أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد
منذ اليوم الأول للانتفاضة، حذّرت وقلت بوضوح إن النظام الإيراني نظام براغماتي، يعرف جيدًا كيف يناور، وكيف يعيد إنتاج نفسه عند كل منعطف خطير، وإن المفاوضات معه لم ولن تنقطع مهما بلغت حدة الخطاب أو تصاعدت المناورات العسكرية والسياسية. وكرّرت مرارًا التحذير من الحماس المفرط ومن القفز إلى استنتاجات نهائية لا تستند إلى قراءة عميقة لطبيعة هذا النظام وسلوكه التاريخي. واليوم، تعود الوقائع لتؤكد مجددًا صحة هذا التقدير.
ففي الرابع عشر من الشهر الجاري، وعلى وقع استعدادات أميركية متزايدة لاحتمال توجيه ضربة عسكرية لإيران، بادر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى الظهور في مقابلة تلفزيونية عبر قناة فوكس نيوز الأميركية، المنصة الإعلامية الأقرب إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب. لم يكن اختيار القناة تفصيلًا عابرًا، بل خطوة محسوبة هدفت إلى إيصال رسالة مباشرة إلى البيت الأبيض، خارج الأطر التقليدية التي يتحرك عبرها الوسطاء الإقليميون، وبأسلوب يخاطب ترامب بلغته ومن منصته المفضلة.
خلال المقابلة، شدد عراقجي على أن الدبلوماسية «أفضل بكثير من الحرب»، مؤكدًا أن المسار التفاوضي يظل الخيار المفضل لطهران، رغم ما وصفه بغياب أي تجربة إيجابية سابقة مع الولايات المتحدة. وأعلن بوضوح استعداد إيران للانخراط في حوار سياسي، في لحظة إقليمية شديدة الحساسية تتداخل فيها التهديدات العسكرية مع محاولات فتح نوافذ دبلوماسية ضيقة.
وفي السياق نفسه، نفى عراقجي وجود خطط لتنفيذ أحكام الإعدام شنقًا بحق المحتجين، معتبرًا أن ما شهدته البلاد في بعض المناطق كان نتيجة أعمال عنف محدودة وصفها بالإرهابية، وأكد أن السلطات باتت تسيطر على الوضع. كما وجّه رسالة غير مباشرة إلى الرئيس الأميركي، داعيًا إياه إلى عدم تكرار ما اعتبره «أخطاء سابقة» في اللجوء إلى الخيار العسكري، ومشيرًا إلى أن طهران ما زالت ترى فرصة حقيقية للحلول الدبلوماسية رغم التصعيد القائم.
وجاء هذا الخطاب المزدوج، الذي يجمع بين التهدئة الدبلوماسية والتشدد الأمني، متوازيًا مع مواقف أكثر وضوحًا صدرت عن مؤسسات النظام، كشفت نواياه الحقيقية في التعاطي مع الانتفاضة. إذ قال المتحدث باسم لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في مجلس الشورى الإيراني، إبراهيم رضائي، إن سفراء دول «الترويكا» الأوروبية وقفوا «بشكل مباشر إلى جانب العناصر الإرهابية»، في إشارة إلى مواقف دبلوماسية غربية اعتبرتها طهران داعمة للاحتجاجات الأخيرة. وجاءت هذه التصريحات في توقيت حساس، وسط تصاعد الخطاب الرسمي الذي يربط الاضطرابات الداخلية بما تصفه السلطات بـ«تدخلات خارجية منظمة»، وهو ما يُنظر إليه كمؤشر واضح على تهيئة سياسية وأمنية لمرحلة أكثر تشددًا في التعامل مع الشارع.
ويرى مراقبون أن هذا التصعيد اللفظي ضد الترويكا الأوروبية لا ينفصل عن سياق أوسع يهدف إلى تبرير إجراءات أمنية استثنائية، تشمل تشديد الملاحقات، وتوسيع تعريف «الأعمال الإرهابية»، وربط النشاط الاحتجاجي الداخلي بشبكات خارجية، بما يمنح الأجهزة الأمنية غطاءً قانونيًا وسياسيًا أوسع لقمع أي موجة تصعيد جديدة محتملة.
وتعكس تصريحات رضائي انسجامًا مع خطاب رسمي متنامٍ داخل مؤسسات الدولة، يركز على تحميل أطراف خارجية، ولا سيما أوروبا، مسؤولية «تأجيج الاضطرابات»، بالتوازي مع تحركات برلمانية وأمنية يُعتقد أنها تهدف إلى تحصين النظام قانونيًا وإعلاميًا قبل أي مواجهة داخلية واسعة. وفي هذا السياق، يُتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة تشديدًا في الإجراءات الأمنية، خصوصًا إذا عادت الاحتجاجات بزخم أكبر، في ظل سعي السلطات إلى قطع الطريق أمام أي تعاطف دولي مع الحراك الداخلي.
ومن جهة ثانية، طالبت قوى المعارضة الإيرانية الكردستانية بتوحيد صفوفها لحجز موقعها الطبيعي على طاولة أي مفاوضات مقبلة، غير أن عمق الانقسامات الداخلية أفشل هذه المساعي. وبرغم الجهود المبذولة في هذا الاتجاه، بما في ذلك السفر إلى أربيل لخوض مفاوضات مباشرة بين القيادات الكردية الإيرانية، إلا أن الخلافات التقليدية عادت لتطيح بالفرصة، كما جرت العادة.
وتوزعت أسباب الإخفاق بين أوهام الانخراط في ما يسمى «معارضة وطنية إيرانية» يغلب عليها الطابع الفارسي القومي، وترفض عمليًا الاعتراف بأي واقع سياسي أو حقوقي للقوميات غير الفارسية، وبين أوهام أخرى تتعلق بالحجم والتمثيل وادعاء الأحقية التاريخية، حيث يرى كل حزب كردي نفسه الأجدر بالصدارة. هذه الصراعات لم تُضعف المعارضة فحسب، بل خدمت النظام الإيراني بشكل مباشر، ومنحته هامشًا واسعًا لقمع الانتفاضة، وترك الداخل المنتفض معزولًا، بلا غطاء سياسي منظم.
وفي ظل هذا الفراغ، اكتفى الموقف الأميركي بخطاب محدود، بلغ حد الاكتفاء بتطمينات إيرانية من قبيل «لن نعدم أحدًا»، من دون أي ضمانات فعلية. غير أن السؤال الجوهري يبقى مطروحًا: هل وعد النظام يومًا بعدم القمع؟ وهل التزم بعدم قتل المواطنين في الشوارع أو الزجّ بهم في السجون؟ الواقع يشير إلى أن الشعوب الإيرانية تُركت لمواجهة قدرها وحيدة، بلا حماية سياسية ولا مظلة دولية حقيقية، في وقت واصل فيه النظام إعادة ترتيب أوراقه، مستفيدًا من انقسام خصومه وتردد الخارج.
خلاصة المشهد الإيراني اليوم تؤكد أن طهران تفاوض، وأنه لا يوجد مسار محسوم حتى اللحظة. فإيران قد تتعرض لضربة عسكرية إذا فشلت حسابات التهدئة، وقد تنجح في امتصاص الضغوط وتقديم تنازلات بهدوء يسمح لها بالاستمرار، كما أن سيناريو نهاية مرحلة المرشد علي خامنئي يبقى مطروحًا، سواء بفعل الموت الطبيعي أو بإخراجه تدريجيًا من المشهد السياسي ضمن ترتيبات داخلية تُدار بعيدًا عن العلن. جميع هذه السيناريوهات مفتوحة، وما يجري ليس سوى إدارة وقت وموازين قوى، لا حسمًا نهائيًا.
في المقابل، يبقى السؤال الأهم معلقًا على الضفة الأخرى من المعادلة: هل تتعظ المعارضة الإيرانية، ولا سيما الكردية منها، من دروس التاريخ القريب والبعيد؟ أم أنها ستبقى أسيرة الأوهام القديمة، فتُفوّت مرة أخرى لحظة سياسية قد لا تتكرر؟ إن التشتت، وصراعات الزعامة، والمبالغة في تقدير الذات أو الارتهان لمعارضات مركزية فارسية لا تعترف أصلًا بالحقوق القومية، كلها عوامل تُعيد إنتاج العجز ذاته الذي دفع ثمنه الكرد سابقًا.
إن استحضار تجربة ما بعد إعلان الخميني الحرب على القوى الكردية ليس ترفًا تاريخيًا، بل تحذيرًا واقعيًا. حينها، وجدت الأحزاب الكردية نفسها خارج الحسابات الكبرى، فتم إخراجها بالقوة من إيران، وتشتتت في المنافي، وفقدت قدرتها على التأثير في الداخل، بعدما راهنت على وعود لم تُنفذ، وتحالفات لم تصمد، ووحدة لم تتحقق. التاريخ لا يرحم من لا يقرأه، بل يعاقبه بتكراره.
اليوم، ومع احتمالات التغيير المفتوحة في إيران، فإن غياب موقف كردي موحد، وبرنامج سياسي واضح، وتمثيل متفق عليه، يعني عمليًا أن أي تحول قادم—سواء كان تفاوضيًا أو صداميًا—سيجري من دون الكرد، لا لمصلحتهم. والأسوأ أن النظام، كما أثبتت الوقائع، بارع في استثمار هذا الانقسام، سواء لقمع الانتفاضة، أو لتقديم نفسه للخارج كخيار «أقل كلفة» من الفوضى.
وفي ختام هذا المسار، لا بد من شهادة شخصية صادقة: لقد أعطيت ردحًا من عمري للمعارضة الكردستانية الإيرانية، وناضلت من أجل قضاياها، ولم أشعر يومًا بالملل، وكنت دائمًا جاهزًا لخدمتها حيثما طُلب مني ذلك. لكن جملة كان يرددها والدي ما زالت ترنّ في ذهني ولم أنسها يومًا: «يمكنك جرّ الحصان إلى الماء، لكنك لا تستطيع إجباره على الشرب». دعوت المعارضة مرارًا إلى الوحدة، وحذّرتهم من نظام يعرفونه جيدًا، وربما أفضل مني، وما زلت حتى اليوم مستعدًا للخدمة والعمل والتضحية. غير أن السؤال الحقيقي لم يعد عن جهوزيتي أو نواياي، بل عنهم هم: هل هم مستعدون لشرب الماء؟ هل هم مستعدون للتنازل لبعضهم البعض، وبناء إطار معارض حقيقي، فعلي، وفاعل، لا شكلي ولا صوري؟
في لحظات التحول الكبرى، لا يُكافأ أصحاب النوايا الحسنة، بل أصحاب الجاهزية. وإيران تقف اليوم على أعتاب مرحلة انتقالية غير مكتملة المعالم، فيما يبقى مصير القوميات، وفي مقدمتها الكرد، مرهونًا بقدرتها على التعلم من الماضي، والاستعداد للمستقبل، قبل أن يُكتب الفصل التالي من دونهم.



