إلى الأخ بافل جلال طالباني
رئيس الاتحاد الوطني الكوردستاني
علّمنا الرئيس الراحل جلال طالباني أن المراحل المفصلية التي تشكّل خطرًا على الأمن القومي لا تُدار بالانقسام ولا بالمناورة، بل بالوحدة، لأنها الحل الوحيد لعبور الأزمات الوجودية. هذا الدرس لم يكن شعارًا سياسيًا، بل خلاصة تجربة تاريخية عاشها في أحلك الظروف التي مرّ بها شعبنا، حين كانت وحدة القرار الكردي صمام الأمان الوحيد.
نكتب إليك اليوم ونحن على يقين بوطنيتك وقوميتك، وفي لحظة تمرّ فيها أمتنا الكردستانية بأزمة وجود حقيقية تمتد من سوريا إلى إيران، وتتقاطع بشكل مباشر مع مستقبل كوردستان العراق وفيدراليتها. إنها لحظة استثنائية تتطلب حكمة عالية، ورؤية استراتيجية، وإدراكًا بأن ما يجري خارج حدود الإقليم لا ينفصل أبدًا عن استقراره وكيانه الدستوري.
كلنا نشهد أنك وقفت بإيمان إلى جانب كورد سوريا، وساندت مظلوم عبدي في مرحلة حساسة، وهو موقف يُحسب لك قوميًا وسياسيًا. لكن حجم التحديات الراهنة يفرض الانتقال من دعم المواقف إلى توحيد القرار، ومن الاصطفافات الجزئية إلى موقف كردي جامع. فكرد سوريا اليوم بحاجة إلى حل سياسي واضح يضمن حقوقهم ضمن سوريا مستقبلية، كما أن كوردستان العراق بحاجة في الوقت ذاته إلى وحدة الموقف الكردي لحماية فيدراليتها ومنع أي ارتدادات إقليمية قد تُستغل لضرب مكتسباتها الدستورية.
لقد كنا، وما زلنا، نتمنى أن نراك إلى جانب الأخ الرئيس مسعود بارزاني في إنتاج حلّ كردي متكامل لسوريا، حلّ يستند إلى شراكة كردية–كردية أولًا، ويُدار بعقل استراتيجي يربط بين مستقبل كورد سوريا واستقرار كوردستان العراق. فغياب التنسيق بين القوتين الكرديتين الرئيسيتين لا يضعف الموقف السوري فقط، بل ينعكس مباشرة على الداخل العراقي، حيث تتربص قوى معروفة بأي شرخ كردي لإعادة فتح ملف الفيدرالية من بوابة الخلافات الداخلية.
إن ما نواجهه اليوم ليس مجرد استحقاق سياسي عابر، بل معركة على الوجود والحقوق والكيان. حلّ القضية الكردية في سوريا يحتاج إلى وحدة الموقف الكردي على مستوى الإقليم كله، كما أن الحفاظ على فيدرالية كوردستان العراق يتطلب خطابًا موحدًا، وقرارًا مشتركًا، وقدرة على قراءة المشهد الإقليمي بوصفه وحدة مترابطة لا ساحات منفصلة.
لسنا في موقع الاتهام، بل في موقع النداء الصريح. نداء يستند إلى إرث مام جلال، وإلى تجربة مسعود بارزاني، وإلى تطلعات شعب لم يعد يحتمل إعادة إنتاج الانقسام. الوحدة اليوم ليست خيارًا سياسيًا فقط، بل ضرورة وجودية: لحماية مكاسبنا في العراق، ولضمان مستقبل كورد سوريا، ولتفادي أن تُكتب الحلول من دوننا أو على حسابنا.
وقد سمحت لنفسي أن أكتب إليكم بهذه الصراحة، انطلاقًا من ثقتي بكم بوصفكم خليفة مام جلال، ورغبتكم الواضحة في استكمال سيرته العطرة. فأنا كنت ممن عاشروا مام جلال مباشرة، رغم صغر سني حينها، وتعلّمنا منه جرأة مواجهة الموقف، وعدم الهروب من لحظات القرار الصعبة. ومن هذا الإرث أتوجه إليكم اليوم، لا كسياسي فحسب، بل بصفتكم الزعيم الموثوق، والابن المؤتمن على الوصية، والقادر على تحويل إرث الوحدة إلى فعل سياسي في هذه اللحظة الحرجة.
ولو كان مام جلال حاضرًا بيننا اليوم، لوجدناه مبادرًا لا منتظرًا، متنقّلًا بين دمشق وأربيل وقامشلو وواشنطن، حاملًا همّ القضية في كل المحافل، وواقفًا إلى جانب الأخ الرئيس مسعود بارزاني من دون دعوة أو حسابات. وهذا هو أملنا بك اليوم، وهذا هو إيماننا بدورك ومسؤوليتك في هذه اللحظة المفصلية.
الأخ بافل،
هذه لحظة قرار. لحظة تتطلب قيادة تتجاوز الحسابات الحزبية الضيقة، وتضع مصلحة الأمة فوق كل اعتبار. وحدة الموقف الكردي اليوم هي الطريق الوحيد لحلّ عادل في سوريا، وهي السدّ الأخير لحماية فيدرالية كوردستان العراق.
مع محبتي وتقديري
مسعود محمد



