أخباركم – أخبارنا / تقرير إيران/ مسعود محمد
تشهد إيران واحدة من أكثر مراحلها الداخلية حساسية منذ سنوات، في ظل تداخل عوامل سياسية وأمنية واقتصادية، وانقسام واضح في السرديات الإعلامية بين الصحافة الغربية، والإعلام الإيراني الموالي للحكومة، ووسائل الإعلام المعارضة داخل البلاد وخارجها.
المشهد الداخلي وتطورات الاحتجاجات
تواصلت خلال الأسابيع الأخيرة موجات احتجاج متفرقة في عدد من المدن الإيرانية، على خلفيات اقتصادية واجتماعية، وسط إجراءات أمنية مشددة فرضتها السلطات. وتشير تقديرات منظمات حقوقية ومصادر إعلامية دولية إلى سقوط أعداد كبيرة من القتلى والجرحى ووقوع اعتقالات واسعة، بينما تؤكد الحكومة الإيرانية أن ما جرى يمثل اضطرابات محدودة جرى التعامل معها في إطار حفظ الأمن والاستقرار.
وترافق ذلك مع قيود واسعة على خدمات الإنترنت والاتصالات، في خطوة وصفتها السلطات بأنها ضرورية للحفاظ على الأمن القومي، في حين ترى أطراف معارضة أن هذه الإجراءات تهدف إلى الحد من تدفق المعلومات ومنع توثيق الأحداث.
الرواية الرسمية الإيرانية
تؤكد وسائل الإعلام الرسمية في إيران أن البلاد تواجه ضغوطًا خارجية متزايدة، وتتهم أطرافًا دولية بمحاولة استغلال الأوضاع الداخلية لإضعاف النظام. وتشدد الرواية الرسمية على أن الأجهزة الأمنية تمكنت من السيطرة على الوضع، وأن مؤسسات الدولة ما زالت تعمل بشكل طبيعي.
كما تبرز الصحافة الموالية خطوات تصفها بـ«الإنسانية» أو «الإصلاحية» التي اتخذتها القيادة الإيرانية مؤخرًا، في محاولة لاحتواء التوتر الداخلي والتخفيف من حدة الانتقادات الخارجية.
خامنئي: إيران لن تُجرّ إلى حرب وتحذير من الإفلات من العقاب
أكد المرشد الإيراني علي خامنئي أن بلاده «لن تُجرّ إلى حرب»، مشددًا في الوقت ذاته على أن السلطات «لن تسمح للمجرمين المحليين أو الدوليين بالإفلات من العقاب»، وذلك على خلفية الاحتجاجات الأخيرة وتداعياتها السياسية والأمنية. وقال إن «عدة مجموعات» شاركت في الاضطرابات، موضحًا أن إحداها تلقت تدريبًا وأموالًا من أجهزة استخبارات أجنبية داخل إيران وخارجها، واصفًا أفرادها بأنهم «قادة أعمال الشغب»، فيما أشار إلى مجموعة أخرى قال إنها لا ترتبط بإسرائيل أو أجهزتها الاستخباراتية، لكنها تضم «مراهقين ساذجين انقادوا للأكاذيب وارتكبوا أفعالًا مشينة». وبحسب خامنئي، أسفرت الاضطرابات عن تدمير نحو 250 مسجدًا وأكثر من 250 مركزًا تعليميًا وعلميًا، إضافة إلى أضرار لحقت بقطاع الكهرباء والبنوك والمجمعات الطبية ومتاجر الغذاء. وفي سياق متصل، حمّل الرئيس الأميركي دونالد ترامب مسؤولية التحريض المباشر على الاحتجاجات، واصفًا إياه بـ«المجرم» لتسببه، وفق تعبيره، في سقوط قتلى وأضرار مادية وتشويه صورة الشعب الإيراني، معتبرًا أن التحريض الأخير كان مختلفًا لضلوع الرئيس الأميركي فيه شخصيًا، ومؤكدًا أن جهات مرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل تقف خلف ما سماه «الفتنة الأخيرة». وعلى الصعيد الاقتصادي، أقر خامنئي بسوء الأوضاع المعيشية، قائلًا إن الإيرانيين يواجهون «صعوبات حقيقية».
تغطية المعارضة وملف حقوق الإنسان
في المقابل، تركز وسائل الإعلام المعارضة ومنصات حقوقية على ما تصفه بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، تشمل استخدام القوة المفرطة، واعتقالات جماعية، وأحكام قضائية قاسية. وتؤكد هذه الجهات أن الأزمة تتجاوز كونها احتجاجات ظرفية، وترتبط ببنية الحكم والأوضاع المعيشية المتدهورة.
وتعتبر المعارضة أن الإجراءات التي تعلنها السلطات لا تمثل تغييرًا جوهريًا في المسار السياسي، بل محاولات لامتصاص الغضب الشعبي وتقليل الضغوط الدولية.
البعد الدولي والحسابات الإقليمية
على الصعيد الدولي، تحظى التطورات في إيران بمتابعة دقيقة من العواصم الغربية، وسط مخاوف من انعكاس التوتر الداخلي على الاستقرار الإقليمي، في وقت يتزايد فيه الحديث عن خيارات عسكرية محتملة مقابل مسارات تفاوضية بديلة.
وفي هذا السياق، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إنه أقنع نفسه بالتراجع عن توجيه ضربة عسكرية لإيران بعد إلغاء طهران تنفيذ أكثر من 800 حكم إعدام كانت مقررة، مؤكدًا أن القرار جاء نتيجة قناعة شخصية وليس بضغوط من أي طرف. وأضاف أنه يقدّر قرار القيادة الإيرانية بإلغاء جميع عمليات الإعدام التي كانت مقررة، واصفًا الخطوة بأنها تطور مهم.
وفي السياق ذاته، أفادت تقارير إعلامية بأن ترامب أجرى محادثات متكررة خلال اليومين الماضيين مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، تناولت بحث إمكانية توجيه ضربة عسكرية لإيران، إلى جانب مناقشة المسار التفاوضي المحتمل مع طهران.
الموقف الإسرائيلي
ويبدو أن هذا التطور ينسجم مع الحسابات الإسرائيلية، في ظل مخاوف من أن تكون أي ردود أو ضربات إيرانية محتملة أكثر قوة واتساعًا مقارنة بالمواجهات المحدودة التي شهدتها المنطقة خلال الأيام الإحدى عشرة السابقة، ما يرفع كلفة أي تصعيد عسكري مباشر ويعزز الحذر في اتخاذ القرار.
خلاصة المشهد
تعكس التطورات الراهنة حالة من التوازن الحذر بين التصعيد والتهدئة، حيث تسعى إيران إلى احتواء أزمتها الداخلية وتقليل الضغوط الخارجية، فيما تعيد القوى الدولية والإقليمية تقييم خياراتها بين المواجهة العسكرية والمسار التفاوضي. وبين تضارب الروايات واستمرار الضبابية، يبقى المشهد مفتوحًا على احتمالات متعددة، في انتظار ما ستسفر عنه الأيام المقبلة.



