبيت مرحلة انتقالية، رغم أن معالمها ونتائجها النهائية تبدو بعيدة وغير مضمونة في ظل استمرار الخلافات، وغياب الثقة بين الأطراف، وتصاعد خطر الانفجار الإقليمي.



