الأربعاء, فبراير 18, 2026
14.1 C
Beirut

نعيم قاسم رافضا تسليم السلاح….دروس في الديموقراطية من فوق فوهة البندقية: ندعو الحكومة الى تغيير وزير الخارجية او اسكاته او الزامه بالموقف اللبناني….تصريحاته اثارت ردودًا سياسية حادة: نواب ومسؤولون يحمّلون حزب الله مسؤولية تهديد الدولة

نشرت في

أخباركم – أخبارنا
تقرير لبنان الميداني

على وقع هدوء ثقيل خيّم اليوم على الجنوب والبقاع، هدوء يشبه ما قبل اهتزاز الزجاج بقنبلة صوتية أو ما قبل اهتزاز سلطة بخطاب، خرج الشيخ نعيم قاسم ليقدّم نسخته الخاصة من الديموقراطية. في المناطق الحدودية، لم يُسمع سوى انفجار واحد: قنبلة صوتية أطلقتها محلّقة إسرائيلية على أطراف عيتا الشعب، ثم عاد السكون إلى مكانه. أمّا في السياسة، فالقنبلة كانت صوتية أيضاً، لكن صداها الداخلي أعلى وأعمق: خطاب ناريّ أعاد خلط الملفات، من حصرية السلاح إلى الاستراتيجية الدفاعية، من القرار 1701 إلى السيادة، من وزير الخارجية إلى ترامب وإيران وفنزويلا.

في الجنوب، الناس التقطوا أنفاسهم ليوم واحد. وفي البقاع، انخفض توتر الليل إلى مستوى يسمح بسماع صوت الريح. لكن في بيروت، وبين السطور، كان الكلام يشعل مساحة كاملة: رفض قاطع لتسليم السلاح، اتهامات مباشرة لواشنطن وتل أبيب بتعطيل الاستقرار، تهديد مبطّن بأن «لبنان لا يبقى بلا مقاومة»، وهجوم سياسي صريح على وزير الخارجية بتهمة «التحريض والتلاعب بالسلم الأهلي».

خطاب قاسم بدا كأنه نسخة مكثّفة من المرحلة: تثبيت السلاح، نفي أي نقاش حوله، رفض تدويل الملفات، وعودة ثابتة إلى معادلة أن الاستقرار غير ممكن بلا مقاومة، وأن أي تنازل هو «إضعاف». وبينما هدأ الجنوب ميدانياً، ارتفع منسوب التوتر السياسي إلى حدود غير مسبوقة، في يوم جمع بين سكون الأرض وعصف الكلام.

فقد ألقت طائرة استطلاع إسرائيلية بعد ظهر اليوم قنبلة صوتية باتجاه أطراف بلدة عيتا الشعب، في مشهد يختصر توتراً مفتوحاً على احتمالات متعددة. لكن الضجيج الحقيقي لم يكن فوق البلدة، بل فوق المنصّة التي اعتلاها نائب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، ليدلي بخطاب حادّ النبرة، قدّم فيه درساً معكوساً عن الديموقراطية والحرية والسيادة، وسط مفردات مشدودة بين التحذير والتهكّم والاتهام.

من اللحظة الأولى، بدا الخطاب منفصلاً عن الواقع الذي يعيشه اللبنانيون. قاسم تحدّث بعمق “فلسفي” عن معنى “الحياة الحرة”، موجهاً اتهامات لترامب والولايات المتحدة بمحاربة الديموقراطية والحياة الإسلامية، وكأنه يلقي محاضرة أكاديمية. المفارقة أنّ الجهة التي يتحدّث باسمها أمضت سنوات تعتبر الحرية فتنةً والديموقراطية مؤامرة، ولا تعترف بالصندوق الانتخابي إلا إذا سهّل تعويم مشاريعها السياسية.

في هذا الخطاب، تعود ذكرى 7 أيار كجرس تحذير دائم: يوم تولّى السلاح تصحيح نتائج الديموقراطية، حين اعتُبر أن انتخابات لم تأتِ بما تشتهيه البندقية يمكن تعديلها بالقوة. يومها، لم يكن الأمر خياراً بين تسويات سياسية، بل فرضاً لإيقاع جديد في إدارة البلد: شراكة قسرية، ومشاركة تحت الضغط، وحياة سياسية قائمة على موازين قوة لا على أصوات الناس.

أما الحرية التي تحدّث عنها قاسم، فهي أشبه بباقات الإنترنت: تعمل ضمن حدود مرسومة مسبقاً، وتُقطع فور تجاوز السقف المسموح. التعبير عن الرأي مسموح طالما لا يقترب من القدسية المفروضة للسلاح. نموذج لقمان سليم حاضر دائماً: مثقف مارس حقه في النقد فسقط صامتاً، ولا جواب ولا تحقيق ولا مساءلة. حرية ضمن “الباقة”، وما بعدها فراغ قاتم.

ويواصل قاسم رسم صورة “السيادة” وفق معادلة خاصة. السلاح، بحسب قوله، شأن لبناني بحت. صحيح، لكنه شأن لا يُناقَش ولا يخضع لمحاسبة ولا يمرّ عبر مؤسسات الدولة. شأن يقرر توقيت الفوضى وتوقيت الهدوء، متى تتعطل الحكومات ومتى تعود، ومتى يُمنع انتخاب رئيس ومتى يصبح الانتخاب ضرورة. شأن داخلي، لكنه خارج سلطة الداخل.

وفي ذروة الخطاب، قال قاسم عبارته الأكثر انتشاراً: “طويلة على رقبتكم أن نتجرّد من السلاح”.

هذا ليس موقفاً سياسياً بقدر ما هو إعلان نهائي لطبيعة العلاقة بين الحزب والدولة: لا نقاش حول السلاح، ولا تفكير في تعديله، ولا حتى قبول وجود رأي معاكس. البندقية هي المرجع الأول والأخير، وهي مقياس السيادة والكرامة والاستقرار.

وفي السياق نفسه، يهاجم قاسم وزير الخارجية يوسف رجي ، معتبراً أنه يعمل خارج سياسة الدولة ويحرّض على الفتنة، داعياً إلى أحد ثلاثة حلول: تغييره، أو إسكاتِه، أو إلزامه بما يراه الحزب “السياسة الرسمية” للبنان. إنه نموذج مُصغّر عن فهم الحزب لإدارة الدولة: تعددية داخلية مشروطة، ورأيٌ رسمي واحد، ومؤسسات لا تتحرّك إلا ضمن هوامش مضبوطة.

ثم يذهب قاسم إلى حدّ اتهام معارضي السلاح بالعبث بالسلم الأهلي. هنا المفارقة الساخرة: السلم الأهلي، وفق منطقه، يهتزّ بسبب تصريح صحافي أو مقال نقدي، لكنه لا يتأثر بترسانة السلاح الثقيلة المنتشرة خارج سيطرة الدولة، ولا بالاشتباكات الدورية، ولا بالانفلات الأمني في المناطق الخارجة عن القانون. السلم الأهلي هشّ فقط حين يتجرأ أحد على الانتقاد.

قاسم يطمئن جمهوره بأن “الشعب لا يُهزم”. الجملة قوية لكنها فارغة من الواقع. الشعب انهارت عملته، تلاشت ودائعه، انهارت الخدمات الأساسية، هاجر أبناؤه، وتحوّلت حياته اليومية إلى صراع بقاء. الشعب لا يُهزم؟ ربما. لكنه يُستنزف يومياً، فيما السلاح وحده يبقى في كامل عافيته السياسية والعسكرية.

وعندما يكرر قاسم أن “لكل شيء حد”، تتضاعف المفارقة. فالجملة نفسها تنطبق على مواقف الحزب في سوريا: يوم طالب السوريون بالحرية التي يدعو إليها اليوم، لم يكن هناك حدود للتدخل، بل براميل متفجرة وحصار ودعم مفتوح للنظام. الحرية التي كانت “مؤامرة” أمس، صارت اليوم شعاراً إعلامياً يُستخدم عند الحاجة.

الخطاب أيضاً كان محمّلاً بالإشارات الإقليمية. فقد خصص قاسم جزءاً طويلاً للحديث عن إيران، مدافعاً عنها في مواجهة العقوبات والمظاهرات، ومعتبراً أن ما يجري محاولة “لإسقاط نموذج الجمهورية الإسلامية” عبر عملاء الموساد والولايات المتحدة. وأكد أن الشعب الإيراني “خرج بالملايين” لتأييد النظام، وأن إيران ستبقى “قلعة الجهاد والمقاومة”.

أما عن فنزويلا، فقد اعتبر أن ما تعرضت له “جريمة العصر” عبر “اختطاف رئيسها”، متهماً ترامب بأنه يريد السيطرة على خيراتها ونفطها، بل يريد أيضاً غرينلاند وكوبا وكندا والاتحاد الأوروبي. خطاب يربط كل أزمات العالم بتدخل أميركي مباشر، ويعفي الأنظمة القمعية من مسؤولياتها الداخلية.

وفي القسم المتعلق بوقف إطلاق النار والقرار 1701، قدم قاسم روايته الخاصة: لبنان التزم بالكامل ولم يسجل خرق واحد من جهته، والاتفاق يجب أن يُنفّذ كاملاً من دون مراحل أو تفاوض. أما حصرية السلاح والملفات الأمنية، فهي “شأن لبناني بحت” لا يحق لأي دولة مناقشته.

الرسالة الجوهرية في الخطاب واضحة:
لا تنازل، لا حوار على السلاح، ولا تغيير في معادلة القوة.
بل أكثر من ذلك: أي محاولة داخلية للمطالبة بحصرية السلاح، هي بالنسبة إلى قاسم “مشروع إسرائيلي–أميركي”، وأي نقاش فيها خيانة، وأي مسؤول حكومي يطرحها هو “متلاعب بالسلم الأهلي”.

وفي النهاية، يمكن تلخيص خطاب نعيم قاسم بأنه محاولة لإعادة تثبيت معادلة يعرفها اللبنانيون جيداً:

الديموقراطية تُفسّر وفق مصلحة السلاح،

الحرية تُمنح ضمن سقف مرسوم مسبقاً،

والسيادة تُحدَّد بمدى رضى الحزب عن أداء الدولة.

إنه خطاب يقدّم نفسه مدافعاً عن الكرامة الوطنية، لكنه يكرّس في الواقع علاقة غير متوازنة بين الدولة وسلاح خارجها.
إنها ديموقراطية تُشرح بالبندقية، وحرية تُدار بالتحذير، وسلم أهلي يعيش فقط حين يظلّ الجميع صامتين.

في المقابل، أثارت تصريحات الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم الأخيرة هجومًا سياسيًا واسعًا من نواب ومسؤولين لبنانيين، معتبرين أن حديثه عن الحرب الأهلية ورفض تسليم السلاح يمثل تهديدًا للدولة اللبنانية ومؤسساتها.

فقد كتب عضو تكتل “الجمهورية القوية” النائب رازي الحاج عبر “إكس”: “من يعمل خارج سياسة الدولة والعهد ويحرّض على الفتنة ويقف ضد إرادة الشعب اللبناني هو الشيخ نعيم قاسم… مصيبة لبنان الحقيقية هي حزب الله!”.

ورد رئيس حزب حركة التغيير المحامي إيلي محفوض، مؤكدًا أن “شيخ نعيم لا يحق له تحميل الآخرين تبعات عدم الاستقرار… الحكومة مسؤولة عن إحالتك إلى القضاء وتفكيك منظمتك المسلحة. القرار 1701 والقرار 1559 سينفذان، فلا أنت ولا ميليشياتك تملكون أي امتياز على المصلحة اللبنانية”. وأضاف محفوض أن “التدخل الإيراني يجب أن يتوقف، وأي خروج عن الدستور والقانون اللبناني سيحاسب عليه”.

كما كتب النائب نديم الجميّل على “إكس”: “موقف وزير الخارجية يستند إلى اتفاق الذل الذي وقعتم عليه، ويجسّد حصرية السلاح للدولة اللبنانية… ونأمل موقفًا واضحًا من رئيس الجمهورية والحكومة لدعم الوزير يوسف رجي”.

وكتب النائب غياث يزبك: “كل من يعتدي على وزراء القوات اللبنانية لفظيًا أو معنويًا، يمهّد لاغتيال الدولة ومؤسساتها… زمن الخوف انتهى، وكل محاولة لإسكات الأصوات ستولّد أصواتًا أعلى وأقوى”.

وفي تعليق مباشر، كتب وزير العدل عادل نصار: “على كل من يلوح بالحرب الأهلية لأجل الحفاظ على سلاحه أن يتوقف عن إعطاء دروس في الوطنية لوزير في الحكومة”.

وتجمع الردود على أن رفض حزب الله تسليم السلاح وتهديداته المستمرة يقوض الدولة اللبنانية ويزيد من الأزمات الأمنية والسياسية والاقتصادية، مؤكدين أن لبنان أكبر من أي ميليشيا، وأن المؤسسات ستستعيد دورها، وأن الشعب لن يقبل أن يُحكم بغير الدولة.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

أنا لبنان

أخباركم - أخبارنا/ حسين قاسمأنا لبنان،حين ينسى اسمه على عتبة مرفئه،ويتلعثم صوته قبل أن...

نيجيرفان بارزاني… رصانة القيادة الكردية في لحظة إعادة تموضع أمريكي!

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد لم يكن لقاء رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني...

في 14 شباط: لماذا نقرأ سمير قصير من جديد؟

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد 14 شباط ليس تاريخ اغتيال سمير قصير. هو تاريخ...

More like this

لبنان على “حبال” الدبلوماسية: تحصين “الميكانيزم” ورهانات مؤتمر باريس… عناوين ومختارات من الصحف

أخباركم - أخبارنابين ترقّب تداعيات التصعيد الإقليمي والتهديدات المتبادلة في المنطقة، يتحرّك لبنان على...

تصعيد إسرائيلي يتجاوز الليطاني ومواقف متصلبة لحزب الله: قتيل في غارة على رب الثلاثين.. ونسف شاليه في الخيام…الحاج حسن: ليس لدينا شيء نعطيه في...

أخباركم – أخبارناتقرير لبنان الميداني في ظلّ تصعيد إسرائيلي متدرّج يتجاوز جغرافيا جنوب الليطاني ليطال...

لبنان وسوريا يوقّعان الأسبوع المقبل اتفاقية تسليم موقوفين سوريين من السجون اللبنانية

أخباركم - أخبارناكشف نائب رئيس مجلس الوزراء طارق متري أن لبنان وسوريا سيتجهان خلال...